الباحث القرآني

ثُمَّ لَمّا كانَ أمْرُ النُّبُوَّةِ مُفَرَّعًا عَلى التَّوْحِيدِ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو مَسُوقٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ بِإخْلالِهِمْ بِالتَّأمُّلِ بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ إثْرَ ما نَعى عَلَيْهِمْ ما نَعى، والهَمْزَةُ هُنا كالهَمْزَةِ فِيما قَبْلُ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ أوْ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بِلَمْ، والمَلَكُوتُ المُلْكُ العَظِيمُ، أيْ: أكَذَّبُوا، أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما ذُكِرَ ولَمْ يَنْظُرُوا نَظَرَ تَأمُّلٍ واسْتِدْلالٍ فِيما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ ووَحْدَةِ المُبْدِعِ وعَظِيمِ شَأْنِ المالِكِ لِيَظْهَرَ لَهم صِحَّةُ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ ذاكَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّ التَّعْبِيرَ بِالنَّظَرِ هُنا دُونَ التَّفَكُّرِ الَّذِي عُبِّرَ بِهِ فِيما قَبْلُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الدَّلِيلَ هُنا أوْضَحُ مِنهُ فِيما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (مَلَكُوتِ) وتَخْصِيصُهُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ لِكَمالِ ظُهُورِ عِظَمِ المُلْكِ فِيهِما، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المُضافِ هو إلَيْهِ فَيَكُونُ مُنْسَحِبًا عَلى الجَمِيعِ، والتَّعْمِيمُ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في عِظَمِ المُلْكِ في الحَقِيقَةِ، و( مِن شَيْءٍ ) بَيانٌ (لِما)، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدَّلالَةَ عَلى التَّوْحِيدِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى السَّمَواتِ والأرْضِ، بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ العالَمِ دَلِيلٌ عَلى تَوْحِيدِهِ: ؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ العُقَلاءِ. نَعَمْ مِنهم مَن جَعَلَ وجْهَ الدَّلالَةِ الحُدُوثَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ المُتَكَلِّمِينَ، ومِنهم مَن جَعَلَ وجْهَها الإمْكانَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الفَلاسِفَةُ واخْتارَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ قُطْبُ عَصْرِهِ الشَّيْخُ خالِدٌ المُجَدِّدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَعْلِيقاتِهِ عَلى حَواشِي عَبْدِ الحَكِيمِ عَلى الخَيالِيِّ فارْجِعْ إلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-129)﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (مَلَكُوتِ) فَهو مَعْمُولٌ لِيَنْظُرُوا لَكِنْ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ أنَّهُ لِلِاسْتِدْلالِ بِناءً عَلى ما قالُوا: إنَّ قَيْدَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لا يَلْزَمُ مُلاحَظَتُهُ في المَعْطُوفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى مَعَ فاعِلِها الَّذِي هو (أنْ يَكُونَ)، وخَبَرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الخَبَرِيَّةُ ولا يَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ فَلا مَعْنى لِلْمُناقَشَةِ في ذَلِكَ، واسْمُ يَكُونُ أيْضًا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والخَبَرُ: (قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهُمْ)، ولَمْ يَجْعَلُوا هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ لِأنَّ تَنازُعَ كانَ وخَبَرِها مِمّا لَمْ يُعْهَدُ لا لِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الأصْلِ لِما فِيهِ مِنَ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ لِأنَّ ذَلِكَ لازِمٌ عَلى جَعْلِ الِاسْمِ ضَمِيرَ الشَّأْنِ ولا ضَيْرَ في كُلٍّ، وأمْرُ التَّكْرارِ فِيما ذَكَرْنا سَهْلٌ فَلا يُرْتَكَبُ لَهُ خِلافَ المَعْهُودِ خِلافًا لِلْقُطْبِ الرّازِيِّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّها لا تُوصَلُ إلّا بِالفِعْلِ المُتَصَرِّفِ، وعَسى لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والمَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا في اقْتِرابِ آجالِهِمْ وتَوَقُّعِ حُلُولِها فَيُسارِعُوا إلى طَلَبِ الحَقِّ والتَّوَجُّهِ إلى ما يُنْجِيهِمْ قَبْلَ مُغافَصَةِ المَوْتِ ومُفاجَأتِهِ ونُزُولِ العَذابِ، فالمُرادُ بِأجَلِهِمْ أجَلُ مَوْتِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ السّاعَةِ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِمْ لِمُلابَسَتِهِمْ لَها مِن جِهَةِ إنْكارِهِمْ إيّاها وبَحْثِهِمْ عَنْها، وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ قَطْعٌ لِاحْتِمالِ إيمانِهِمْ رَأْسًا ونَفْيٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ والإرْشادِ إلى النَّظَرِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ يُؤْمِنُونَ، وضَمِيرُ (بَعْدَهُ) لِلْقُرْآنِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ وهو مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ، والحَدِيثُ بِمَعْنى الكَلامِ فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ لِمَن يَزْعُمُ حُدُوثَ القُرْآنِ، وقِيلَ: ولَئِنْ سَلَّمْنا كَوْنَهُ دَلِيلًا يُرادُ مِنَ القُرْآنِ الألْفاظُ وهي مُحْدَثَةٌ عَلى المَشْهُورِ، والمَعْنى: إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ وهو النِّهايَةُ في البَيانِ فَبِأيِّ كَلامٍ يُؤْمِنُونَ بَعْدَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْآياتِ عَلى حَذْفِ المُضافِ المَفْهُومِ مِن كَذَّبُوا، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها قُرْآنًا أوْ بِتَأْوِيلِها بِالمَذْكُورِ أوْ إجْراءِ الضَّمِيرِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ. والمَعْنى: أكَذَّبُوا بِالآياتِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما يُوجِبُ تَصْدِيقَها مِن أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأحْوالِ المَصْنُوعاتِ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ تَكْذِيبِها يُؤْمِنُونَ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ: إنَّهُ يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا أيْ: بَعْدَ حَدِيثِهِ يُؤْمِنُونَ وهو أصْدَقُ النّاسِ، وقِيلَ: المُرادُ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ، وقِيلَ: بَعْدَ الأجَلِ؛ أيْ: كَيْفَ يُؤْمِنُونَ بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِهِمْ؟، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ عَسى﴾ إلَخِ ارْتِباطَ التَّسَبُّبِ عَنْهُ، والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ فَما بالُهم لا يُبادِرُونَ الإيمانَ بِالقُرْآنِ قَبْلَ المَوْتِ؟ وماذا يَنْظُرُونَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ؟ وبِأيِّ حَدِيثٍ أحَقَّ مِنهُ يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا؟ وتَقْدِيرُ ما قُدِّرَ عِنْدَ صاحِبِ الكَشْفِ لَيْسَ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ لِيَسْتَقِيمَ الكَلامُ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَعْنى الِاسْتِبْطاءِ الَّذِي في ضِمْنِ (أيِّ)، وأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ هَذا البَيانِ الواضِحِ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مَبْنِيٌّ عَلى الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ: وهو يَذَرُهُمْ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ أيْ: ونَحْنُ نَذَرُهُمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ والجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابَ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ لا يَهْدِهِ أحَدٌ ويَذَرُهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْكِينًا لِلتَّخْفِيفِ كَما قُرِئَ: يُشْعِرْكم ويَنْصُرْكُمْ، وقَدْ رُوِيَ الجَزْمُ مَعَ النُّونِ عَنْ (p-130)نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو في الشَّواذِّ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ يَذَرُهُمْ، والعَمَهُ: التَّرَدُّدُ في الضَّلالِ والتَّحَيُّرُ، أوْ أنْ لا يَعْرِفَ حُجَّةً، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في حَيِّزِ النَّفْيِ رِعايَةً لِلَفْظِ (مِن) وجَمْعُهُ في حَيِّزِ الإثْباتِ رِعايَةً لِمَعْناها لِلتَّنْصِيصِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ والإثْباتِ لِلْكُلِّ كَما قِيلَ هَذا. * * * (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ إشارَةٌ إلى مَنِ ابْتُلِيَ بِالحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ بِأنْ سَلَكَ حَتّى ظَهَرَ لَهُ ما ظَهَرَ ثُمَّ رَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ وغَلَبَةِ الشَّقاوَةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وفي التَّعْبِيرِ بِانْسَلَخَ ما لا يَخْفى. ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ إلى حَظِيرَةِ القُدُسِ ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ أيْ: مالَ إلى أرْضِ الطَّبِيعَةِ السُّفْلِيَّةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ في إيثارِ السُّوءِ ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ في أخَسِّ أحْوالِهِ ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ بِالزَّجْرِ ﴿يَلْهَثْ﴾ يُدْلِعُ لِسانَهُ مَعَ التَّنَفُّسِ الشَّدِيدِ. ﴿أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ أيْضًا. والمُرادُ أنَّهُ يَلْهَثُ دائِمًا وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا المُنْسَلِخَ لا يَزالُ يُطْلِقُ لِسانَهُ في أهْلِ الكَمالِ سَواءٌ زُجِرَ عَنْ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُزْجَرْ. ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم مَظاهِرُ القَهْرِ. ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ الأسْرارَ. ﴿ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ الحُجَجَ الكَوْنِيَّةَ. ﴿ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ؛ فَهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ. ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ لَيْسَ لَهم هَمٌّ إلّا الأكْلُ والشُّرْبُ. ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ مِنها لِأنَّهم لا يَنْزَجِرُونَ إذا زُجِرُوا ولا يَهْتَدُونَ إذا أُرْشِدُوا. ومِمّا يُسْتَبْعَدُ مِن طَرِيقِ العَقْلِ ما نَقَلَهُ الإمامُ الشَّعَرانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيٍّ الخَوّاصِ -قُدِّسَ سِرُّهُ- أنَّ البَهائِمَ مُكَلَّفُونَ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ وبِما ورَدَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّهُ لَيُؤْخَذُ لِلشّاةِ الجَمّاءِ مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ»». وهَذا وإنْ كانَ في الشّاةِ لَكِنْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ونُقِلَ عَنْهُ القَوْلُ بِأنَّ كُلَّ ما في الوُجُودِ مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ وجَمادٍ حَيٌّ دِراكٌ، ثُمَّ قالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَهَلْ تَشْبِيهُ الحَقِّ تَعالى مَن ضَلَّ مِن عِبادِهِ بِالأنْعامِ بَيانٌ لِنَقْصِ الأنْعامِ عَنِ الإنْسانِ أمْ لِكَمالِها في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى؟ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا أعْلَمُ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ بَعْضَهم يَقُولُ: لَيْسَ تَشْبِيهُهم بِالأنْعامِ نَقْصًا وإنَّما هُوَ: لِبَيانِ كَمالِ مَرْتَبَتِها في العِلْمِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى حارَتْ فِيهِ، فالتَّشْبِيهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ في الحَيْرَةِ لا في المُحارِ فِيهِ، فَلا أشَدَّ حَيْرَةً مِنَ العُلَماءِ بِاللَّهِ تَعالى، فَأعْلى ما يَصِلُ إلَيْهِ العُلَماءُ في العِلْمِ بِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى مُبْتَدَأُ البَهائِمِ الَّذِي لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْ أصْلِهِ وإنْ كانَتْ مُنْتَقِلَةً في شُؤُونِهِ بِتَنَقُّلِ الشُّؤُونِ الإلَهِيَّةِ لِأنَّها لا تَثْبُتُ عَلى حالٍ، ولِذَلِكَ كانَ مَن وصَفَهم سُبْحانَهُ وتَعالى مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ أضَلَّ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ لِأنَّهم يُرِيدُونَ الخُرُوجَ مِنَ الحَيْرَةِ مِن طَرِيقِ فِكْرِهِمْ ونَظَرِهِمْ ولا يُمْكِنُ لَهم ذَلِكَ، والبَهائِمُ عَلِمَتْ ذَلِكَ ووَقَفَتْ عِنْدَهُ ولَمْ تَطْلُبِ الخُرُوجَ عَنْهُ لِشِدَّةِ عِلْمِها بِاللَّهِ تَعالى، وذُكِرَ أنَّها ما سُمِّيَتْ بَهائِمَ إلّا لِأنَّ أمْرَها قَدْ أُبْهِمَ عَلى غالِبِ الخَلْقِ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ كَما عَرَفَهُ أهْلُ الكَشْفِ. انْتَهى. وهُوَ كَلامٌ يُورِثُ المُؤْمِنَ بِهِ حَسَدًا لِلْبَهائِمِ، نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِها وأعاذَنا مِنَ الحَسَدِ. ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ الَّتِي يُدَبَّرُ كُلُّ أمْرٍ بِاسْمٍ مِنها. ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ حَسْبَ المَراتِبِ وأعْلاها الدُّعاءُ بِلِسانِ الفِعْلِ وهو التَّحَلِّي بِمَعانِيها بِقَدْرِ ما يُتَصَوَّرُ في حَقِّ العَبْدِ وذَلِكَ حَظُّ المُقَرَّبِينَ مِنها، وذَكَرَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ حُظُوظَهم مِن مَعانِي أسْمائِهِ تَعالى ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ مَعْرِفَتُها عَلى سَبِيلِ المُكاشَفَةِ والمُشاهَدَةِ حَتّى يَتَّضِحَ لَهم حَقائِقُها بِالبُرْهانِ الَّذِي لا يَجُوزُ فِيهِ الخَطَأُ ويَنْكَشِفَ لَهُمُ اتِّصافُ اللَّهِ تَعالى بِها انْكِشافًا يُجْرِي الوُضُوحَ والبَيانَ مَجْرى اليَقِينِ الحاصِلِ لِلْإنْسانِ بِصِفاتِهِ الباطِنَةِ الَّتِي يُدْرِكُها بِمُشاهَدَةٍ باطِنَةٍ لا بِإحْساسِ ظاهِرِهِ، وكَمْ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ الِاعْتِقادِ المَأْخُوذِ مِنَ الآباءِ والمُعَلِّمِينَ (p-131)تَقْلِيدًا والتَّصْمِيمِ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مَقْرُونًا بِأدِلَّةٍ جَدَلِيَّةٍ كَلامِيَّةٍ. الثّانِي: اسْتِعْظامُهم ما يُكْشَفُ لَهم مِن صِفاتِ الجَلالِ والكَمالِ عَلى وجْهٍ يَنْبَعِثُ مِنهُ شَوْقُهم إلى الِاتِّصافِ بِما يُمْكِنُهم مِن تِلْكَ الصِّفاتِ لِيَقْرُبُوا بِها مِنَ الحَقِّ قُرْبًا بِالصِّفَةِ لا بِالمَكانِ فَيَأْخُذُوا مِنَ الِاتِّصافِ بِها شَبَهًا بِالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والخُلُوُّ مِن هَذا الشَّوْقِ لا يَكُونُ إلّا لِأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمّا لِضَعْفِ المَعْرِفَةِ، وإمّا لِكَوْنِ القَلْبِ مُمْتَلِئًا بِشَوْقٍ آخَرَ مُسْتَغْرِقًا بِهِ. والثّالِثُ السَّعْيُ في اكْتِسابِ المُمْكِنِ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ والتَّخَلُّقِ بِها والتَّحَلِّي بِمَحاسِنِها، وبِذَلِكَ يَصِيرُ العَبْدُ رَبّانِيًّا رَفِيقًا لِلْمَلَأِ الأعْلى مِنَ المَلائِكَةِ شَبِيهًا بِهِمْ، وحِينَئِذٍ لا يُؤَثِّرُ القُرْبُ والبُعْدُ في إدْراكِهِ بَلْ لا يَقْتَصِرُ إدْراكُهُ عَلى ما يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ ويَكُونُ مُقَدَّسًا عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ؛ فَلا تَكُونُ أفْعالُهُ بِمُقْتَضاها بَلِ الدّاعِي إلَيْها حِينَئِذٍ طَلَبُ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْزَمُ مِن هَذا إثْباتُ المُماثَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَيْنَ العَبْدِ، وقَدْ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لِأنَّ المُماثَلَةَ هي المُشارَكَةُ في النَّوْعِ والماهِيَّةِ لا مُطْلَقَ المُشارَكَةِ؛ فالفَرَسُ الكَيِّسُ وإنْ كانَ بالِغًا في الكِياسَةِ ما بَلَغَ لا يَكُونُ مُماثِلًا لِلْإنْسانِ لِمُخالَفَتِهِ لَهُ بِالنَّوْعِ وإنْ شابَهَهُ بِالكِياسَةِ الَّتِي هي عارِضَةٌ خارِجَةٌ عَنِ المُقَوِّماتِ الإنْسانِيَّةِ وأنْتَ تَعْلَمُ بِأدْنى التِفاتٍ أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الشَّرِكَةُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى الحَيِّ العَلِيمِ المُرِيدِ القادِرِ المُتَكَلِّمِ السَّمِيعِ البَصِيرِ وبَيْنَ العَبْدِ المُتَّصِفِ بِالحَياةِ والعِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ والسَّمْعِ والبَصَرِ إلّا في إطْلاقِ الِاسْمِ لا غَيْرُ، والكَلامُ في خَبَرِ: ««لا زالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ»» إلَخْ. يَسْتَدْعِي الخَوْضَ في بَحْرٍ لا ساحِلَ لَهُ، فَخُذْ ما آتَيْناكَ وذَرِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ يَطْلُبُونَ مَعانِيَها مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويُضِيفُونَها إلَيْهِ وهَؤُلاءِ مِمّا ذَرَأهم سُبْحانَهُ وتَعالى لِجَهَنَّمَ ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإلْحادِ ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ وهُمُ المُرْشَدُونَ الكامِلُونَ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كالمُنْكِرِينَ عَلى هَؤُلاءِ الأُمَّةِ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ إنّا سَنَسْتَدْرِجُهم ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أُمْهِلُهم. ﴿إنَّ كَيْدِي﴾ أخْذِي ﴿مَتِينٌ﴾ شَدِيدٌ، وقَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في المُنْكِرِينَ عَلى أوْلِيائِهِ أنْ يَأْخُذَهم أشَدَّ أخْذٍ، وقَدْ شاهَدْنا ذَلِكَ كَثِيرًا نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن مَكْرِهِ، ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ وهي الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المَلَكُوتِ وهو في مُصْطَلَحِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم عِبارَةٌ عَنْ عالَمِ الغَيْبِ المُخْتَصِّ بِالأرْواحِ والنُّفُوسِ، وفَسَّرُوا المُلْكَ بِعالَمِ الشَّهادَةِ مِنَ المَحْسُوساتِ الطَّبِيعِيَّةِ كالعَرْشِ والكُرْسِيِّ وغَيْرِهِما، وكُلُّ جِسْمٍ يَتَرَكَّبُ مِنَ الِاسْتِقْصاءاتِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب