الباحث القرآني

﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾ أيْ: يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في أُمُورِ دِينِهِمْ يُقالُ: مَسَّكَ بِالشَّيْءِ وتَمَسَّكَ بِهِ بِمَعْنًى، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ تَمَسَّكُوا بِالكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يُحَرِّفُوهُ ولَمْ يَكْتُمُوهُ ولَمْ يَتَّخِذُوهُ مَأْكَلَةً، وقالَ عَطاءٌ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ الجَلِيلُ الشَّأْنِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ: (يُمْسِكُونَ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإمْساكِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: (اسْتَمْسَكُوا)، وأُبَيٌّ: (مَسَكُوا) وفي ذَلِكَ مُوافَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ ولَعَلَّ التَّغْيِيرَ في المَشْهُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ بِخِلافِ الإقامَةِ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالأوْقاتِ المَخْصُوصَةِ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ العِباداتِ مَعَ دُخُولِها بِالتَّمَسُّكِ بِالكِتابِ لِإنافَتِها عَلَيْها؛ لِأنَّها عِمادُ الدِّينِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ إمّا الجَرُّ عَطْفًا عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، والِاعْتِراضُ قَدْ يُقْرَنُ بِالفاءِ كَقَوْلِهِ: ؎فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِرا وإمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ والرّابِطُ إمّا الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ كَما هو رَأْيُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أيْ: أجْرَ المُصْلِحِينَ مِنهُمْ، وإمّا الألِفُ واللّامُ كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ فَإنَّها كالعِوَضِ عَنِ الضَّمِيرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُصْلِحِيهِمْ، وأمّا العُمُومُ في المُصْلِحِينَ فَإنَّهُ عَلى المَشْهُورِ مِنَ الرَّوابِطِ، ومِنهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ، أوْ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ: لا نُضِيعُ أجْرَهُمْ، إلّا أنَّهُ غُيِّرَ لِما ذُكِرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الصَّلاحَ كالمانِعِ مِنَ التَّضْيِيعِ؛ لِأنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلِّيَّةَ مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا نُضِيعُ أجْرَهم لِصَلاحِهِمْ. وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ مَأْجُورُونَ أوْ مُثابُونَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ إلَخْ حِينَئِذٍ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب