الباحث القرآني
﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ قِيلَ: تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِ تَعالى وكَيْفِيَّةِ المُعامَلَةِ مَعَ المُخِلِّينَ بِذَلِكَ الغافِلِينَ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَمّا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ أثَرَ بَيانِ غَفْلَتِهِمِ التّامَّةِ وضَلالَتِهِمُ التّامَّةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وجْهٌ آخَرُ لِذِكْرِ ذَلِكَ.
والمُرادُ بِالأسْماءِ كَما قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ وغَيْرُهُ الألْفاظُ المَصُوغَةُ الدّالَّةُ عَلى المَعانِي المُخْتَلِفَةِ، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها أحْسَنُ الأسْماءِ وأجَلُّها لِإنْبائِها عَنْ أحْسَنِ المَعانِي وأشْرَفِها:
(p-121)وقِيلَ: المُرادُ بِالأسْماءِ الصِّفاتُ ويَكُونُ مِن قَوْلِهِمْ طارَ اسْمُهُ في البِلادِ أيْ: صِيتُهُ ونَعْتُهُ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ لِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ لِأنَّهُ إمّا مِنَ الدَّعْوَةِ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ كَقَوْلِهِمْ: دَعَوْتُهُ زَيْدًا أوْ بِزَيْدٍ أيْ سَمَّيْتُهُ أوْ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْنى النِّداءِ كَقَوْلِهِمْ: دَعَوْتُ زَيْدًا أيْ: نادَيْتُهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ إنَّما يُلائِمُ ظاهِرَ المَعْنى الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ.
﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ أيْ: يَمِيلُونَ ويَنْحَرِفُونَ فِيها عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ يُقالُ: ألْحَدَ إذا مالَ عَنِ القَصْدِ والِاسْتِقامَةِ، ومِنهُ لَحْدُ القَبْرِ لِكَوْنِهِ في جانِبِهِ بِخِلافِ الضَّرِيحِ فَإنَّهُ في وسَطِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ هُنا وفي فُصِّلَتْ: (يَلْحَدُونَ) بِالفَتْحِ مِنَ الثُّلاثِيِّ، والمَعْنى واحِدٌ، ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الأحْمَرِ أنَّ ألْحَدَ بِمَعْنى مارى وجادَلَ، ولَحَدَ بِمَعْنى مالَ وانْحَرَفَ، واخْتارَ الواحِدِيُّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالَ: ولا يَكادُ يُسْمَعُ لاحِدٍ بِمَعْنى مُلْحِدٍ، والإلْحادُ في أسْمائِهِ سُبْحانَهُ أنْ يُسَمّى بِما لا تَوْقِيفَ فِيهِ، أوْ بِما يُوهِمُ مَعْنًى فاسِدًا كَما في قَوْلِ أهْلِ البَدْوِ: يا أبا المَكارِمِ، يا أبْيَضَ الوَجْهِ، يا سَخِيُّ ونَحْوَ ذَلِكَ، فالمُرادُ بِالتَّرْكِ المَأْمُورِ بِهِ الِاجْتِنابُ عَنْ ذَلِكَ، وبِأسْمائِهِ ما أطْلَقُوهُ عَلَيْهِ تَعالى وسَمَّوْهُ بِهِ عَلى زَعْمِهِمْ لا أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ تَرْكُ الإضْمارِ بِأنْ يُقالَ: يُلْحِدُونَ بِها، وما قِيلَ: إنَّهُ أُرِيدَ بِالأسْماءِ التَّسْمِياتُ فَلِذا تَرْكُ الإضْمارِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ومَن فَسَّرَ الإلْحادَ في الأسْماءِ بِما ذُكِرَ ذَهَبَ إلى أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ يُراعى فِيها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ فَكُلُّ اسْمٍ ورَدَ في هَذِهِ الأُصُولِ جازَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ وما لَمْ يَرِدْ فِيها لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ وإنْ صَحَّ مَعْناهُ، وبِهَذا صَرَّحَ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ في مَفاتِيحِ الحُجَجِ ومَصابِيحِ النُّهَجِ، وفي أبْكارِ الأفْكارِ لِلْآمِدِيِّ لَيْسَ مَأْخَذُ جَوازِ تَسْمِياتِ الأسْماءِ الحُسْنى دَلِيلًا عَقْلِيًّا ولا قِياسًا لَفْظِيًّا، وإلّا لَكانَ تَسْمِيَةُ الرَّبِّ تَعالى فَقِيهًا عاقِلًا مَعَ صِحَّةِ مَعانِي هَذِهِ التَّسْمِياتِ في حَقِّهِ وهي العِلْمُ والفِقْهُ أوْلى مِن تَسْمِيَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِكَثِيرٍ مِمّا يُشْكِلُ ظاهِرُهُ بَلْ مَأْخَذُ ذَلِكَ إنَّما هُوَ: الإطْلاقُ والإذْنُ مِنَ الشّارِعِ فَكُلُّ ما ورَدَ الإذْنُ بِهِ مِنهُ جَوَّزْناهُ وما ورَدَ المَنعُ مِنهُ مَنَعْناهُ وما لَمْ يُوجَدْ فِيهِ إطْلاقٌ ولا مَنعٌ فَقَدْ قالَ بَعْضُ أصْحابِنا بِالمَنعِ مِنهُ ولَيْسَ القَوْلُ بِالمَنعِ مَعَ عَدَمِ وُرُودِهِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِالجَوازِ مَعَ عَدَمِ وُرُودِهِ؛ إذِ المَنعُ والجَوازُ حُكْمانِ، ولَيْسَ إثْباتُ أحَدِهِما مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ أوْلى مِنَ الآخَرِ بَلِ الحَقُّ في ذَلِكَ هو الوَقْفُ وهو أنّا لا نَحْكُمُ بِجَوازٍ ولا مَنعٍ والمُتَّبَعُ في ذَلِكَ كُلِّهِ الظَّواهِرُ الشَّرْعِيَّةُ كَما هو المُتَّبَعُ في سائِرِ الأحْكامِ وهو أنْ يَكُونَ ظاهِرًا في دَلالَتِهِ وفي صِحَّتِهِ ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ القَطْعُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأصْحابِ لِكَوْنِ المَنعِ والجَوازِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والتَّفْرِقَةُ بَيْنَ حُكْمٍ وحُكْمٍ في اشْتِراطِ القَطْعِ في أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأحْكامِ الأُصُولِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ والأحْكامِ الفَرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، وخُلاصَةُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّ عُلَماءَ الإسْلامِ اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ إطْلاقِ الأسْماءِ والصِّفاتِ عَلى البارِي تَعالى إذا ورَدَ بِها الإذْنُ مِنَ الشّارِعِ وعَلى امْتِناعِهِ إذا ورَدَ المَنعُ عَنْهُ، واخْتَلَفُوا حَيْثُ لا إذَنْ ولا مَنعَ في جَوازِ إطْلاقِ ما كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَّصِفًا بِمَعْناهُ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الأسْماءِ الأعْلامِ المَوْضُوعَةِ في سائِرِ اللُّغاتِ إذْ لَيْسَ جَوازُ إطْلاقِها عَلَيْهِ تَعالى مَحَلَّ نِزاعٍ لِأحَدٍ، ولَمْ يَكُنْ إطْلاقُهُ مُوهِمًا نَقْصًا بَلْ كانَ مُشْعِرًا بِالمَدْحِ، فَمَنَعَهُ جُمْهُورُ أهْلِ الحَقِّ مُطْلَقًا لِلْخَطَرِ، وجَوَّزَهُ المُعْتَزِلَةُ مُطْلَقًا، ومالَ إلَيْهِ القاضِي أبُو بَكْرٍ لِشُيُوعِ إطْلاقِ نَحْوِ: خُدا وتَكْرى مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَكانَ إجْماعًا، ورُدَّ بِأنَّ الإجْماعَ كافٍ في الإذْنِ الشَّرْعِيِّ إذا ثَبَتَ.
