الباحث القرآني

﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ، والذَّرْأُ بِالهَمْزَةِ الخَلْقُ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرُهُ أيْ: واللَّهِ تَعالى لَقَدْ خَلَقْنا: ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ عِنْدَ الكَثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَهُ مَلَكٌ يُنادِي كُلَّ يَوْمٍ لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ وفِي الكَشّافِ أنَّهم جُعِلُوا لِإغْراقِهِمْ في الكُفْرِ وشِدَّةِ شَكائِمِهِمْ فِيهِ وأنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهم إلّا أفْعالُ أهْلِ النّارِ مَخْلُوقِينَ لِلنّارِ دَلالَةً عَلى تَوَغُّلِهِمْ في المُوجِباتِ وتَمَكُّنِهِمْ فِيما يُؤَهِّلُهم لِدُخُولِها، وأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ تَذْيِيلٌ لِقِصَّةِ اليَهُودِ بَعْدَ ما عَدَّ مِن قَبائِحِهِمْ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: مِنَ الَّذِينَ لا يَنْجَعُ فِيهِمُ الإنْذارُ فَدَعْهم واشْتَغِلْ بِأمْرِ نَفْسِكَ ومَن هو عَلى دِينِكَ في لُزُومِ التَّوْحِيدِ، والآيَةُ عَلى ما قالَ مِن بابِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ عِنْدَ القُطْبِ قُدِّسَ سِرُّهُ، ويُفْهِمُ كَلامُهُ أنَّ الَّذِي دَعا الزَّمَخْشَرِيَّ إلى ذَلِكَ لُزُومُ كَوْنِ الكُفْرِ مُرادَ اللَّهِ تَعالى إذا أُرِيدَ الظّاهِرُ وهو خِلافُ مَذْهَبِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكَثِيرَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ تَأوَّلُوا الآيَةَ بِحَمْلِ اللّامِ عَلى ما عَلِمْتَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ فَإنَّ تَعْلِيلَ الخَلْقِ بِالعِبادِ يَأْبى تَعْلِيلَهُ بِجَهَنَّمَ ودُخُولِها، نَعَمْ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ مِنّا إلى الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ وكَوْنِ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ، وادَّعى أُناسٌ أنَّ التَّأْوِيلَ مُخالِفٌ لِلْأحادِيثِ الوارِدَةِ في البابِ كَبَعْضِ الأحادِيثِ السّابِقَةِ في آيَةِ أخْذِ المِيثاقِ، وما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَتادَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ أخَذَ الخَلْقَ مِن ظَهْرِهِ فَقالَ: هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَؤُلاءِ في النّارِ ولا أُبالِي، قالَ قائِلٌ: فَعَلى ماذا العَمَلُ؟ قالَ: عَلى مُوافَقَةِ القَدَرِ»». وما أخْرَجَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ «عَنْ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: أدْرَكَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جِنازَةَ صَبِيٍّ مِن صِبْيانِ الأنْصارِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ مِن عَصافِيرِ الجَنَّةِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وما يُدْرِيكِ؛ إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لَها أهْلًا وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ وخَلَقَ النّارَ وخَلَقَ لَها أهْلًا وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وإلى هَذا ذَهَبَ الطِّيبِيُّ وأيَّدَهُ بِما أيَّدَهُ وادَّعى أنَّ فائِدَةَ القَسَمِ التَّنْبِيهُ عَلى قَلْعِ شُبَهِ مَن عَسى أنْ يَتَصَدّى لِتَأْوِيلِ الآيَةِ وتَحْرِيفِ النَّصِّ القاطِعِ، ونُقِلَ عَنِ الإمامِ أنَّ الآيَةَ حُجَّةٌ لِصِحَّةِ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ وإرادَةِ الكائِناتِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صَرَّحَ بِأنَّهُ جَلَّ وعَلا خَلَقَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لِجَهَنَّمَ ولا مَزِيدَ لِبَيانِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ الحَمْلَ عَلى الظّاهِرِ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، وفي الكِتابِ الكَرِيمِ كَثِيرٌ مِمّا يُوافِقُها عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الحَقِيقِيَّ لِأفْعالِهِ تَعالى يَمْنَعُ عَنْهُ في المَشْهُورِ الإمامُ الأشْعَرِيُّ وأصْحابُهُ. وقالَ بَعْضُ الجُلَّةِ: المُرادُ بِالكَثِيرِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ الأزَلِيَّةُ بِالشَّقاوَةِ ولَكِنْ لا بِطْرِيقِ الجَبْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِمْ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ بَلْ لَعَلَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهم لا يَصْرِفُونَ اخْتِيارَهم نَحْوَ الحَقِّ (p-119)أبَدًا بَلْ يُصِرُّونَ عَلى الباطِلِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِجَهَنَّمَ كَما أنَّ جَمْعَ الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اسْتِعْدادِهِمُ الكامِلِ الفِطْرِيِّ لِلْعِبادَةِ وتَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنها جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ انْتَهى، وعِنْدِي أنَّهُ لا مَحِيصَ مِنَ التَّأْوِيلِ في هَذا المَقامِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ، ثُمَّ إنَّ الجارَّ الأوَّلَ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما في تَوابِعِهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُؤَدِّي تَوْسِيطُهُ بِما بَيْنَهُما وتَأْخِيرُهُ عَنْهُما إلى الإخْلالِ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، والجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَثِيرٍ، وتَقْدِيمُ الجِنِّ لِأنَّهم أعْرَفُ مِنَ الإنْسِ في الِاتِّصافِ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ وأكْثَرُ عَدَدًا وأقْدَمُ خَلْقًا ولا يُشْكِلُ أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النّارِ فَلا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ دُخُولُها ولا يَضُرُّهم شَيْئًا؛ لِأنّا نَقُولُ في دَفْعِ ذَلِكَ عَلى عِلّاتِهِ، خَلْقُهم مِنَ النّارِ بِمَعْنى أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمُ الجُزْءُ النّارِيُّ لا يَأْبى تَضَرُّرَهم بِها؛ فَإنَّ الإنْسَ خُلِقُوا مِنَ الطِّينِ ويَتَضَرَّرُونَ بِهِ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ النّارِ لَمْ تَبْقَ فِيهِمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ قَبْلَ خَلْقِهِمْ مِنها كَما أنَّ حَقِيقَةَ الطِّينِ لَمْ تَبْقَ في الإنْسِ عَلى ما هي عَلَيْهِ قَبْلَ خَلْقِهِمْ مِنها، عَلى أنَّ المَخْلُوقَ مِن نارٍ هو البَدَنُ والمُعَذَّبُ هو الرُّوحُ ولَيْسَتْ مَخْلُوقَةً مِنها، وعَذابُ الرُّوحِ في قالَبٍ نارِيٍّ مَعْقُولٍ كَعَذابِها في قالَبٍ طِينِيٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِكَثِيرٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقُلُوبٍ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِها غَيْرَ مَعْهُودَةٍ مُخالِفَةً لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ فاقِدَةً لِما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، أوْ هي مُؤَكِّدَةٌ لِما يُفِيدُهُ تَنْكِيرُها وإبْهامُها مِن كَوْنِها كَذَلِكَ، وأُرِيدَ بِالقَلْبِ اللَّطِيفَةُ الإنْسانِيَّةُ، وبِالفِقْهِ الفَهْمُ وهو المَعْنى اللُّغَوِيُّ لَهُ، يُقالُ: فَقِهَ بِالكَسْرِ أيْ: فَهِمَ. وفَقُهَ بِالضَّمِّ إذا صارَ فَقِيهًا أيْ فَهِمًا أوْ عالِمًا بِالفِقْهِ بِالمَعْنى العُرْفِيِّ المُبَيَّنِ في كُتُبِ الأُصُولِ، والفِعْلُ هُنا مُتَعَدٍّ إلّا أنَّهُ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِلتَّعْمِيمِ أيْ: لَهم قُلُوبٌ لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ يَفْهَمُوا بِها شَيْئًا مِمّا شَأْنُهُ أنْ يُفْهَمَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَلِيقُ بِالمَقامِ مِنَ الحَقِّ ودَلائِلِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ فَيُقالُ: المُرادُ لا يُبْصِرُونَ بِها شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الشَّواهِدُ التَّكْوِينِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ حَيْثُ يُرادُ لا يَسْمَعُونَ بِها شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ فَيَتَناوَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ عَلى طَرْزِ ما سَلَفَ، وأمْرُ الوَصِيفَةِ في الأخِيرَيْنِ مِثْلُهُ في الأوَّلِ، والمُرادُ بِالإبْصارِ والسَّماعِ المَنفِيَّيْنِ ما يَخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ مِنَ الإدْراكِ عَلى ما هو وظِيفَةُ الثَّقَلَيْنِ لا ما يَتَناوَلُ مُجَرَّدَ الإحْساسِ بِالشَّبَحِ والصَّوْتِ كَما هو وظِيفَةُ الأنْعامِ، وجاءَ في كَلامِهِمْ نَحْوُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ الخَنا. أيْ: لا يَعْتَنِي بِهِ ولا يَصْرِفُ سَمْعَهُ إلَيْهِ ولا يَقْبَلُهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعَوْراءُ الكَلامِ صَمَمْتُ عَنْها ∗∗∗ وإنِّي لَوْ أشاءُ لَها سَمِيعُ وفِي إعادَةِ الخَبَرِ في الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِدُونِ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: وأعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وآذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ما لا يَخْفى مِن تَقْرِيرِ سُوءِ حالِهِمْ، وكَذا في إثْباتِ المَشاعِرِ الثَّلاثَةِ لَهم ثُمَّ وصْفِ كُلٍّ بِما وُصِفَ بِهِ دُونَ سَلْبِها عَنْهُمُ ابْتِداءً بِأنْ يُقالَ: لَيْسَ لَهم قُلُوبٌ يَفْقَهُونَ بِها ولا أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها ولا آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ما لا يَخْفى عَلى ما قِيلَ مِنَ الشَّهادَةِ بِكَمالِ رُسُوخِهِمْ في الجَهْلِ والغَوايَةِ، وتَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ (p-120)واعْتِبارُ حَذْفِ المَفْعُولِ لِما ذَكَرْنا مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ هو الَّذِي اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِما فِيهِ مِنَ الإفْصاحِ بِكُنْهِ حالِهِمْ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ، واخْتارَ بَعْضُهُمُ التَّخْصِيصَ أيْ: لا يَفْقَهُونَ الحَقَّ ودَلائِلَهُ ولا يُبْصِرُونَ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى إبْصارَ اعْتِبارٍ، ولا يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوا ما خَلَقَ لَهم لِما لَهُ فَكَأنَّهم خُلِقُوا كَذَلِكَ، ولَوْ أُرِيدَتِ الحَقِيقَةُ لَمْ يَتَوَجَّهِ الذَّمُّ ولَمْ تَقُمِ الحُجَّةُ، ومَنِ ادَّعاها قالَ: إنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ إفاضَةِ الحَكِيمِ حَسْبَ الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ فالذَّمُّ بِذَلِكَ لِدَلالَتِهِ عَلى سُوءِ الِاسْتِعْدادِ لِأنَّهُ كالأثَرِ لَهُ، وبِالجُمْلَةِ لا تَقُومُ الآيَةُ دَلِيلًا لِلْجَبْرِ الصِّرْفِ ولَوْ ضُمَّ إلَيْها ما قَبْلُ، والجَبْرُ المُتَوَسِّطُ مِمّا قالَ بِهِ أهْلُ الحَقِّ وهو لَبَنٌ خالِصٌ أُخْرِجَ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، وحاصِلُهُ عِنْدَ بَعْضِ المَشايِخِ أنَّ العَبْدَ مُخْتارٌ مَجْبُورٌ بِاخْتِيارِهِ، ولَعَلَّ كَلامَ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ حَيْثُ قالَ مِن كَلامٍ طَوِيلٍ: فَإنْ قُلْتَ: إنِّي أجِدُ في نَفْسِي أنِّي إنْ شِئْتُ الفِعْلَ فَعَلْتُ وإنْ شِئْتُ التَّرْكَ تَرَكْتُ فَيَكُونُ فِعْلِي حاصِلًا بِي لا بِغَيْرِي، أجَبْنا وقُلْنا: هَبْ أنَّكَ وجَدْتَ مِن نَفْسِكَ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: وهَلْ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ أنَّكَ إنْ شِئْتَ أنْ تَشاءَ شِئْتَ وإنْ شِئْتَ أنْ لا تَشَأ لَمْ تَشَأْ؟ ما أظُنُّكَ تَقُولُ ذَلِكَ وإلّا لَذَهَبَ الأمْرُ فِيهِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ فَلا مَشِيئَتُكَ بِكَ ولا حُصُولُ فِعْلِكَ بَعْدَ حُصُولِ مَشِيئَتِكَ بِكَ، وإنَّما أنْتَ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ. انْتَهى. يَرْجِعُ إلى ما ذَكَرْنا، وقَدِ اسْتَوْفَيْنا الكَلامَ في هَذا البَحْثِ في كِتابِنا الأجْوِبَةُ العِراقِيَّةُ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ، وهو لَعَمْرِي مِن مُشْكِلاتِ المَباحِثِ الَّتِي سَألَ عَنْها الإيرانِيُّونَ. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ ﴿كالأنْعامِ﴾ أيْ: في انْتِفاءِ الشُّعُورِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، وقِيلَ في أنَّ مَشاعِرَهم مُتَوَجِّهَةٌ إلى أسْبابِ التَّعَيُّشِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها وكَأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ مُدْرَكٌ مِمّا قَبْلُ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لَهُ فَلِذا فُصِلَتْ عَنْهُ. ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ مِنَ الأنْعامِ لِأنَّها تُدْرِكُ ما مِن شَأْنِها أنْ تُدْرِكَهُ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ فَتَجْهَدُ في جَلْبِها وسَلْبِها غايَةَ ما يُمْكِنُها، وهَؤُلاءِ لَيْسُوا كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ المَنافِعِ والمَضارِّ بَلْ يَعْكِسُونَ الأمْرَ فَيَتْرُكُونَ النَّعِيمَ ويُقْدِمُونَ عَلى العَذابِ الألِيمِ، وقِيلَ: لِأنَّها إذا زُجِرَتِ انْزَجَرَتْ، وإذا أُرْشِدَتْ إلى طَرِيقٍ اهْتَدَتْ، وهَؤُلاءِ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الخَيْراتِ. وقِيلَ: لِأنَّها لَمْ تُعْطَ قُدْرَةً عَلى تَحْصِيلِ الفَضائِلِ وهَؤُلاءِ أُعْطُوا ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِما أُعْطُوا، ولِأنَّها وإنْ لَمْ تَكُنْ مُطِيعَةً لَمْ تَكُنْ عاصِيَةً وهَؤُلاءِ لا يَعْرِفُونَ رَبَّهم ولا يَذْكُرُونَهُ ولا يُطِيعُونَهُ، وبِالجُمْلَةِ كَوْنُ هَؤُلاءِ أضَلَّ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ، ووُجُوهُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ولا تَنافِيَ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ كَما لا يَخْفى. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِن مِثْلِيَّةِ الأنْعامِ والشَّرِّيَّةِ مِنها ﴿هُمُ الغافِلُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ عَمّا فِيهِ صَلاحُهم. وقالَ عَطاءٌ: عَمّا أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِأوْلِيائِهِ مِنَ الثَّوابِ ولِأعْدائِهِ مِنَ العِقابِ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذِهِ الجُمْلَةَ كالبَيانِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها فَلِذا فُصِلَتْ عَنْها
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب