الباحث القرآني

﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أيْ عَمِلْتُ ذَلِكَ كَما قالَهُ الأكْثَرُونَ بِناءً عَلى أنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ المُؤْمِنِ تَيَقُّنُ أُمُورِ الآخِرَةِ كالحِسابِ، فالمَنقُولُ عَنْهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لَكِنَّ الأُمُورَ النَّظَرِيَّةَ لِكَوْنِ تَفاصِيلِها لا تَخْلُو عَنْ تَرَدُّدِ ما في بَعْضِها مِمّا لا يَفُوتُ اليَقِينُ فِيهِ كَسُهُولَةِ الحِسابِ وشِدَّتِهِ مَثَلًا عَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالظَّنِّ مَجازًا لِلْإشْعارِ بِذَلِكَ. وقِيلَ لَمّا كانَ الِاعْتِقادُ بِأُمُورِ الآخِرَةِ مُطْلَقًا مِمّا لا يَنْفَكُّ عَنِ الهَواجِسِ والخَطِراتِ النَّفْسِيَّةِ كَسائِرِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ نَزَلَ مُنْزِلَةَ الظَّنِّ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ لِذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ قادِحٍ في الإيمانِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن حِسابِهِ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الحِسابِ اليَسِيرِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقِينَ لَهُ بِهِ وإنَّما ظَنَّهُ ورَجَّحَهُ لِمَزِيدِ وُثُوقِهِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ ولَعَلَّ (p-48)ذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ فَقَدْ دَلَّتِ الأخْبارُ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِحالِ المُؤْمِنِ حِينَئِذٍ غَلَبَةُ الرَّجاءِ وحُسْنُ الظَّنِّ. وأمّا قَبْلَهُ فاسْتِواءُ الرَّجاءِ والخَوْفِ وعَلَيْهِ يَظْهَرُ جِدًّا وُقُوعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما تَشْعُرُ لَهُ الجُمْلَةُ الأُولى مِن حُسْنِ الحالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ إنِّي عَلى ما يَحْسُنُ مِنَ الأحْوالِ أوْ إنِّي فَرِحٌ مَسْرُورٌ لِأنِّي ظَنَنْتُ بِرَبِّي سُبْحانَهُ أنَّهُ يُحاسِبُنِي حِسابًا يَسِيرًا وقَدْ حاسَبَنِي كَذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَ عَلى الشِّدَّةِ والمُناقَشَةِ لِما سَلَفَ مِنِّي مِنَ الهَفَواتِ والآنَ أزالَ اللَّهُ تَعالى عَنِّي ذَلِكَ وفَرَّجَ هَمِّي وقِيلَ: يُطْلَقُ الظَّنُّ عَلى العِلْمِ حَقِيقَةً وهو ظاهِرُ كَلامِ الرَّضِيِّ في أفْعالِ القُلُوبِ وفِيهِ نَظَرٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب