الباحث القرآني
﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -وُثُوقًا بِشَأْنِهِ وتَحْقِيرًا لَهم وعَدَمِ مُبالاةٍ بِهِمْ-: ﴿ألْقُوا﴾ أنْتُمْ ما تُلْقُونَ أوَّلًا، وبِما ذَكَرْنا يُعْلَمُ جَوابُ ما يُقالُ: إنَّ إلْقاءَهم مُعارَضَةٌ لِلْمُعْجِزَةِ بِالسِّحْرِ وهي كُفْرٌ، والأمْرُ بِهِ مِثْلُهُ. فَكَيْفَ أمَرَهم وهو هُوَ؟ وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وإنَّما وقَعَ التَّخْيِيرُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿أوَّلَ مَن ألْقى﴾ فَجَوَّزَ لَهُمُ التَّقْدِيمَ لا لِإباحَةِ فِعْلِهِمْ بَلْ لِتَحْقِيرِهِمْ، ولَيْسَ هُناكَ دَلالَةٌ عَلى الرِّضا بِتِلْكَ المُعارَضَةِ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أذِنَ لَهم لِيُبْطِلَ سِحْرَهُمْ، فَهو إبْطالٌ لِلْكُفْرِ بِالآخِرَةِ وتَحْقِيقٌ لِمُعْجِزَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذا (p-25)يُحْمَلُ ما جاءَ في بَعْضِ الآثارِ مِن أنَّهم لَمّا قالُوا سَمْعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُنادِيًا يَقُولُ: بَلْ ألْقُوا أنْتُمْ يا أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى، فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِن ذَلِكَ حَتّى أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ، ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْا وكانَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصًا ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ بِأنْ خَيَّلُوا إلَيْها ما الحَقِيقَةُ بِخِلافِهِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ سَحَرُوا النّاسَ. فالآيَةُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أيْ: أرْهَبُوهم إرْهابًا شَدِيدًا كَأنَّهم طَلَبُوا إرْهابَهم ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في بابِهِ.
يُرْوى أنَّهم ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا فَإذا حَيّاتٌ كَأمْثالِ الجِبالِ قَدْ مَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الأرْضَ كانَ سِعَتُها مِيلًا في مِيلٍ وقَدِ امْتَلَأتْ مِنَ الحَيّاتِ والأفاعِي، ويُقالُ: إنَّهم طَلَوْا تِلْكَ الحِبالَ بِالزِّئْبَقِ ولَوَّنُوها وجَعَلُوا داخِلَ العِصِيِّ زِئْبَقًا أيْضًا وألْقَوْها عَلى الأرْضِ، فَلَمّا أثَّرَ حَرُّ الشَّمْسِ فِيها تَحَرَّكَتْ والتَوى بَعْضُها عَلى بَعْضٍ حَتّى تَخَيَّلَ لِلنّاسِ أنَّها حَيّاتٌ. واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ كالمُعْتَزِلَةِ إنَّ السِّحْرَ لا حَقِيقَةَ لَهُ وإنَّما هُوَ: مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ، وفِيهِ أنَّهم إنْ أرادُوا أنَّ ما وقَعَ في القِصَّةِ مِنَ السَّحَرِ كانَ كَذَلِكَ فَمُسَلَّمٌ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنْ أرادُوا أنَّ كُلَّ سِحْرٍ تَخْيِيلٌ فَمَمْنُوعٌ، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ السِّحْرَ أقْسامٌ، وأنَّ مِنهُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ ومِنهُ ما لَهُ حَقِيقَةٌ كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ سِحْرُ اللَّعِينِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ اليَهُودِيِّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وسِحْرُ يَهُودِ خَيْبَرَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حِينَ ذَهَبَ لِيَخْرِصَ تَمْرَهم.
وذَكَرُوا أنَّهُ قَدْ يَصِلُ السِّحْرُ إلى حَدِّ المَشْيِ عَلى الماءِ والطَّيَرانِ في الهَواءِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَرَتُّبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَتَرَتُّبِ الشِّبَعِ عَلى الأكْلِ والرِّيِّ عَلى الشُّرْبِ والإحْراقِ عَلى النّارِ، والفاعِلُ الحَقِيقِيُّ في كُلِّ ذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى. نَعَمْ قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ ما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ إنْزالِ الجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ وفَلْقِ الحَجَرِ وقَلْبِ العَصا وإحْياءِ المَوْتى وإنْطاقِ العَجْماءِ، وأمْثالِ ذَلِكَ مِن آياتِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ومَن أنْكَرَ حَقِيقَتَهُ اسْتَدَلَّ بِلُزُومِ الِالتِباسِ بِالمُعْجِزَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الفَرْقَ مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ.
{"ayah":"قَالَ أَلۡقُوا۟ۖ فَلَمَّاۤ أَلۡقَوۡا۟ سَحَرُوۤا۟ أَعۡیُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَاۤءُو بِسِحۡرٍ عَظِیمࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











