الباحث القرآني
﴿حَقِيقٌ عَلى﴾ بِتَشْدِيدِ الياءِ كَما في قِراءَةِ نافِعٍ ومُجاهِدٍ (أنْ لا أقُولَ) إلَخْ. فَقُلِبَ لِأمْنِ الِالتِباسِ، كَما في قَوْلِ خِراشِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎كَذَبْتُمْ وبَيْتِ اللَّهِ حَتّى تُعالِجُوا قَوادِمَ حَرْبٍ لا تَلِينُ ولا تَمْرِي(p-19)
؎وتَلْحَقُ خَيْلٌ لا هَوادَةَ بَيْنِها ∗∗∗ وتَشْقى الرِّماحُ بِالضَياطِرَةِ الحُمْرِ
وضُعِّفَ بِأنَّ القَلْبَ سَواءٌ كانَ قَلْبَ الألْفاظِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَ خَرَقَ الثَّوْبُ المِسْمارَ، أمْ قَلْبَ المَعْنى فَقَطْ كَما هُنا إنَّما يُفْصِحُ إذا تَضَمَّنَ نُكْتَةً كَما في البَيْتِ، وهي فِيهِ الإشارَةُ إلى كَثْرَةِ الطَّعْنِ حَتّى شَقِيَتِ الرِّماحُ بِهِمْ لِتَكَسُّرِها بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقَدْ أفْصَحَ عَنْ هَذا المُتَنَبِّي بِقَوْلِهِ:
؎والسَّيْفُ يَشْقى كَما تَشْقى الضُّلُوعُ بِهِ ∗∗∗ ولِلسُّيُوفِ كَما لِلنّاسِ آجالُ
وبِأنَّ بَيْنَ الواجِبِ ومَن يَجِبُ عَلَيْهِ مُلازَمَةٌ فَعَبَّرَ عَنْ لُزُومِهِ لِلْواجِبِ بِوُجُوبِهِ عَلى الواجِبِ كَما اسْتَفاضَ العَكْسُ، ولَيْسَ هو مِنَ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ كَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ:
؎أوَما رَأيْتَ الجُودَ ألْقى رَحْلَهُ ∗∗∗ في آلِ طَلْحَةَ ثُمَّ لَمْ يَتَحَوَّلِ
وقَوْلِ ابْنِ هانِئٍ:
؎فَما جازَهُ جُودٌ ولا حَلَّ دُونَهُ ∗∗∗ ولَكِنْ يَسِيرُ الجُودُ حَيْثُ يَسِيرُ
بَلْ هو تَجَوُّزٌ فِيهِ مُبالَغَةٌ حَسَنَةٌ، وبانَ ذَلِكَ مِنَ الإغْراقِ في الوَصْفِ بِالصِّدْقِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ جُعِلَ قَوْلُ الحَقِّ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ثُمَّ جَعَلَ نَفْسَهُ، أيْ: قابِلِيَّتَهُ لِقَوْلِ الحَقِّ وقِيامَهُ بِهِ بِمَنزِلَةِ الواجِبِ عَلى قَوْلِ الحَقِّ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً وتَخْيِيلِيَّةً، والمَعْنى: أنا واجِبٌ عَلى الحَقِّ أنْ يَسْعى في أنْ أكُونَ قائِلَهُ والنّاطِقَ بِهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنِّي الكَذِبُ، واعْتَرَضَهُ القُطْبُ الرّازِّيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ هو حَقِيقًا عَلى قَوْلِ الحَقِّ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَلى قَوْلِهِ الحَقَّ، وجُعِلَ قَوْلُهُ الحَقَّ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْعى في أنْ يَكُونَ قائِلَهُ لا مَعْنى لَهُ.
وأُجِيبَ بِأنَّ مَبْنى ذَلِكَ عَلى أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ لا بُدَّ مِن إضافَتِهِ إلى ما كانَ مَرْفُوعًا بِهِ ولَيْسَ بِمُسَلَّمٍ فَإنَّهُ قَدْ يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ ذَلِكَ.
وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ النُّحاةِ بِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَكِرَةً نَحْوَ ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى﴾ أيِ: افْتِراءً، وهاهُنا قَدْ قُطِعَ النَّظَرُ فِيهِ عَنِ الفاعِلِ إذِ المَعْنى: حَقِيقٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ وهو مُحَصَّلُ مَجْمُوعِ الكَلامِ فَلا إشْكالَ، وذَكَرَ ابْنُ مِقْسَمٍ في تَوْجِيهِ الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وادَّعى أنَّهُ الأوْلى أنَّ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ مُتَعَلِّقٌ بِرَسُولٍ، إنْ قُلْنا بِجَوازِ إعْمالِ الصِّفَةِ إذا وُصِفَتْ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ وهو المَشْهُورُ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، أيْ: أرْسَلْتُ عَلى أنْ لا أقُولَ إلَخْ، والأوْلى عِنْدِي كَوْنُ عَلى بِمَعْنى الباءِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: (بِأنْ لا أقُولَ).
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (أنْ لا أقُولَ) بِتَقْدِيرِ الجارِّ وهو عَلى أوِ الباءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ يُقَدَّرُ عَلى بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، ولَمْ يَكُنْ هَذا وما بَعْدَهُ مِن جَوابِ فِرْعَوْنَ إثْرَ ما ذُكِرَ هاهُنا، بَلْ بَعْدَ ما جَرى بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَراتِ الَّتِي قَصَّها اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُها هُنا لِلْإيجازِ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِجِئْتُكم عَلى أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبَيِّنَةٍ مُفِيدَةٍ لِفَخامَتِها الإضافِيَّةِ مُؤَكِّدَةٍ لِفَخامَتِها الذّاتِيَّةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ التَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وإضافَةُ اسْمِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بَعْدَ إضافَتِهِ فِيما قَبْلُ إلى العالَمِينَ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الإيمانِ بِها، وذُكِرَ الِاسْمُ الجَلِيلُ الجامِعُ في بَيانِ كَوْنِهِ جَدِيرًا بِقَوْلِ الحَقِّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ تَهْوِيلًا لِأمْرِ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ مَعَ الإشارَةِ إلى التَّعْلِيلِ بِما لَيْسَ وراءَهُ غايَةٌ.
﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: خَلِّهِمْ حَتّى يَذْهَبُوا مَعِي إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي (p-20)هِيَ وطَنُ آبائِهِمْ، وكانَ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى والقِبْطُ قَدِ اسْتَبْعَدُوهم بَعْدَ انْقِراضِ الأسْباطِ يَسْتَعْمِلُونَهم ويُكَلِّفُونَهُمُ الأفاعِيلَ الشّاقَّةَ كالبِناءِ وحَمْلِ الماءِ فَأنْقَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ بَيْنَ اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِصْرَ واليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ، واسْتِعْمالُ الإرْسالِ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ عَلى ما يَظْهَرُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ حَقِيقِيَّةٌ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِعارَةٌ مِن إرْسالِ الطَّيْرِ مِنَ القَفَصِ تَمْثِيلِيَّةٌ أوْ تَبَعِيَّةٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ ساقِطٌ عَنْ وكْرِ القَبُولِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإرْسالِ أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَجِيئِهِ بِالبَيِّنَةِ.
{"ayah":"حَقِیقٌ عَلَىٰۤ أَن لَّاۤ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَرۡسِلۡ مَعِیَ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











