الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ خَطابٌ عامٌّ لِلْمُكَلَّفِينَ كَما في قَوْلِهِ أوَّلًا ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ قالَ في الكَشْفِ أصْلُ الكَلامِ ولِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنكم أيُّها المُكَلَّفُونَ المُبْتَلُونَ ولِلَّذِينَ يَخْشَوْنَ مِنكم فَقَطَعَ هَذا الثّانِي جَوابًا عَنِ السُّؤالِ الَّذِي يَقْطُرُ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ مَعَ أنَّ ذِكْرَهم بِالعَرْضِ وهو ماذا حالُ مَن أحْسَنُ عَمَلًا ومَن خَرَجَ مُمَحَّصًا عِنْدَ الِابْتِلاءِ فَأُجِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ إلَخِ فَأثْبَتَ لَهم كَمالَ العِلْمِ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: 28] . وكَمالَ التَّقْوى لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بِالغَيْبِ﴾ وفي هَذا القَطْعِ تَرْشِيحٌ لِلْمَعْنى المَرْمُوزِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكُمْ﴾ المُتَّقِي تَخْصِيصًا لَهم بِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ ولَوْ عُطِفَ لَدَلَّ عَلى التَّساوِي، ثُمَّ قِيلَ فاتَّقُوهُ في السِّرِّ والعَلَنِ ودُومُوا أنْتُمْ أيُّها الخاشِعُونَ عَلى خَشْيَتِكم وأنِيبُوا إلى الخَشْيَةِ والتَّقْوى أيُّها المُغْتَرُّونَ، واعْتَقِدُوا اسْتِواءَ أسْرارِكم وجَهْرِكم في عِلْمِ رَبِّكم فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ واخْشَوْهُ حَقَّ الخَشْيَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى هَذا المُضْمَرِ. وجُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ إلَخِ اسْتِطْرادٌ عَقِيبَ ذِكْرِ الكُفّارِ وجَزائِهِمْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وأسِرُّوا﴾ ﴿أوِ اجْهَرُوا﴾ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ إلى أصْحابِ السَّعِيرِ لِبُعْدِ العَهْدِ وزِيادَةِ الِاخْتِصاصِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ ولِلْكافِرِينَ بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ ثُمَّ قِيلَ مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتُ، وإسْرارُكم بِالقَوْلِ وجَهْرُكم بِهِ أيُّها الكافِرُونَ سِيّانِ فَلا تَفُوتُونَنا جَهَرْتُمْ بِالكُفْرِ والبَغْضاءِ، أوْ أبْطَنْتُمُوهُما فَهو مِن تَتِمَّةِ الوَعِيدِ ثُمَّ قالَ والأوَّلُ امْلَأُ بِالقَبُولِ انْتَهى ويَظْهَرُ لِي بُعْدُ الأوَّلِ ويُؤَيِّدُ الثّانِي ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ نَزَلَتْ ﴿وأسِرُّوا﴾ إلَخِ في المُشْرِكِينَ كانُوا يَنالُونَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَيُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم كَيْلا يَسْمَعَ رَبُّ مُحَمَّدٍ فَقِيلَ لَهم أسِرُّوا ذَلِكَ أوِ اجْهُرُوا بِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُهُ. وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى الجَهْرِ لِلْإيذانِ بِافْتِضاحِهِمْ ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، والمُبالَغَةُ في شُمُولِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ المُحِيطِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كَأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَمُ مِنهُ بِما يَجْهَرُونَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِما في الحَقِيقَةِ عَلى السَّوِيَّةِ، أوْ لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ الجَهْرِ إذْ ما مِن شَيْءٍ يَجْهَرُ بِهِ إلّا وهو أوْ مَبادِئُهُ مُضْمَرٌ في القَلْبِ غالِبًا فَتَعَلُّقُ عِلْمُهُ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَقْرِيرٌ لَهُ وفي صِيغَةِ الفَعِيلِ وتَحْلِيَةِ الصُّدُورِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ ووَصْفُ الضَّمائِرِ بِصاحِبَتِها مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُبالِغٌ في الإحاطَةِ بِمُضْمِراتِ جَمِيعِ النّاسِ وأسْرارِهِمُ الخَفِيَّةِ المُسْتَكِنَّةِ في صُدُورِهِمْ (p-14)بِحَيْثُ لا تَكادُ تُفارِقُها أصْلًا فَكَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَهُ وتَجْهَرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذاتِ الصُّدُورِ القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى ﴿عَلِيمٌ﴾ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سِرٌّ مِن أسْرارِها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب