الباحث القرآني
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بالَغَ في تَهْدِيدِ المُلْحِدِينَ المُعْرِضِينَ الغافِلِينَ عَنْ آياتِهِ والإيمانِ بِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَقَّبَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ بِالجَوابِ عَنْ شُبْهَتِهِمْ وإنْكارِ عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ .
فالهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ والسِّباقُ، والخِلافُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَشْهُورٌ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.
و(ما) قالَ أبُو البَقاءِ: تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً إنْكارِيَّةً في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، وأنْ تَكُونَ نافِيَةً اسْمُها (جِنَّةٍ) وخَبَرُها (بِصاحِبِهِمْ). وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وفِيهِ بُعْدٌ. والجِنَّةُ مَصْدَرٌ كالجِلْسَةِ بِمَعْنى الجُنُونِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الجِنَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: مَسُّ جِنَّةٍ أوْ تَخَبُّطُها، والتَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ، والتَّفَكُّرُ: التَّأمُّلُ وإعْمالُ الخاطِرِ في الأمْرِ، وهو مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُها في أمْرِ التَّعْلِيقِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ النَّصْبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ نَصْبٌ عَلى ذَلِكَ في الوَجْهِ الأخِيرِ، أيْ: أكَذَّبُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في أيِّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ ما كائِنٍ بِصاحِبِهِمُ الَّذِي هو أعْظَمُ الهادِينَ الحَقَّ وعَلَيْهِ أُنْزِلَتِ الآياتُ، أوْ في أنَّهُ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِن جِنَّةٍ حَتّى يُؤَدِّيَهُمُ التَّفَكُّرُ في ذَلِكَ إلى الوُقُوفِ (p-128)عَلى صِدْقِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ أوْ في الَّذِي بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ بِزَعْمِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الجِنَّةِ في شَيْءٍ فَيُؤْمِنُوا، واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ أيْ: أكَذَّبُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، أوْ: أوَلَمْ يَفْعَلُوا التَّفَكُّرَ، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: أيُّ شَيْءٍ بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ ما؟ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ والتَّبْكِيتِ، أوْ قِيلَ: لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِنها. والمُرادُ بِصاحِبِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِهِ؛ لِأنَّ الصُّحْبَةَ مِمّا يُطْلِعُهم عَلى نَزاهَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ شائِبَةٍ مِمّا ذُكِرَ، والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ وُضُوحِ اسْتِحالَةِ ثُبُوتِهِ لَهُ لِما أنَّ التَّكَلُّمَ بِما هو خارِقٌ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ بِهِ مَسٌّ مِنَ الجِنَّةِ كَيْفَما اتَّفَقَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ أوْ عَمَّنْ لَهُ تَأْيِيدٌ إلَهِيٌّ يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الغُيُوبِ، وإذْ لَيْسَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَيْءٌ مِنَ الأوَّلِ تَعَيَّنَ الثّانِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قامَ عَلى الصَّفا فَدَعا قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم بَأْسَ اللَّهِ تَعالى ووَقائِعَهُ إلى الصَّباحِ حَتّى قالَ قائِلُهُمْ: إنَّ صاحِبَكم هَذا المَجْنُونَ باتَ يُهَوِّتُ حَتّى أصْبَحَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ».
وعَلَيْهِ فالتَّصْرِيحُ بِنَفْيِ الجُنُونِ لِلرَّدِّ عَلى عَظِيمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ، والتَّعْبِيرُ بِصاحِبِهِمْ وارِدٌ عَلى مُشاكَلَةِ كَلامِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ النُّكْتَةِ السّالِفَةِ. وذَكَرَ بَعْضُهم في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّهم كانُوا إذا رَأوْا ما يَعْرِضُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن بُرَحاءِ الوَحْيِ قالُوا: جُنَّ. فَنَزَلَتْ: ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ وتَكْذِيبٌ لَهم فِيما يَزْعُمُونَهُ حَيْثُ تَبَيَّنَ فِيهِ حَقِيقَةُ حالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أيْ ما هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا مَبالِغٌ في الإنْذارِ مُظْهِرٌ لَهُ غايَةَ الإظْهارِ،
{"ayah":"أَوَلَمۡ یَتَفَكَّرُوا۟ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِیرࣱ مُّبِینٌ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











