الباحث القرآني
﴿واسْألْهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى (اذْكُرْ) المُشارِ إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ آنِفًا، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ لِمَن بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن نَسْلِ اليَهُودِ، أيْ: واسْألِ اليَهُودَ المُعاصِرِينَ لَكَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَقْرِيرٍ بِتَقَدُّمِ تَجاوُزِهِمْ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ إعْلامُهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُخْفُونَهُ، وفي الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ (p-90)مِمَّنْ مارَسَ كُتُبَهم أوْ تَعَلَّمَهُ مِن عُلَمائِهِمْ ما يَقْضِي بِأنَّ ذَلِكَ عَنْ وحْيٍ فَيَكُونُ مُعْجِزَةً شاهِدَةً عَلَيْهِمْ؛ ﴿عَنِ القَرْيَةِ﴾ أيْ: عَنْ خَبَرِها وحالِها وما وقَعَ بِأهْلِها مِن ثالِثَةِ الأثافِيِّ، والمُرادُ بِالسُّؤالِ عَنْ ذَلِكَ ما يَعُمُّ السُّؤالَ عَنِ النَّفْسِ وعَنِ الأهْلِ أوِ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، والمُرادُ عَنْ حالِ أهْلِ القَرْيَةِ، وجُوِّزَ التَّجَوُّزُ فِيها، وهي عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ - أيْلَةُ - قَرْيَةٌ بَيْنَ مَدْيَنَ والطُّورِ.
وعَنِ ابْنِ شِهابٍ هي طَبَرِيَّةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ وهي رِوايَةٌ عَنِ الحَبْرِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها مَقْتا بَيْنَ مَدْيَنَ وعَيْنُونا.
﴿الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ أيْ: قَرِيبَةً مِنهُ مُشْرِفَةً عَلى شاطِئِهِ.
﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ أيْ: يَظْلِمُونَ ويَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ أوْ بِتَعْظِيمِهِ، وإذْ بَدَلٌ مِنَ المَسْؤُولِ عَنْهُ، بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المَصْدَرِ، قِيلَ: واحْتِمالُ كَوْنِهِ ظَرْفًا لِكانَتْ أوْ حاضِرَةً لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لا فائِدَةَ بِتَقْيِيدِ الرُّكُونِ أوِ الحُضُورِ بِوَقْتِ العُدْوانِ، وضَمِيرُ يَعْدُونَ لِلْأهْلِ المُقَدَّرِ أوِ المَعْلُومِ مِنَ الكَلامِ، وقِيلَ: إلى القَرْيَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْدامِ، وقُرِئَ: (يَعَدُّونَ) بِمَعْنى يَعْتَدُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّاءِ، ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ، ويُعِدُّونَ مِنَ الإعْدادِ حَيْثُ كانُوا يُعِدُّونَ آلاتِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ وهم مَنهِيُّونَ عَنِ الِاشْتِغالِ فِيهِ بِغَيْرِ العِبادَةِ.
﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ أوْ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُعْرِبِينَ، وهو الأوْلى؛ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْ عُدْوانِهِمْ أبْلَغُ في التَّقْرِيعِ، وحِيَتانٌ جَمْعُ حُوتٍ أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها كَنُونٍ ونِيناتٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وإضافَتُها إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ الحِيتانُ الكائِنَةُ في تِلْكَ النّاحِيَةِ الَّتِي هم فِيها، وقِيلَ: لِلْإشْعارِ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ لِاسْتِقْلالِها بِما لا يَكادُ يُوجَدُ في سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ مِنَ الخَواصِّ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ ظَرْفٌ لِ تَأْتِيهِمْ. أيْ: تَأْتِيهِمْ يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ لِأمْرِ السَّبْتِ، وهو مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ يَوْمَ السَّبْتِ بِتَرْكِ العَمَلِ والتَّفَرُّغِ لِلْعِبادَةِ فِيهِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْيَوْمِ، والإضافَةُ لِاخْتِصاصِهِمْ بِأحْكامٍ فِيهِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (يَوْمَ إسْباتِهِمْ)، وكَذا النَّفْيُ الآتِي ﴿شُرَّعًا﴾ أيْ: ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قَرِيبَةً مِنَ السّاحِلِ، وهو جَمْعُ شارِعٍ مِن شَرَعَ عَلَيْهِ إذا دَنا وأشْرَفَ، وفي الشَّرْعِ مَعْنى الإظْهارِ والتَّبْيِينِ، وقِيلَ: حِيتانٌ شُرَّعٌ رافِعَةٌ رُؤُوسَها كَأنَّهُ جُعِلَ ذَلِكَ إظْهارًا وتَبْيِينًا، وقِيلَ: المَعْنى مُتَتابِعَةً، ونُسِبَ إلى الضَّحّاكِ، والظّاهِرُ أنَّها ظاهِرَةٌ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الحِيتانِ.
﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ أيْ: لا يُراعُونَ أمْرَ السَّبْتِ وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: (عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ) إذِ المَقْصُودُ انْتِفاءُ السَّبْتِ والمُراعاةُ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: (لا يُسْبِتُونَ) بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أسْبَتَ إذا دَخَلَ في السَّبْتِ؛ كَأصْبَحَ إذا دَخَلَ في الصَّباحِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: (لا يُسْبَتُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى: لا يَدْخُلُونَ في السَّبْتِ ولا يُؤْمَرُونَ فِيهِ بِما أُمِرُوا بِهِ يَوْمَ السَّبْتِ، وقُرِئَ: (لا يُسْبِتُونَ) بِضَمِّ الباءِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾ أيْ: لا تَأْتِيهِمْ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ حَذَرًا مِن صَيْدِهِمْ لِاعْتِيادِها أحْوالَهُمْ، وأنَّ ذَلِكَ لِمَحْضِ تَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ، وتَغْيِيرُ السَّبْكِ حَيْثُ قَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى الفِعْلِ ولَمْ يَعْكِسْ لِما أنَّ الإتْيانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ مَظِنَّةٌ كَما قِيلَ لِأنْ يُقالَ: فَماذا حالُها يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ؟ فَقِيلَ: يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ.
﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ: نُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِينَ لَهم لِيَظْهَرَ مِنهم ما يَظْهَرُ فَنُؤاخِذُهم بِهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها والتَّعْجِيبِ (p-91)مِنها، والإشارَةُ إمّا إلى الِابْتِلاءِ السّابِقِ أوْ إلى الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ بَعْدُ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ وهي مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلُ، أيْ: لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ عِنْدَ الطَّبَرْسِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ: إتْيانًا كائِنًا كَذَلِكَ، وجُمْلَةُ نَبْلُوهُمُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ عَنْ حِكْمَةِ اخْتِلافِ حالِ الحِيتانِ بِالإتْيانِ تارَةً وعَدَمِهِ أُخْرى.
﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُوَنَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وتَعَلُّقُ إذْ يَعْدُونَ بِ نَبْلُوهم وبِما يَبْعُدُونَ عَلى مَعْنى نَبْلُوهم وقْتَ العُدْوانِ بِالفِسْقِ مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلَيْهِ.
{"ayah":"وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡیَةِ ٱلَّتِی كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ یَعۡدُونَ فِی ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِیهِمۡ حِیتَانُهُمۡ یَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعࣰا وَیَوۡمَ لَا یَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِیهِمۡۚ كَذَ ٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ یَفۡسُقُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