(p-122)واعْتَرَضَهُ أيْضًا إمامُ الحَرَمَيْنِ بِأنَّهُ قَوْلٌ بِالقِياسِ وهو حُجَّةٌ في العَمَلِيّاتِ والأسْماءِ والصِّفاتِ مِنَ العَمَلِيّاتِ، ورَوى بَعْضُهم عَنْهُ التَّوَقُّفَ، وذَكَرَ في شَرْحِ المَواقِفِ أنَّ القاضِيَ أبا بَكْرٍ ذَهَبَ إلى أنَّ كُلَّ لَفْظٍ دَلَّ عَلى مَعْنًى ثابِتٍ لِلَّهِ تَعالى جازَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَكُنْ مُوهِمًا لِما لا يَلِيقُ بِذاتِهِ تَعالى، ثُمَّ قالَ: وقَدْ يُقالُ: لا بُدَّ مَعَ نَفْيِ ذَلِكَ الإيهامِ مِنَ الإشْعارِ بِالتَّعْظِيمِ حَتّى يَصِحَّ الإطْلاقُ بِلا تَوَقُّفٍ وجَعْلِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ غَيْرَ مَذْهَبِهِ والمَشْهُورُ ما ذَكَرْناهُ.
وفَصَّلَ الغَزالِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ فَجَوَّزَ إطْلاقَ الصِّفَةِ وهو ما دَلَّ عَلى مَعْنًى زائِدٍ عَلى الذّاتِ ومَنَعَ إطْلاقَ الِاسْمِ وهو ما يَدُلُّ عَلى نَفْسِ الذّاتِ مُحْتَجًّا بِإباحَةِ الصِّدْقِ واسْتِحْبابِهِ والصِّفَةِ لِتَضَمُّنِها النِّسْبَةَ الخَبَرِيَّةَ راجِعَةً إلَيْهِ وهي لا تَتَوَقَّفُ إلّا عَلى تَحَقُّقِ مَعْناها بِخِلافِ الِاسْمِ فَإنَّهُ لا يَتَضَمَّنُ النِّسْبَةَ الخَبَرِيَّةَ وأنَّهُ لَيْسَ إلّا لِلْأبَوَيْنِ أوْ مَن يَجْرِي مَجْراهُما. وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لا مانَعَ مِنَ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى تِلْكَ النِّسْبَةِ والخَطَرُ قائِمٌ، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ؟
واخْتارَ جَمْعٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ قالُوا: فَيُطْلَقُ ما سُمِعَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سُمِعَ ولا يُتَجاوَزُ ذَلِكَ إلّا في التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ سَواءٌ أوْهَمَ كالصَّبُورِ والشَّكُورِ والجَبّارِ والرَّحِيمِ أوْ لَمْ يُوهِمْ كالقادِرِ والعالِمِ، والمُرادُ بِالسَّمْعِيِّ ما ورَدَ بِهِ كِتابٌ أوْ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ أوْ إجْماعٌ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ خارِجٍ عَنْهُما في التَّحْقِيقِ بِخِلافِ الضَّعِيفَةِ، والقِياسُ أيْضًا إنْ قُلْنا: إنَّ المَسْألَةَ مِنَ العَمَلِيّاتِ أمّا إنْ قُلْنا: إنَّها مِنَ العَمَلِيّاتِ فالسُّنَّةُ الضَّعِيفَةُ كالحَسَنَةِ الواهِيَةِ جِدًّا، والقِياسُ كالإجْماعِ، وأطْلَقَ بَعْضُهُمُ المَنعَ في القِياسِ وهو الظّاهِرُ لِاحْتِمالِ إيهامِ أحَدِ المُتَرادِفَيْنِ دُونَ الآخَرِ.
وجَعَلَ بَعْضُهم مِنَ الثّابِتِ بِالقِياسِ المُتَرادِفاتِ مِن لُغَةٍ أوْ لُغاتٍ، ولَيْسَ بِذاكَ، ومِنَ الثّابِتِ بِالإجْماعِ الصّانِعُ والمَوْجُودُ والواجِبُ القَدِيمُ، قِيلَ: والعِلَّةُ، وقِيلَ: الصّانِعُ والقَدِيمُ مَسْمُوعانِ كالحَنّانِ والمَنّانِ، ونَصَّ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَلى أنَّهُ يُمْنَعُ إطْلاقُ غَيْرِ المُضافِ إذا كانَ مُرادِفًا لِلْمُضافِ المَسْمُوعِ قِياسًا كَما يُمْنَعُ إطْلاقُ ما ورَدَ عَلى وجْهِ المُشاكَلَةِ والمَجازِ، وأنَّهُ لا يَكْفِي وُرُودُ الفِعْلِ والمَصْدَرِ ونَحْوِهِما في صِحَّةِ إطْلاقِ الوَصْفِ فَلا يُطْلَقُ الحارِثُ والزّارِعُ والرّامِي والمُسْتَهْزِئُ والمُنْزِلُ والماكِرُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإنْ جاءَتْ آياتٌ تُشْعِرُ بِذَلِكَ.
هَذا ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الألْفاظَ عَلى الصِّفاتِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: الأوَّلُ ما يَدُلُّ عَلى صِفاتٍ واجِبَةٍ وهو أصْنافٌ:
مِنها ما يَصِحُّ إطْلاقُهُ مُفْرَدًا لا مُضافًا نَحْوَ المَوْجُودِ والأزَلِيِّ والقَدِيمِ وغَيْرِها، ومِنها ما يَصِحُّ إطْلاقُهُ مُفْرَدًا ومُضافًا إلى ما لا هُجْنَةَ فِيهِ نَحْوَ المَلِكِ والمَوْلى والرَّبِّ والخالِقِ. ومِنها ما يَصِحُّ مُضافًا غَيْرَ مُفْرَدٍ نَحْوَ يا مُنْشِئَ الرُّفاتِ ومُقِيلَ العَثَراتِ، والثّانِي ما يَدُلُّ عَلى صِفاتٍ مُمْتَنِعَةٍ نَحْوَ اليَدِ والوَجْهِ والنُّزُولِ والمَجِيءِ فَلا يَصِحُّ إطْلاقُهُ البَتَّةَ، وإنْ ورَدَ بِهِ السَّمْعُ كانَ التَّأْوِيلُ مِنَ اللَّوازِمِ. والثّالِثُ ما لا يَدُلُّ عَلى صِفاتٍ واجِبَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ بَلْ يَدُلُّ عَلى مَعانٍ ثابِتَةٍ نَحْوَ المَكْرِ والخِداعِ وأمْثالِهِما فَلا يَصِحُّ إطْلاقُهُ إلّا إذا ورَدَ التَّوْقِيفُ، ولا يُقالُ: يا مَكّارُ، يا خَدّاعُ البَتَّةَ وإنْ كانَ مَذْكُورًا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ الحَقَّ الِاعْتِمادُ في الإطْلاقِ عَلى الإطْلاقِ عَلى التَّوْقِيفِ، وأنَّ كُلَّ ما أذِنَ الشّارِعُ أنْ يُدْعى بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ سَواءٌ كانَ مُشْتَقًّا أوْ غَيْرَ مُشْتَقٍّ فَهو اسْمٌ، وكُلُّ ما نُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ سَواءٌ كانَ مُؤَوَّلًا أوْ غَيْرَ مُؤَوَّلٍ فَهو وصْفٌ، وجَعَلَ الحَيَّ وصْفًا والكِرِيمَ اسْمًا، وادَّعى أنَّهُ يُقالُ: يا كَرِيمُ، ولا يُقالُ: يا حَيُّ مَعَ وُرُودِ اللَّفْظَيْنِ فِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، مِن (p-123)حَدِيثِ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««اللَّهُ تَعالى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إذا رَفَعَ العَبْدُ يَدَهُ أنْ يَرُدَّها صِفْرًا حَتّى يَضَعَ فِيها خَيْرًا»» .
وذَكَرَ أنَّ التَّعْرِيفَ في الأسْماءِ لِلْعَهْدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَعْهُودِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَ بِالدُّعاءِ بِها ونَهى عَنِ الدُّعاءِ بِغَيْرِها وأوْعَدَ عَلى ذَلِكَ.
ورَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ لِلَّهِ تَعالى تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مَن حَفِظَها دَخَلَ الجَنَّةَ» وفي رِوايَةٍ: أحْصاها،» وفي أُخْرى: ««إنَّ لِلَّهِ تَعالى تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلّا واحِدًا»».
وأُوتِيَ فِيهِ بِالفَذْلَكَةِ والتَّأْكِيدِ لِئَلّا يُزادَ عَلى ما ورَدَ. وجاءَتْ مَعْدُودَةً في بَعْضِ الرِّواياتِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««هُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ الغَفّارُ القَهّارُ الوَهّابُ الرَّزّاقُ الفَتّاحُ العَلِيمُ القابِضُ الباسِطُ الخافِضُ الرّافِعُ المُعِزُّ المُذِلُّ السَّمِيعُ البَصِيرُ الحَكَمُ العَدْلُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ الحَلِيمُ العَظِيمُ الغَفُورُ الشَّكُورُ العَلِيُّ الكَبِيرُ الحَفِيظُ المُقِيتُ الحَسِيبُ الجَلِيلُ الكَرِيمُ الرَّقِيبُ المُجِيبُ الواسِعُ الحَكِيمُ الوَدُودُ المَجِيدُ الباعِثُ الشَّهِيدُ الحَقُّ الوَكِيلُ القَوِيُّ المَتِينُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ المُحْصِي المُبْدِئُ المُعِيدُ المُحْيِيُ المُمِيتُ الحَيُّ القَيُّومُ الواجِدُ الماجِدُ الواحِدُ الصَّمَدُ القادِرُ المُقْتَدِرُ المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ الأوَّلُ الآخِرُ الظّاهِرُ الباطِنُ الوالِي المُتَعالِ البَرُّ التَّوّابُ المُنْتَقِمُ العَفُوُّ الرَّؤُوفُ مالِكُ المُلْكِ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ المُقْسِطُ الجامِعُ الغَنِيُّ المُغْنِي المانِعُ الضّارُّ النّافِعُ النُّورُ الهادِي البَدِيعُ الباقِي الوارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُورُ»».
ونُقِلَ عَنْ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم غَيْرُ ذَلِكَ وأخَذُوها مِنَ القُرْآنِ وجاءَ أيْضًا عِنْدَنا ما يُخالِفُ هَذِهِ الرِّوايَةَ في بَعْضِ الأسْماءِ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ مِنها ما يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ ومِنها ما يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ، ومِنها ما يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ. ومِنها ما اخْتُلِفَ في رُجُوعِهِ إلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ وعَدَمِ رُجُوعِهِ، وهو اللَّهُ، والحَقُّ أنَّهُ اسْمٌ لِلذّاتِ وهو الَّذِي إلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ، ومِن هُنا ذَهَبَ الجُلُّ إلى أنَّهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ، وتَنْقَسِمُ قِسْمَةً أُخْرى إلى ما لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كاللَّهِ والرَّحْمَنِ وما يَجُوزُ كالرَّحِيمِ والكَرِيمِ وإلى ما يُباحُ ذِكْرُهُ وحْدَهُ كَأكْثَرِها، وإلى ما لا يُباحُ ذِكْرُهُ كَذَلِكَ كالمُمِيتِ والضّارِّ فَإنَّهُ لا يُقالُ: يا مُمِيتُ يا ضارُّ بَلْ يُقالُ: يا مُحْيِي يا مُمِيتُ ويا نافِعُ يا ضارُّ، والَّذِي أراهُ أنَّهُ لا حَصْرَ لِأسْمائِهِ عَزَّتْ أسْماؤُهُ في التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن أصابَهُ هَمٌّ أوْ حَزَنٌ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أمَتِكَ ناصِيَتِي في يَدِكَ ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ لَهُ نَفْسَكَ أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي ونُورَ صَدْرِي وذَهابَ هَمِّي وجَلاءَ حُزْنِي»» الحَدِيثَ.
وهُوَ صَرِيحٌ في عَدَمِ الحَصْرِ لِمَكانِ أوْ وأوْ.
وحَكى مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ اتِّفاقَ العُلَماءِ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحَدِيثِ الإخْبارُ بِأنَّ هَذِهِ التِّسْعَةَ والتِّسْعِينَ مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ وهو لا يُنافِي أنَّ لَهُ تَعالى أسْماءً غَيْرَها غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِذَلِكَ. ونَقَلَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ألْفَ اسْمٍ ثُمَّ قالَ: وهَذا قَلِيلٌ وهو كَما قالَ. وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها أرْبَعَةُ آلافٍ، وعَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أنَّها لا تَكادُ تُحْصى، والمُخْتارُ عِنْدِي عَدَمُ تَوَقُّفِ إطْلاقِ الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ الرّاجِعَةِ إلى نَوْعٍ مِنَ الصِّفاتِ النَّفْسِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ وكَذا الصِّفاتُ السَّلْبِيَّةُ عَلَيْهِ تَعالى عَلى التَّوْقِيفِ الخاصِّ بَلْ يَصِحُّ الإطْلاقُ بِدُونِهِ لَكِنْ بَعْدَ التَّحَرِّي التّامِّ، وبِذَلِكَ الوُسْعِ فِيما هو نَصٌّ في التَّعْظِيمِ والتَّحَفُّظِ إلى الغايَةِ عَمّا يُوهِمُ أدْنى أدْنى نَقْصٍ (p-124)مَعاذَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِ سُبْحانَهُ؛ لِأنّا مَأْذُونُونَ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى بِالأقْوالِ والأفْعالِ ولَمْ يُحَدَّ لَنا حَدٌّ فِيهِ، فَمَتى كانَ في الإطْلاقِ تَعْظِيمٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ كانَ مَأْذُونًا بِهِ، والتَّكْلِيفُ مَنُوطٌ بِالوُسْعِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ فَبَعْدَ بَذْلِ الوُسْعِ في التَّعْظِيمِ يَرْتَفِعُ الحَرَجُ.
وحَدِيثُ الخَطَرِ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ يَسْتَدْعِي أنْ لا يَصِحَّ إلّا إطْلاقُ ما ثَبَتَ تَواتُرًا إطْلاقُهُ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا أوِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى إطْلاقِهِ لِأنَّ الثُّبُوتَ فِيما عَدا ذَلِكَ ظَنِّيٌّ والخَطَرُ فِيهِ يَقِينِيٌّ، والأسْماءُ المُتَقَدِّمَةُ آنِفًا لَمْ يُوجَدْ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ ذِكْرُها، وهي مَشْهُورَةٌ مِن حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ، وقَدْ قالَ: إنَّهُ حَدَّثَنا بِهِ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ صَفْوانَ بْنِ صالِحٍ ولا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِهِ وهو ثِقَةٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا القَدْرَ لا يَثْبُتُ بِهِ اليَقِينُ بَلْ ولا بِمِثْلِهِ ومِثْلِهِ، عَلى أنَّ عَدَّ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ لِلتِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ وكَذا غَيْرُهم كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ يُخالِفُ هَذا العَدَّ، وسَنَدُ ذَلِكَ الخَبَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في المَتانَةِ كَسَنَدِ هَذا إلّا أنَّهُ لا أقَلَّ يُورِثُ الشُّبْهَةَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: حَصَلَ الإجْماعُ عَلى ما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ، دُونَ ما في حَدِيثِ غَيْرِهِ المُخالِفِ لَهُ، لَكِنْ لَمْ أقِفْ عَلى مَن حَكى ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأسْماءَ المَأْخُوذَةَ مِمّا ذَكَرْنا لا مانِعَ مِنَ الدُّعاءِ بِها ومِن إجْرائِها إخْبارًا عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ أوْصافًا لَهُ جَلَّ وعَزَّ، وكُلُّها حُسْنى، وتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ مِن جِهَةِ أنَّها بِالمَعْنى المُرادِ مِنها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى مُخْتَصَّةٌ بِهِ جَلَّ وعَلا اخْتِصاصَ الِاسْمِ ولا تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ بِالمَعْنى المُرادِ مِنها حالَ إطْلاقِها عَلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما تُطْلَقُ عَلى الغَيْرِ بِمَعْنًى آخَرَ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ المَعْنى إلّا كَما بَيْنَ السَّوادِ والبَياضِ؛ فَإنَّ بَيْنَهُما غايَةَ البُعْدِ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ بُعْدٌ فَوْقَهُ، لَكِنَّهُما مُتَشارِكانِ في العَرْضِيَّةِ واللَّوْنِيَّةِ والمُدْرَكِيَّةِ بِالبَصَرِ وأُمُورٍ أُخَرَ سِوى ذَلِكَ، وبِهَذا لا يُعَدُّ البَياضُ مُماثِلًا لِلسَّوادِ أوْ بِالعَكْسِ؛ لِأنَّ المُماثَلَةَ عِبارَةٌ عَنِ المُشارَكَةِ في النَّوْعِ والماهِيَّةِ وهي مَفْقُودَةٌ هُنا وكَذا هي مَفْقُودَةٌ بَيْنَ العَلَمِ مَثَلًا الَّذِي يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِهِ والعَلَمِ الَّذِي يُوصَفُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ ولا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ وماهِيَّتَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى كَما لا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ اللَّهِ تَعالى إلّا اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ. نَعَمْ لَوْ قالَ قائِلٌ: لا أعْرِفُ إلّا اللَّهَ تَعالى صَدَقَ، ولَكِنْ مِن جِهَةٍ أُخْرى، ونِهايَةُ مَعْرِفَةِ العارِفِينَ العَجْزُ عَنِ المَعْرِفَةِ، ومَعْرِفَتُهم بِالحَقِيقَةِ أنَّهم لا يَعْرِفُونَهُ، فَإذا انْكَشَفَ لَهم ذَلِكَ فَقَدْ عَرَفُوا وبَلَغُوا المُنْتَهى الَّذِي يُمْكِنُ في حَقِّ الخَلْقِ مِن مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وهَذا الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ: العَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكٌ. بَلْ هو الَّذِي عَناهُ سَيِّدُ البَشَرِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ»».
فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ: إنِّي لا أُحِيطُ بِمَحامِدِكَ وصِفاتِ إلَهِيَّتِكَ وإنَّما أنْتَ المُحِيطُ بِهِ وحْدَكَ لا أنِّي أعْرِفُ مِنكَ ما لا أسْتَطِيعُ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِلِسانِي، وتَفاوُتُ دَرَجاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمَلائِكَةِ والأوْلِياءِ في المَعْرِفَةِ إنَّما هُوَ: بِالوُقُوفِ عَلى عَجائِبِ آياتِهِ في مَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأرْضِ وخَلْقِ الأرْواحِ والأجْسادِ وحِينَئِذٍ يَتَفاوَتُونَ في مَعْرِفَةِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، ومَعْرِفَةُ أنَّ زَيْدًا عالِمٌ مَثَلًا لَيْسَ كَمَعْرِفَةِ تَفاصِيلِ عُلُومِهِ كَما لا يَخْفى، ولا يَرِدُ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الِاخْتِصارِ أنَّهُ يَأْباهُ تَقْسِيمُهم أسْماءَهُ تَعالى إلى مُخْتَصٍّ كالرَّحْمَنِ وغَيْرِ مُخْتَصٍّ كالرَّحِيمِ؛ لِأنَّ مُرادَهم بِالمُخْتَصِّ ما اعْتُبِرَ في مَفْهُومِهِ المُطابَقِيِّ ما يَمْنَعُ مِنَ الإطْلاقِ عَلى الغَيْرِ، وقَدْ نَصَّ البَيْضاوِيُّ عَلى أنَّ مَعْنى الرَّحْمَنِ المُنْعِمُ الحَقِيقِيُّ البالِغُ في الرَّحْمَةِ غايَتَها؛ وذَلِكَ لا يَصْدُقُ عَلى غَيْرِهِ تَعالى؛ فَلِذا لا يُوصَفُ بِهِ، وبِغَيْرِ المُخْتَصِّ ما لَمْ يُعْتَبَرْ في مَفْهُومِهِ ذَلِكَ بَلِ اعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنًى عامٌّ فَيُطْلَقُ لِذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى غَيْرِهِ، لَكِنْ حالَ إطْلاقِهِ عَلَيْهِ تَعالى يُرادُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن ذَلِكَ المَفْهُومِ الَّذِي لا يَلِيقُ (p-125)ولا يُمْكِنُ أنْ يُثْبَتَ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ يُقالُ: لا فَرْقَ بَيْنَ الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ الَّتِي يُوجَدُ في الغَيْرِ مَبْدَأُ اشْتِقاقِها في الجُمْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّ اعْتِبارَ ذَلِكَ الوُجُودِ يَقْتَضِي عَدَمَ الِاخْتِصاصِ، واعْتِبارُ الوُجُودِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ يَقْتَضِي الِاخْتِصاصَ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ اسْمٍ واسْمٍ إلّا أنّا حَكَمْنا بِالِاخْتِصاصِ في بَعْضٍ وبِعَدَمِهِ في آخَرَ لِأمْرٍ آخَرَ كالِاسْتِعْمالِ وعَدَمِ الِاسْتِعْمالِ وإذْنِ الشّارِعِ وعَدَمِ إذْنِهِ فَلا يَأْبى ما قُلْناهُ أيْضًا، نَعَمْ اعْتِبارُ الِاخْتِصاصِ بِاللَّهِ تَعالى في الأسْماءِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ لا يَتَأتّى فِيها بِناءً عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ أيْضًا فَيَكُونُ المَعْنى لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ الأسْماءُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِ تَعالى ولا تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ، ويَؤُولُ ذَلِكَ إلى أنَّ الأسْماءَ المُخْتَصَّةَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُخْتَصَّةٌ بِهِ جَلَّ وعَلا وهو مِمّا لا فائِدَةَ فِيهِ، وحِينَئِذٍ لا بُدَّ إمّا مِن حَمْلِ الأسْماءِ عَلى الصِّفاتِ كَما قالَ البَعْضُ، ومَعْنى الحُسْنى الكامِلَةُ مِن كُلِّ وجْهٍ، أيْ: لِلَّهِ تَعالى لا لِغَيْرِهِ الصِّفاتُ الكامِلَةُ لِأنَّ صِفاتِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَيْفَما كانَتْ ناقِصَةً لا أقَلَّ مِن أنَّ العَدَمَ مُحِيطٌ بِطَرَفَيْها، ومَعْنى فادْعُوهُ بِها إلَخْ: سَمُّوهُ بِما يُشْتَقُّ مِنها أوْ نادُوهُ بِذَلِكَ، وذَرُوا الَّذِينَ يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ في صِفاتِهِ فَيُسَمُّونَ بِها غَيْرَهُ أوْ يَدْعُونَ مُعْتَقِدِينَ الشَّرِكَةَ، ودَعُوهم وإلْحادَهُمْ، وأمّا مِنَ ارْتِكابِ ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ، وما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِن أنَّ التَّعْرِيفَ في الأسْماءِ لِلْعَهْدِ إلى آخِرِ ما قالَهُ مِمّا لا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن رَكاكَتِهِ فَتَأمَّلْ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالإلْحادِ العُدُولُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ تَعالى بِبَعْضِ أسْمائِهِ الكَرِيمَةِ كَما قالُوا: وما الرَّحْمَنُ؟ أنّا لا نَعْرِفُ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِالتَّرْكِ الِاجْتِنابُ كَما أُرِيدَ أوَّلًا بِالأسْماءِ أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، فالمَعْنى: سَمُّوهُ تَعالى بِجَمِيعِ أسْمائِهِ واجْتَنِبُوا إخْراجَ بَعْضِها مِنَ البَيْنِ، وأنْ يُرادَ بِهِ إطْلاقُها عَلى الأصْنامِ واشْتِقاقُ أسْمائِها مِنها كاللّاتِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والعُزّى مِنَ العَزِيزِ، فالمُرادُ مِنَ الأسْماءِ أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ مَعَ التَّجْرِيدِ عَنِ الوَصْفِ في الكُلِّ لِلْإيذانِ بِأنَّ إلْحادَهم في نَفْسِ الأسْماءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الوَصْفِ. والمُرادُ بِالتَّرْكِ الإعْراضُ وعَدَمُ المُبالاةِ بِما فَعَلُوا تَرَقُّبًا لِنُزُولِ العُقُوبَةِ فِيهِمْ عَنْ قَرِيبٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لا نُبالِي؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عُقُوبَةٌ وتَشْتَفُونَ عَنْ قَرِيبٍ، والمَعْنى عَلى الأمْرِ بِالِاجْتِنابِ: اجْتَنِبُوا إلْحادَهم كَيْلا يُصِيبَكم ما يُصِيبُهم فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عُقُوبَةُ ذَلِكَ
{"ayah":"وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِینَ یُلۡحِدُونَ فِیۤ أَسۡمَـٰۤىِٕهِۦۚ سَیُجۡزَوۡنَ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











