الباحث القرآني

﴿أوْ تَقُولُوا﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ: ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ إنَّ آباءَنا هُمُ اخْتَرَعُوا الإشْراكَ وهم سَنُّوهُ مِن قَبْلِ زَمانِنا. ﴿وكُنّا﴾ نَحْنُ ﴿ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ لا نَهْتَدِي إلى سَبِيلِ التَّوْحِيدِ. ﴿أفَتُهْلِكُنا﴾ أيْ: أتُؤاخِذُنا فَتُهْلِكُنا اليَوْمَ بِالعَذابِ ﴿بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ مِن آبائِنا المُضِلِّينَ لا نَراكَ تَفْعَلُ. و(أوْ) لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ، وفِعْلُ القَوْلِ عُطِفَ عَلى نَظِيرِهِ. وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ صَدْرَ الكَلامِ عَلَيْها، ووَجْهُ قِراءَةِ الخِطابِ ما عَلِمْتَ. وقالَ البَعْضُ: إنَّ ذاكَ لِقَوْلِ الرَّبِّ تَعالى رَبُّكم وإنَّما لَمْ يَسَعِ القَوْمَ هَذا القَوْلُ لِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ اسْتِعْدادِهِمْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ المَسالِكَ إلَيْهِ؛ إذِ التَّقْلِيدُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ والقُدْرَةِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها مِمّا لا مَساغَ إلَيْهِ أصْلًا. هَذا والَّذِي عَلَيْهِ المُحْدَثُونَ والصُّوفِيَّةُ قاطِبَةً أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ مِنَ العِبادِ بِأسْرِهِمْ مِيثاقًا قالِيًّا قَبْلَ أنْ يَظْهَرُوا بِهَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ، وأنَّ الإخْراجَ مِنَ الظُّهُورِ كانَ قَبْلُ أيْضًا. فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِن ظَهْرِ آدَمَ بِنُعْمانَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأخْرَجَ مِن صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَراها فَنَشَرَها بَيْنَ يَدَيْهِ كالذَّرِّ ثُمَّ كَلَّمَهم قُبُلًا ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى شَهِدْنا»». وأخْرَجَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، في التّارِيخِ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ الجُهَنِيِّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ إلَخْ فَقالَ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْها فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ. فَقالَ الرَّجُلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟ فَقالَ: إذا خُلِقَ العَبْدُ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ تَعالى النّارَ»». والبَيْضاوِيُّ حَمَلَ الآيَةَ في تَفْسِيرِهِ عَلى التَّمْثِيلِ وكَذا في شَرْحِهِ لِلْمَصابِيحِ وذَكَرَ فِيهِ أنَّ ظاهِرَ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يُساعِدُ ذَلِكَ ولا ظاهِرَ الآيَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَذْكُرَ أنَّهُ اسْتَخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ مِن صُلْبِ آدَمَ دُفْعَةً واحِدَةً لا عَلى تَوْلِيدِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ عَلى مَرِّ الزَّمانِ لَقالَ: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ، والتَّوْفِيقُ بَيْنَهُما أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن بَنِي آدَمَ في الآيَةِ آدَمُ وأوْلادُهُ، وكَأنَّهُ صارَ اسْمًا لِلنَّوْعِ كالإنْسانِ والبَشَرِ، والمُرادُ بِالإخْراجِ تَوْلِيدُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ عَلى مَرِّ الزَّمانِ، واقْتُصِرَ في الحَدِيثِ عَلى ذِكْرِ آدَمَ اكْتِفاءً بِذِكْرِ الأصْلِ عَنْ ذِكْرِ الفَرْعِ. «وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحَدِيثِ: «مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ»» يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الماسِحُ المَلَكَ المُوَكَّلَ عَلى تَصْوِيرِ الأجِنَّةِ وتَخْلِيقِها وجَمْعِ مَوادِّها، وأُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ الآمِرُ كَما أُسْنِدَ التَّوَفِّي إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ والمُتَوَفِّي لَها هو المَلَكُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الماسِحُ هو اللَّهُ تَعالى ويَكُونُ المَسْحُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: هو مِنَ المِساحَةِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ كَأنَّهُ قالَ: قَدَّرَ ما في ظَهْرِهِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ المَعْنى في الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ الكُلَّ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذّاتِ بَلْ أخْرَجَ مِن ظَهْرِهِ أبْناءَهُ الصُّلْبِيَّةَ ومِن ظُهُورِهِمْ (p-104)أبْناءَهُمُ الصُّلْبِيَّةَ وهَكَذا إلى آخِرِ السِّلْسِلَةِ، لَكِنْ لَمّا كانَ المَظْهَرُ الأصْلِيُّ ظَهْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ مَساقُ الحَدِيثِ بَيانَ حالِ الفَرِيقَيْنِ إجْمالًا مِن غَيْرِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِذِكْرِ الوَسائِطِ غَرَضٌ عَلى نَسَبِ إخْراجِ الكُلِّ إلَيْهِ، وأمّا الآيَةُ الكَرِيمَةُ فَحَيْثُ كانَتْ مَسُوقَةً لِلِاحْتِجاجِ عَلى الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيانِ عَدَمِ إفادَةِ الِاعْتِذارِ بِإسْنادِ الإشْراكِ إلى آبائِهِمُ اقْتَضى الحالُ نِسْبَةَ إخْراجِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم إلى ظَهْرِ أبِيهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإخْراجِ الأبْناءِ الصُّلْبِيَّةِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ظَهْرِهِ قَطْعًا، وعَدَمُ بَيانِ المِيثاقِ في الخَبَرِ العُمَرِيِّ لَيْسَ بَيانًا لِعَدَمِهِ ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ. اهـ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ يَأْبى عَنْهُ كُلَّ الإباءِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأنَّ ما ذَكَرَهُ البَعْضُ مِن أنَّ مَساقَ الحَدِيثِ بَيانُ حالِ الفَرِيقَيْنِ إجْمالًا يَأْباهُ ظُهُورُ عَدَمِ كَوْنِ السُّؤالِ عَنْ حالِهِما لِيُساقَ الحَدِيثُ لِبَيانِهِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ الصَّحابِيَّ إنَّما سَألَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا أُشْكِلَ عَلَيْهِ مِن مَعْنى الآيَةِ أنَّ الإشْهادَ هَلْ هو حَقِيقَةٌ أمْ عَلى الِاسْتِعارَةِ؟ فَلَمّا أجابَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما عُرِفَ مِنهُ ما أرادَهُ لِأنَّهُ كانَ بَلِيغًا ولَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ مِن جِهَةٍ أُخْرى لَكانَ الواجِبُ بَيانَ تِلْكَ الجِهَةِ وكَذا فَهِمَ الفارُوقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ الإمامِ إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى إخْراجِ الذَّرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ بَنِي آدَمَ، ولَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ ولا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ نَفْيُهُ إلّا أنَّ الخَبَرَ دَلَّ عَلَيْهِ فَيُثْبِتُ خُرُوجَهم مِن آدَمَ بِالحَدِيثِ ومِن بَنِيهِ بِالآيَةِ لا يُطابِقُ سِباقَ الحَدِيثِ كَما لا يَخْفى، وقالَ الشَّيْخُ شِهابُ الدِّينِ التُّورْبَشْتِيُّ: إنَّما جَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ في الهَرَبِ عَنِ القَوْلِ في مَعْنى الآيَةِ بِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ خَبَرِ الحَبْرِ لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ فَقالُوا: إنْ كانَ هَذا الإقْرارُ عَنِ اضْطِرارٍ حَيْثُ كُوشِفُوا بِحَقِيقَةِ الأمْرِ وشاهَدُوهُ عَيْنَ اليَقِينِ فَلَهم ذَلِكَ اليَوْمَ أنْ يَقُولُوا: ﴿شَهِدْنا﴾ يَوْمَئِذٍ فَلَمّا زالَ عَنّا عِلْمُ الضَّرُورَةِ ووُكِلْنا إلى آرائِنا كانَ مِنّا مَن أصابَ ومِنّا مَن أخْطَأ، وإنْ كانَ عَنِ اسْتِدْلالٍ ولَكِنَّهم عُصِمُوا عِنْدَهُ مِنَ الخَطَأِ فَلَهم أيْضًا أنْ يَقُولُوا: أُيِّدْنا يَوْمَ الإقْرارِ بِتَوْفِيقٍ وعِصْمَةٍ وحُرِمْناهُما مِن بَعْدُ، ولَوْ أُمْدِدْنا بِهِما أبَدًا لَكانَتْ شَهادَتُنا في كُلِّ حِينٍ كَشَهادَتِنا في اليَوْمِ الأوَّلِ فَيَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أنْ يُرادَ بِالمِيثاقِ ما رَكَّبَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ وآتاهم مِنَ البَصائِرِ لِأنَّها هي الحُجَّةُ البالِغَةُ والمانِعَةُ عَنْ قَوْلِهِمْ: ( إنّا كُنّا ) إلَخْ. لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الإقْرارَ والتَّمَكُّنَ مِن مَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في الإشْراكِ كَما جَعَلَ بَعْثَ الرَّسُولِ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في الإيمانِ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِنَ الغُيُوبِ. انْتَهى. وحاصِلُهُ أنْ لَوْ لَمْ تُؤَوَّلِ الآيَةُ بِما ذُكِرَ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونُوا مَحْجُوجِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِاخْتِيارِ كُلٍّ مِنَ الشِّقَّيْنِ ورَفْعِ مَحْذُورِهِ. أمّا الأوَّلُ فَبِأنْ يُقالَ: إذا قالُوا: شَهِدْنا يَوْمَئِذٍ فَلَمّا زالَ عِلْمُ الضَّرُورَةِ ووُكِلْنا إلى آرائِنا كانَ كَذا أيُّها الكَذّابُونَ مَتى وُكِلْتُمْ إلى آرائِكُمْ؟ ألَمْ نُرْسِلْ رُسُلَنا تَتْرى لِيُوقِظُوكم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ؟ وأمّا الثّانِي فَبِأنْ يُقالَ: إنَّ هَذا مُشْتَرَكُ الإلْزامِ فَإنَّهُ إذا قِيلَ لَهُمْ: ألَمْ نَمْنَحْكُمُ العُقُولَ والبَصائِرَ: فَلَهم أنْ يَقُولُوا: فَإذا حُرِمْنا اللُّطْفَ والتَّوْفِيقَ فَأيُّ مَنفَعَةٍ لَنا في العَقْلِ والبَصِيرَةِ؟ وذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ في جَوابِ أنَّهُ كَيْفَ تَلْزَمُ الحُجَّةُ ولا أحَدَ يَذْكُرُ ذَلِكَ المِيثاقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أوْضَحَ الدَّلائِلَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ فِيما أخْبَرُوا بِهِ فَمَن أنْكَرَهُ كانَ مُعانِدًا ناقِضًا لِلْعَهْدِ ولَزِمَتْهُ الحُجَّةُ ونِسْيانُهُ وعَدَمُ حِفْظِهِ لا يُسْقِطُ الِاحْتِجاجَ بَعْدَ إخْبارِ المُخْبِرِ الصّادِقِ. ولا يَخْفى ما فِيهِ، ولِهَذا أجابَ بَعْضُهم بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ لَيْسَ مَفْعُولًا لا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهَدَهُمْ﴾ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ (p-105)﴿بَلى شَهِدْنا﴾ حَتّى يَجِبَ كَوْنُ ذَلِكَ الإشْهادِ والشَّهادَةِ مَحْفُوظًا لَهم في إلْزامِهِمْ بَلْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، والمَعْنى: فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ المِيثاقِ وبَيانِهِ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، أوْ لِئَلّا تَقُولُوا أيُّها الكَفَرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنّا كُنّا غافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ المِيثاقِ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ في دارِ التَّكْلِيفِ، وإلّا لَعَمِلْنا بِمُوجِبِهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُخْرى فَهو مَفْعُولٌ لَهُ لِنَفْسِ الأمْرِ المُضْمَرِ العامِلِ فِي: ( إذْ أخَذْ ) والمَعْنى: اذْكُرْ لَهُمُ المِيثاقَ المَأْخُوذَ مِنهم فِيما مَضى لِئَلّا يَعْتَذِرُوا يَوْمَ القِيامَةِ بِالغَفْلَةِ عَنْهُ أوْ بِتَقْلِيدِ الآباءِ، ثُمَّ قالَ: هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ شَهِدْنا مِن كَلامِ الذُّرِّيَّةِ وهو الظّاهِرُ، فَأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو العامِلُ فِي: ( أنْ تَقُولُوا ) ولا مَحْذُورَ أصْلًا والمَعْنى: شَهِدْنا قَوْلَكم هَذا لِئَلّا تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إلَخْ. لِأنّا نَرُدُّكم ونُكَذِّبُكم حِينَئِذٍ. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا مِن تَعَلُّقِ (أنْ) وما بَعْدَها بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أوْ بِنَفْسِ الفِعْلِ المُضْمَرِ العامِلِ في (إذْ) واضِحٌ في دَفْعِ السُّؤالِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ، وإنَّهُ لَعَمْرِي في غايَةِ الحُسْنِ إلّا أنَّ الظّاهِرَ تَعَلُّقُهُ بِالإشْهادِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ، وأرى الجَوابَ مَعَ عَدَمِ العُدُولِ عَنْهُ لا يَخْلُو عَنِ العُدُولِ عَنْهُ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرَهُ ثانِيًا مِن كَوْنِ (شَهِدْنا) مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَوْنِهِ العامِلَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وعَنْ أبِي طالِبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وعَنْ مُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم قالُوا في الآيَةِ: لَمّا أخْرَجَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ قَبْلَ تَهْبِيطِهِ مِنَ السَّماءِ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُمْنى فَأخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً بَيْضاءَ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقالَ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، ومَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى فَأخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً سَوْداءَ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقالَ: ادْخُلُوا النّارَ ولا أُبالِي؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ ثُمَّ أخَذَ مِنهُمُ المِيثاقَ فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى. فَأعْطاهُ طائِفَةً طائِعِينَ وطائِفَةً كارِهِينَ عَلى وجْهِ التَّقِيَّةِ فَقالَ هو والمَلائِكَةُ: ﴿شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الحَدِيثَ. وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أوَّلًا مِن أنَّ الأخْذَ كانَ بِنُعْمانَ إذْ هو ظاهِرٌ في كَوْنِ ذَلِكَ بَعْدَ الهُبُوطِ وهَذا ظاهِرٌ في كَوْنِهِ كانَ قَبْلُ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ إذْ كانَ عَرْشُهُ سُبْحانَهُ عَلى الماءِ. فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ وقَضى القَضِيَّةَ وأخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ وعَرْشُهُ عَلى الماءِ، فَأخَذَ أهْلَ اليَمِينِ بِيَمِينِهِ، وأخَذَ أهْلَ الشَّمالِ بِيَدِهِ الأُخْرى، وكِلْتا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ فَقالَ: يا أصْحابَ اليَمِينِ، فاسْتَجابُوا لَهُ فَقالُوا لَهُ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ قالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى. قالَ: يا أصْحابَ الشِّمالِ، فاسْتَجابُوا لَهُ فَقالُوا لَهُ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ. قالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى»». فَخَلَطَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ. الخَبَرَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ بِالهِنْدِ حَيْثُ هَبَطَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وآخَرُونَ أنَّهُ كانَ في مَوْضِعِ الكَعْبَةِ وأنَّ الذُّرِّيَّةَ المُخْرَجَةَ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالذَّرِّ أحاطَتْ بِهِ، وجَعَلَ المَحَلَّ الَّذِي شَغَلَتْهُ إذْ ذاكَ حَرَمًا، ولَيْسَ لِهَذا سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ مُشْكِلٌ إلّا أنْ يُقالَ بِتَعَدُّدِ أخْذِ المِيثاقِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ السّادَةُ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، لَكِنْ يُشْعِرُ كَلامُهم بِاخْتِلافِ النَّوْعِ، فَقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: رَأيْتُ مَن يَسْتَحْضِرُ قَبْلَ مِيثاقِ (ألَسْتُ) سِتَّةَ مَواطِنَ أُخْرى مِيثاقِيَّةً، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِشَيْخِنا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: إنْ قَصَدَ القائِلُ بِالحَضَراتِ السِّتَّةِ الَّتِي عَرَفَها قَبْلَ مِيثاقِ (ألَسْتُ) الكُلِّيّاتِ فَمُسَلَّمٌ، وأمّا إنْ أرادَ جُمْلَةَ الحَضَراتِ المِيثاقِيَّةِ الَّتِي قَبْلَ (ألَسْتُ) (p-106)فَهِيَ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ويُعْلَمُ مِن هَذا ما في قَوْلِهِمْ: لا أحَدَ يَذْكُرُ ذَلِكَ المِيثاقَ عَلى وجْهِ السَّلْبِ الكُلِّيَّ مِنَ المَنعِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ ذِي النُّونِ أيْضًا وقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: هَلْ تَذْكُرُهُ أنَّهُ قالَ: كَأنَّهُ الآنَ في أُذُنِي. وقالَ بَعْضُهم مُسْتَقْرِبًا لَهُ: إنَّ هَذا المِيثاقَ بِالأمْسِ كانَ وأشارَ فِيهِ أيْضًا إلى مَواثِيقَ أُخَرَ كانَتْ قَبْلُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مُرادُهم مِن تِلْكَ السّالِبَةِ لا أحَدَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَذْكُرُ ذَلِكَ المِيثاقَ لا لا أحَدَ مُطْلَقًا. وذَكَرَ قُطْبُ الحَقِّ والدِّينِ العَلّامَةُ الشِّيرازِيُّ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَةِ والخَبَرِ العُمَرِيِّ كَلامًا ارْتَضاهُ الفُحُولُ وتَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ، وحاصِلُهُ: أنَّ جَوابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ سُئِلَ عَنِ الآيَةِ مِن قَبِيلِ أُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَنْ بَيانِ المِيثاقِ الحالِيِّ فَأجابَ بِبَيانِ المِيثاقِ المَقالِيِّ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ. وبَيانُهُ أنَّ سُبْحانَهُ كانَ لَهُ مِيثاقانِ مَعَ بَنِي آدَمَ. أحَدُهُما تَهْتَدِي إلَيْهِ العُقُولُ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ الباعِثَةِ عَلى الِاعْتِرافِ الحالِيِّ. وثانِيهِما المَقالِيُّ الَّذِي لا يَهْتَدِي إلَيْهِ العَقْلُ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلى تَوْقِيفِ واقِفٍ عَلى أحْوالِ العِبادِ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ؛ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَأرادَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُعَلِّمَ الأُمَّةَ ويُخْبِرَهم عَنْ أنَّ وراءَ المِيثاقِ الَّذِي يَهْتَدُونَ إلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ مِيثاقًا آخَرَ أزَلِيًّا فَقالَ ما قالَ مِن مَسْحِ ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الأزَلِ وإخْراجِ الذُّرِّيَّةِ لِيُعْرَفَ مِنهُ أنَّ هَذا النَّسْلَ الَّذِي يَخْرُجُ في لا يَزالُ مِن أصْلابِ بَنِي آدَمَ هو الذَّرُّ الَّذِي أُخْرِجَ في الأزَلِ مِن صُلْبِ آدَمَ وأُخِذَ مِنهُ المِيثاقُ المَقالِيُّ الأزَلِيُّ كَما أُخِذَ مِنهم في لا يَزالُ بِالتَّدْرِيجِ حِينَ أُخْرِجُوا المِيثاقُ الحالِيُّ اليَزالِيُّ. اهـ. وهو حَسَنٌ كَما قالُوا، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ الأزَلُ فِيهِ ولا يَزالُ عَلى المَجازِ؛ لِأنَّ خُرُوجَ النَّسْلِ مَحْدُودٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وعَلى القَوْلِ بِعَدَمِ انْقِطاعِهِ بَعْدَهُ هو خاصٌّ بِالسُّعَداءِ عَلى وجْهٍ خاصٍّ كَما عُلِمَ في مَحَلِّهِ، والأمْرُ حادِثٌ لا أزَلِيٌّ وإلّا لَزِمَ خَرْقُ إجْماعِ المُسْلِمِينَ والتَّدافُعُ بَيْنَ الآيَةِ، وكانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، ونُقِلَ عَنِ الخَلْخالِيِّ أنَّهُ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ في دَفْعِ ذَلِكَ فَقالَ: المُخاطَبُونَ هُمُ الصُّوَرُ العِلْمِيَّةُ القَدِيمَةُ الَّتِي هي ماهِيّاتُ الأشْياءِ وحَقائِقُها، ويُسَمُّونَها الأعْيانَ الثّابِتَةَ ولَيْسَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ مَوْجُودَةً في الخارِجِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها بِحَسْبِ ذَلِكَ الثُّبُوتِ جَعْلٌ بَلْ هي في ذَواتِها غَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى ما يَجْعَلُها تِلْكَ الصُّوَرَ وهي صادِرَةٌ عَنْهُ تَعالى بِالفَيْضِ الأقْدَسِ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّها شُؤُوناتٌ واعْتِباراتٌ لِلذّاتِ الأحَدِيِّ وجَوابُهم بِقَوْلِهِمْ: بَلْ إنَّما هو بِألْسِنَةِ اسْتِعْدادَتِهِمُ الأزَلِيَّةِ لا بِالألْسِنَةِ الَّتِي هي بَعْدَ تَحَقُّقِها في الخارِجِ. انْتَهى. وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ الثُّبُوتِ والوُجُودِ وفِيهِ نِزاعٌ طَوِيلٌ لَكِنّا مِمَّنْ يَقُولُ بِهِ واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، ومِن هُنا انْقَدَحَ لِبَعْضِ الأفاضِلِ وجْهٌ آخَرُ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ وهو أنَّ المُرادَ بِالذُّرِّيَّةِ المُسْتَخْرَجَةِ مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِيهِ هو الصُّورُ العِلْمِيَّةُ والأعْيانُ الثّابِتَةُ وأنَّ المُرادَ بِاسْتِخْراجِها هو تَجَلِّي الذّاتِ الأحَدِيُّ وظُهُورُهُ فِيها، وأنَّ نِسْبَةَ الإخْراجِ إلى ظُهُورِهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ إذا وُجِدَتْ في الأعْيانِ كانَتْ عَيْنَهُمْ، وأنَّ تِلْكَ المُقاوَلَةَ حالِيَّةٌ اسْتِعْدادِيَّةٌ أزَلِيَّةٌ لا قالِيَّةٌ لا يَزالِيَةٌ حادِثَةٌ، وهَذا هو المُرادُ بِما نَقَلَ الشَّيْخُ العارِفُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ في الحَقائِقِ عَنْ بَنانٍ حَيْثُ قالَ: أوَجَدَهم لَدَيْهِ في كَوْنِ الأزَلِ ثُمَّ دَعاهم فَأجابَهم سِراعًا وعَرَّفَهم نَفْسَهُ حِينَ لَمْ يَكُونُوا في الصُّورَةِ الإنْسِيَّةِ، ثُمَّ أخْرَجَهم بِمَشِيئَتِهِ خَلْقًا وأوْدَعَهم في صُلْبِ آدَمَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ إلَخْ فَأخْبَرَ أنَّهُ خاطَبَهم وهم غَيْرُ مَوْجُودِينَ إلّا بِوُجُودِهِ لَهُمْ؛ إذْ كانُوا واجِدِينَ لِلْحَقِّ في غَيْرِ وُجُودِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، وكانَ الحَقُّ بِالحَقِّ في ذَلِكَ مَوْجُودًا ثُمَّ أنْشَدَ السُّلْمِيُّ لِبَعْضِهِمْ:(p-107) ؎لَوْ يَسْمَعُونَ كَما سَمِعْتُ كَلامَها خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وسُجُودا ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّوْفِيقَ بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ ذَوْقِ أرْبابِ الظّاهِرِ لِمُخالَفَتِهِ لِظَواهِرِ الأخْبارِ والمُتَبادَرِ مِنَ الآثارِ، وما نُقِلَ عَنْ بَنانٍ فِيهِ وهو أوَّلُ كَلامِهِ انْتَخَبَهم لِلْوِلايَةِ واسْتَخْلَصَهم لِلْكَرامَةِ، وجَعَلَ لَهم فُسُوحًا في غَوامِضِ غَيْبِ المَلَكُوتِ وبَعْدَهُ ما ذَكَرَهُ، وشُمُولُهُ لِسائِرِ الخَلْقِ سَعِيدِهِمْ وشَقِيِّهِمْ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أبْدَعَ المُبْدَعاتِ وتَجَلّى بِلِسانِ الأحَدِيَّةِ في الرُّبُوبِيَّةِ فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ والمُخاطَبُ في غايَةِ الصِّغاءِ فَقالُوا: ﴿بَلى﴾ . فَكانَ كَمِثْلِ الصَّدى، فَإنَّهم أجابُوهُ بِهِ فَإنَّ الوُجُودَ المُحْدَثَ خَيالٌ مَنصُوبٌ، وهَذا الإشْهادُ كانَ إشْهادَ رَحْمَةٍ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ ما قالَ لَهم وحْدِي إبْقاءً عَلَيْهِمْ لِما عَلِمَ أنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا بِما فِيهِمْ مِنَ الحَظِّ الطَّبِيعِيِّ وبِما فِيهِمْ مِن قَبُولِ الِاقْتِدارِ الإلَهِيِّ وما يَعْلَمُهُ إلّا قَلِيلٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مُحَقِّقِي المُفَسِّرِينَ اعْتَبَرُوا الوَحْدانِيَّةَ في الإشْهادِ وكَذا في الشَّهادَةِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ ونَطَقَتِ الآثارُ بِهِ، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، وجَماعَةٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: جَمَعَهم جَمِيعًا فَجَعَلَهم أرْواحًا في صُوَرِهِمْ ثُمَّ اسْتَنْطَقَهم فَتَكَلَّمُوا ثُمَّ أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ والمِيثاقَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى. قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَواتِ السَّبْعَ، وأُشْهِدُ عَلَيْكم أباكم آدَمَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا لَمْ نَعْلَمْ بِهَذا، اعْلَمُوا أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرِي ولا رَبَّ غَيْرِي ولا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا إنِّي سَأُرْسِلُ إلَيْكم رُسُلِي يُذَكِّرُونَكم عَهْدِي ومِيثاقِي، وأُنْزِلَ عَلَيْكم كُتُبِي. قالُوا: شَهِدْنا بِأنَّكَ رَبُّنا وإلَهُنا لا رَبَّ لَنا غَيْرُكَ ولا إلَهَ لَنا غَيْرُكَ. فَأقَرُّوا، ورَفَعَ عَلَيْهِمْ آدَمَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فَرَأى الغَنِيَّ والفَقِيرَ وحَسَنَ الصُّورَةِ ودُونَ ذَلِكَ فَقالَ: يا رَبِّ، لَوْلا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبادِكَ قالَ: إنِّي أحْبَبْتُ أنْ أُشْكَرَ. وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: إنَّ إقْرارَ الذَّرارِيِّ بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ لا يُنافِي الشِّرْكَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ قائِلُونَ بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ والمُعْتَزِلَةُ يُنْكِرُونَ أخْذَ المِيثاقِ القالِيِّ المُشارِ إلَيْهِ في الأخْبارِ ويَقُولُونَ: إنَّها مِن جُمْلَةِ الآحادِ فَلا يَلْزَمُنا أنْ نَتْرُكَ لَها ظاهِرَ الكِتابِ، وطَعَنُوا في صِحَّتِها بِمُقَدِّماتِ عَقْلِيَّةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى قَواعِدَ فَلْسَفِيَّةٍ عَلى ما هو دَأْبُهم في أمْثالِ هَذِهِ المَطالِبِ، قالُوا أوَّلًا: إنَّ أخْذَ المِيثاقِ لا يُمْكِنُ إلّا مِنَ العاقِلِ، فَوَجَبَ أنْ يَتَذَكَّرَ الإنْسانُ في هَذا العالَمِ ذَلِكَ المِيثاقَ؛ إذْ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَنْسى مِثْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ العَظِيمَةِ نَسْيًا كُلِّيًّا فَحَيْثُ نَسِيَ كَذَلِكَ دَلَّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِها، وبِنَحْوِ هَذا الدَّلِيلِ بَطَلَ التَّناسُخُ. وأُجِيبَ بِأنَّ العِلْمَ إنَّما هو بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَجازَ أنْ لا يَخْلُقَهُ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها، ودَلِيلُ بُطْلانِ التَّناسُخِ لَيْسَ مُنْحَصِرًا بِما ذُكِرَ، فَقَدِ اسْتَدَلُّوا أيْضًا عَلى بُطْلانِهِ بِلُزُومِ أنْ يَكُونَ لِلْبَدَنِ نَفْسانِ كَما بَيَّنَهُ الإمامُ في المَباحِثِ الشَّرْقِيَّةِ وأنْ يَكُونَ عَدَدُ الهالِكِينَ مُساوِيًا لِعَدَدِ الكائِنِينَ، والطَّوْفاتُ العامَّةُ تَأْبى هَذا التَّساوِيَ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِالفَرْقِ بَيْنَ التَّناسُخِ وبَيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ، وذَلِكَ أنّا إذا كُنّا في أبْدانٍ أُخْرى وبَقِينا فِيها سِنِينَ امْتَنَعَ في مَجْرى العادَةِ نِسْيانُ أحْوالِها، وأمّا أخْذُ المِيثاقِ فَإنَّما حَصَلَ في أسْرَعِ زَمانٍ فَلَمْ يَبْعُدْ حُصُولُ النِّسْيانِ فِيهِ. وبَعْضُهم أجابَ بِأنَّ النِّسْيانَ وعَدَمَ التَّذَكُّرِ هُنا لِبُعْدِ الزَّمانِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِن أحْوالِ الدُّنْيا كَما نَطَقَتْ بِذَلِكَ الآياتُ والأخْبارُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةُ الدّارِ، وقالُوا ثانِيًا: إنَّ تِلْكَ الذُّرِّيَّةَ المَأْخُوذَةَ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها قَدْرٌ مِنَ البِنْيَةِ حَتّى يَحْصُلَ فِيهِ العِلْمُ والفَهْمُ فَمَجْمُوعُها لا تَحْوِيهِ عَرْصَةُ الدُّنْيا فَيَمْتَنِعُ حُصُولُهُ في ظَهْرِ آدَمَ لِيُؤْخَذَ ثُمَّ يُرَدُّ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ الحَياةِ (p-108)مَشْرُوطَةٌ بِالبِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ كَما هو مَذْهَبُ الخُصُومِ، والبُرْهانُ قائِمٌ عَلى بُطْلانِهِ كَما تَقَرَّرَ في الكَلامِ، فَيَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى الحَياةَ في جَوْهَرٍ فَرْدٍ، وتِلْكَ الذُّرِّيَّةُ المُخْرَجَةُ كانَتْ كالذَّرِّ وهو قَرِيبٌ مِنَ الجَوْهَرِ، وكَوْنُ المَجْمُوعِ لا تَحْوِيهِ عَرْصَةُ الدُّنْيا غَيْرَ مُسَلَّمٍ، وإنْ كانَ الأخْذُ في السَّماءِ قَبْلَ هُبُوطِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فالدّائِرَةُ واسِعَةٌ، وإنْ كانَ إذْ كانَ العَرْشُ عَلى الماءِ فالدّائِرَةُ أوْسَعُ، ولا مانِعَ إذا كانَ في الأرْضِ أنْ يَكُونَ اجْتِماعُ الذَّرِّ مُتَراكِمًا بَيْنَها وبَيْنَ السَّماءِ، وإنَّهُ لَفَضاءٌ عَظِيمٌ وإنْ صَغُرَتْ قاعِدَتُهُ، وإنِ اعْتُبِرَ أنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ وأنَّها جَوْهَرٌ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ ولا حالَّ فِيهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى الفَضاءِ إلّا أنَّ فِيهِ ما فِيهِ، وقالُوا ثالِثًا: إنَّهُ لا فائِدَةَ في أخْذِ المِيثاقِ لِأنَّهم لا يَصِيرُونَ بِسَبَبِهِ مُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوابِ والعِقابِ عَلى أنَّهم أدْوَنُ حالًا مِنَ الأطْفالِ، والطِّفْلُ لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ فَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلى الذَّرِّ؟ (وأُجِيبَ) بِأنَّ فائِدَةَ الأخْذِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ في الِاسْتِحْقاقِ المَذْكُورِ بَلْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إظْهارَ كَمالِ القُدْرَةِ لِمَن حَضَرَ مِنَ المَلائِكَةِ وإقامَةِ الحُجَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُ البَعْضِ في الآيَةِ، وكَوْنُهم إذْ ذاكَ أدْوَنُ حالًا مِنَ الأطْفالِ في حَيِّزِ البُطْلانِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن هو أدْوَنُ حالًا مِنَ الأطْفالِ، وقالُوا رابِعًا: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ وقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وكَوْنُ أُولَئِكَ الذَّرِّ أناسِيٌّ يُنافِي كَوْنَ الإنْسانِ مَخْلُوقًا مِمّا ذُكِرَ. وأُجِيبَ بِأنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ النَّشْأةِ مَخْلُوقٌ مِن ذَلِكَ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ في تِلْكَ النَّشْأةِ كَذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وبِالجُمْلَةِ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُصَدِّقَ بِذَلِكَ الأخْذِ فَقَدْ نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصّادِرَةُ مِن مَنبَعِ الرِّسالَةِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّها مَتْرُوكَةُ العَمَلِ لِكَوْنِها مِنَ الآحادِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى سَدِّ بابٍ كَبِيرٍ مِنَ الفُتُوحاتِ الغَيْبِيَّةِ ويَحْرِمُ قائِلَهُ مِن عَظِيمِ المِنَحِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الَّذِينَ لَقِيناهم كُلَّهم يُثْبِتُونَ خَبَرَ واحِدٍ عَنْ واحِدٍ عَنْ واحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَجْعَلُونَهُ سُنَّةً حُمِدَ مَن تَبِعَها وعِيبَ مَن خالَفَها، وقالَ: مَن خالَفَ هَذا المَذْهَبَ كانَ عِنْدَنا مُفارِقًا لِسَبِيلِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأهْلِ العِلْمِ بَعْدَهُمْ، وكانَ مِن أهْلِ الجَهالَةِ. وفِي جامِعِ الأُصُولِ عَنْ رَزِينٍ عَنْ أبِي رافِعٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا أعْرِفَنّ الرَّجُلَ مِنكُم يَأْتِيهِ الأمْرُ مِن أمْرِي أنا أمَرْتُ بِهِ أوْ نَهَيْتُ عَنْهُ وهو مُتَّكِئٌ في أرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: ما نَدْرِي ما هَذا، عِنْدَنا كِتابُ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ هَذا فِيهِ»» الحَدِيثَ. ولا يَنْبَغِي البَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ مِنَ العُلُومِ المَسْكُوتِ عَنْها المُحْتاجَةِ إلى كَشْفِ الغِطاءِ وفَيْضِ العَطاءِ. ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الجِنْدِيُّ في فَضائِلِ مَكَّةَ وأبُو الحَسَنِ القَطّانُ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، وضَعَّفَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: حَجَجْنا مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَلَمّا دَخَلَ الطَّوافَ اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ فَقالَ: إنِّي أعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولَوْلا أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبَّلَكَ ما قَبَّلْتُكَ ثُمَّ قَبَّلَهُ فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّهُ يَضُرُّ ويَنْفَعُ قالَ: بِمَ؟ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ: وأيْنَ ذَلِكَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؟ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ الآيَةَ. إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلى﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ شَأْنُهُ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَسَحَ عَلى ظَهْرِهِ فَأخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ فَقَرَّرَهم بِأنَّهُ الرَّبُّ وأنَّهُمُ العَبِيدُ وأخَذَ عُهُودَهم ومَواثِيقَهم وكَتَبَ ذَلِكَ في رَقٍّ وكانَ لِهَذا الحَجَرِ عَيْنانِ ولِسانٌ. فَقالَ لَهُ: افْتَحْ فاكَ فَفَتَحَ فاهُ فَألْقَمَهُ ذَلِكَ الرِّقَّ فَقالَ: اشْهَدْ لِمَن وافاكَ بِالمُوافاةِ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنِّي أشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: (p-109)««يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِالحَجَرِ الأسْوَدِ ولَهُ لِسانٌ ذَلِقٌ لِيَشْهَدَ لِمَن يَسْتَلِمُهُ بِالتَّوْحِيدِ»» فَهو يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَضُرُّ ويَنْفَعُ. فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ أعِيشَ في قَوْمٍ لَسْتَ فِيهِمْ يا أبا الحَسَنِ. قِيلَ: ومِن هُنا يُعْلَمُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ»». والكَلامُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، هَذا ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ أنَّ النّاسَ بَعْدَ أنْ قالُوا: بَلى؛ مِنهم مَن سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ومِنهم مَن لَمْ يَسْجُدْ أصْلًا، ومِنهم مَن سَجَدَ مَعَ الأوَّلِينَ السَّجْدَةَ الأُولى ولَمْ يَسْجُدِ الثّانِيَةَ ومِنهم مَن عَكَسَ، فالصِّنْفُ الأوَّلُ هُمُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ كَذَلِكَ، والثّانِي هُمُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ كُفّارًا أوْ يَمُوتُونَ كَذَلِكَ. والثّالِثُ هُمُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ كُفّارًا. والرّابِعُ هُمُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ كُفّارًا أوْ يَمُوتُونَ مُؤْمِنِينَ انْتَهى. وهو كَلامٌ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ بَعْضًا مِنَ القائِلِينَ بَلى قَدْ مَكَرَ مِنهم إذْ ذاكَ حَيْثُ أُظْهِرَ لَهم إبْلِيسُ في ذَلِكَ الجَمْعِ وظَنُّوا أنَّهُ القائِلُ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ فَعَنَوْهُ بِالجَوابِ. وأُولَئِكَ هُمُ الأشْقِياءُ، وبَعْضًا تَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ فَعَرَفُوهُ وأجابُوهُ وأُولَئِكَ هُمُ السُّعَداءُ، وهَذا عِنْدِي مِنَ البُطْلانِ بِمَكانٍ، والَّذِي يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ أنَّهم كُلَّهم وجَّهُوا الجَوابَ لِرَبِّ الأرْبابِ. نَعَمْ ذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّ البَعْضَ أجابَ كُرْهًا، واسْتَدَلُّوا لَهُ بِبَعْضِ الآثارِ السّالِفَةِ، وذَهَبَ أهْلُ هَذا القَوْلِ إلى أنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ في النّارِ، ومَن قالَ: إنَّهم في الجَنَّةِ ذَهَبَ إلى أنَّهم أقَرُّوا عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ اخْتِيارًا فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِذَلِكَ الإقْرارِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وإسْنادُ القَوْلِ في الآيَةِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ إنَّما هُوَ: بِاعْتِبارِ وُقُوعِهِ مِنَ البَعْضِ؛ فَإنَّ وُقُوعَهُ مِنَ الكُلِّ باطِلٌ بَداهَةً، ومِثْلُ هَذا واقِعٌ في الآياتِ كَثِيرًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب