الباحث القرآني

﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلُ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ، والنَّتْقُ الرَّفْعُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الأعْرابِيِّ، وعَنْ مُسْلِمٍ أنَّهُ الجَذْبُ، ومِنهُ نَتَقْتُ الغَرْبَ مِنَ البِئْرِ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ القَلْعُ، وما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ وعَلى القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ يُضَمَّنُ مَعْنى الرَّفْعِ لِيَتَطابَقَ الآيَتانِ، والمُرادُ بِالجَبَلِ الطَّوْرُ أوْ جَبَلٌ غَيْرُهُ، وكانَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ كَمُعَسْكَرِ القَوْمِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَوَقَّفُوا عَنْ أخْذِ التَّوْراةِ وقَبُولِها إذْ جاءَتْهم جُمْلَةً مُشْتَمِلَةً عَلى ما يَسْتَثْقِلُونَهُ فَقَلَعَهُ مِن أصْلِهِ ورَفَعَهُ عَلَيْهِمْ ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أيْ: غَمامَةٌ أوْ سَقِيفَةٌ، وفُسِّرَتْ بِذَلِكَ مَعَ أنَّها كُلُّ ما عَلا وأظَلَّ لِأجْلِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ؛ إذْ لَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِدُخُولِهِ وجْهٌ و(فَوْقَ) ظَرْفٌ لِ نَتَقْنا أوْ حالٌ (p-99)مِنَ الجَبَلِ مُخَصِّصَةٌ عَلى ما قِيلَ لِلرَّفْعِ بِبَعْضِ جِهاتِ العُلُوِّ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ بَعْدُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، أيْ: مُشابِهًا ذَلِكَ، ﴿وظَنُّوا﴾ أيْ: تَيَقَّنُوا ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أيْ: ساقِطٌ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا فَإنَّهم كانُوا يُوعَدُونَ بِذَلِكَ بِهَذا الشَّرْطِ، والصّادِقُ لا يَتَخَلَّفُ ما أخْبَرَ بِهِ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنِ المَفْعُولُ واقِعًا لِعَدَمِ شَرْطِهِ أشْبَهَ المَظْنُونَ الَّذِي قَدْ يَتَخَلَّفُ فَلِهَذا سُمِّيَ ذَلِكَ ظَنًّا. وقِيلَ: تَيَقَّنُوا ذَلِكَ لِأنَّ الجَبَلَ لا يَثْبُتُ في الجَوِّ، واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ ثُبُوتِهِ فِيهِ لا يَقْتَضِي التَّيَقُّنَ؛ لِأنَّهُ عَلى جَرْيِ العادَةِ، وأمّا عَلى خَرْقِها فالثّابِتُ الثُّبُوتُ، والواقِعُ عَدَمُ الوُقُوعِ، ويَكُونُ ذَلِكَ كَرَفْعِهِ فَوْقَهم ووُقُوفِهِ هُناكَ حَتّى كانَ ما كانَ مِنهُمْ، والحَقُّ أنَّ المُتَيَقَّنَ لَهُمُ الوُقُوعُ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا لِكَوْنِهِ المُعَلَّقَ عَلَيْهِ، فَفي الأثَرِ «أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا التَّوْراةَ فَرُفِعَ الجَبَلُ فَوْقَهُمْ، وقِيلَ: إنْ قَبِلْتُمْ وإلّا لَيَقَعَنَّ عَلَيْكُمْ، فَوَقَعَ كُلٌّ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ وهو يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ اليُمْنى إلى الجَبَلِ فَرَقًا مِن سُقُوطِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَسْجُدُ إلّا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ ويَقُولُونَ: هي السَّجْدَةُ الَّتِي رُفِعَتْ عَنّا بِها العُقُوبَةُ،» وامْتَثَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ احْتِمالُ الثُّبُوتِ عَلى خَرْقِ العادَةِ كَما لا يَقْدَحُ فِيهِ عَدَمُ الوُقُوعِ إذا قَبِلُوا، ألا تَرى إلى أنَّهُ يَتَيَقَّنُ احْتِراقُ ما وقَعَ في النّارِ مَعَ إمْكانِ عَدَمِهِ كَما في قِصَّةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَهَبَ الرُّمّانِيُّ والجُبّائِيُّ إلى أنَّ الظَّنَّ عَلى بابِهِ، والمُرادُ: قَوِيَ في نُفُوسِهِمْ أنَّهُ واقِعٌ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى نَتَقْنا أوْ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ كَما قالَ أبُو البَقاءِ. ﴿خُذُوا﴾ أيْ: وقُلْنا: خُذُوا. أوْ قائِلِينَ: خُذُوا. ﴿ما آتَيْناكُمْ﴾ مِنَ الكِتابِ. ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: بِجِدٍّ وعَزْمٍ عَلى تَحَمُّلِ مَشاقِّهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الواوِ، والمُرادُ خُذُوا ذَلِكَ مُجِدِّينَ: ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ أيِ اعْمَلُوا بِهِ ولا تَتْرُكُوهُ كالمَنسِيِّ وهو كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ أوْ مَجازٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (وتَذَكَّرُوا) وقُرِئَ: واذْكُرُوا بِمَعْنى وتَذَكَّرُوا ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ بِذَلِكَ قَبائِحَ الأعْمالِ ورَذائِلَ الأخْلاقِ أوْ راجِينَ أنْ تَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِما آتَيْناكُمُ الآيَةُ العَظِيمَةُ، أعْنِي نَتْقَ الجَبَلِ أيْ: خُذُوا ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ تُطِيقُونَهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ واذْكُرُوا ما فِيهِ مِنَ القُدْرَةِ الباهِرَةِ والإنْذارِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ مِن نَتْقِ الجَبَلِ إظْهارُ العَجْزِ لا غَيْرُ، والكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ لِمَن يَدَّعِي الصُّرَعَةَ والقُوَّةَ بَعْدَ ما غَلَبْتَهُ: خُذْهُ مِنِّي، وحاصِلُهُ: إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ آيَةً قاهِرَةً وتَقْتَرِحُونَها فَخُذُوا ما آتَيْناكم إنْ كُنْتُمْ تُطِيقُونَهُ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، والآثارُ عَلى خِلافِهِ،
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب