الباحث القرآني

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أيْ وخَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ عَلى أنَّ مِثْلَهُنَّ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، وقِيلَ: مِثْلَهُنَّ عَطْفٌ عَلى سَبْعِ سَماواتٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ وهو مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ. وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ مِثْلُهُنَّ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ ﴿ومِنَ الأرْضِ﴾ الخَبَرُ. والمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِالِاشْتِراكِ في بَعْضِ الأوْصافِ فَقالَ الجُمْهُورُ: هي ها هُنا في كَوْنِها سَبْعًا وكَوْنِها طِباقًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مَسافَةٌ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وفي كُلِّ أرْضِ سُكّانٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهم إلّا اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم إمّا مَلائِكَةٌ أوْ جِنٌّ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ - في شُعَبِ الإيمانِ. وفي الأسْماءِ والصِّفاتِ - مِن طَرِيقِ أبِي الضُّحى (p-143) عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «سَبْعُ أرَضِينَ في كُلِّ أرْضٍ نَبِيٌّ كَنَبِيِّكم وآدَمُ كَآدَمَ ونُوحٌ كَنُوحٍ وإبْراهِيمُ كَإبْراهِيمَ وعِيسى كَعِيسى»، قالَ الذَّهَبِيُّ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ ولَكِنَّهُ شاذٌّ بِمَرَّةٍ لا أعْلَمَ لِأبِي الضُّحى عَلَيْهِ مُتابِعًا. وذَكَرَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ نَحْوَهُ عَنِ الحَبْرِ وقالَ: هَذا حَدِيثٌ لا شَكَّ في وضْعِهِ وهو مِن رِوايَةِ الواقِدِيِّ الكَذّابِ. وأقُولُ لا مانِعَ عَقْلًا ولا شَرْعًا مِن صِحَّتِهِ، والمُرادُ أنَّ في كُلِّ أرْضٍ خَلْقًا يَرْجِعُونَ إلى أصْلٍ واحِدٍ رُجُوعَ بَنِي آدَمَ في أرْضِنا إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ أفْرادٌ مُمْتازُونَ عَلى سائِرِهِمْ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ وغَيْرِهِما فِينا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أنَّ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ والَّتِي تَلِيها خَمْسَمِائَةِ عامٍ والعُلْيا مِنها عَلى ظَهْرِ حُوتٍ قَدِ التَقى طَرَفاهُ في السَّماءِ والحُوتُ عَلى صَخْرَةٍ والصَّخْرَةُ بِيَدِ مَلَكٍ والثّانِيَةُ مَسْجَنُ الرِّيحِ والثّالِثَةُ فِيها حِجارَةُ جَهَنَّمَ والرّابِعَةُ فِيها كِبْرِيتُها والخامِسَةُ فِيها حَيّاتُها والسّادِسَةُ فِيها عَقارِبُها والسّابِعَةُ فِيها سَقَرُ وفِيها إبْلِيسُ مُصَفَّدٌ بِالحَدِيدِ يَدٌ أمامَهُ ويَدٌ خَلْفَهُ يُطْلِقُهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن يَشاءُ،» وهو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ - كَما قالَ الذَّهَبِيُّ - لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ أصْلًا فَلا تَغْتَرَّ بِتَصْحِيحِ الحاكِمِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في هَذا البابِ لَوْلا خَوْفُ المَلَلِ لَذَكَرْناها لَكَ لَكِنْ كَوْنُ ما بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ كَما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ جاءَ في أخْبارٍ مُعْتَبَرَةٍ كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««بَيْنَما النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسٌ وأصْحابُهُ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَكم ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها الرَّقِيعُ سَقْفٌ مَحْفُوظٌ ومَوْجٌ مَكْفُوفٌ، قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما بَيْنَكم وبَيْنَها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: بَيْنَكم وبَيْنَها خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: سَماءٌ وإنَّ بُعْدَ ما بَيْنَها خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ قالَ كَذَلِكَ حَتّى عَدَّ سَبْعَ سَماواتٍ ما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ثُمَّ قالَ هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: وإنَّ فَوْقَ ذَلِكَ العَرْشَ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ بُعْدُ ما بَيْنَ السَّماءَيْنِ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَكم ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها الأرْضُ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّ تَحْتَها أرْضًا أُخْرى بَيْنَهُما مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ حَتّى عَدَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَبْعَ أرَضِينَ ما بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ» . والأخْبارُ في تَقْدِيرِ المَسافَةِ بِما ذَكَرَ بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ أكْثَرُ مِنَ الأخْبارِ في تَقْدِيرِها بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ وأصَحُّ، ومِنها ما هو مَذْكُورٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ الصِّحاحِ، وفِيها أيْضًا أنَّ ثِخَنَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ فَقَوْلُ الرّازِيِّ في ذَلِكَ إنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ كَلامٌ لا يَخْفى بَشاعَتُهُ عَلى مَن سَلَكَ مِنَ السُّنَّةِ أقْوَمَ طَرِيقٍ، نَعَمْ ما حَكاهُ مِن أنَّ السَّماءَ الأُولى مَوْجٌ مَكْفُوفٌ والثّانِيَةَ صَخْرٌ والثّالِثَةَ حَدِيدٌ والرّابِعَةَ نُحاسٌ والخامِسَةَ فِضَّةٌ والسّادِسَةَ ذَهَبٌ والسّابِعَةَ ياقُوتٌ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ أصْلًا ولَمْ يَرِدْ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّفْصِيلِ خَبَرٌ صَحِيحٌ لَكِنَّ في قَوْلِهِ: إنَّهُ مِمّا يَأْباهُ العَقْلُ إنْ أرادَ بِهِ نَفْيَ الإمْكانِ عَقْلًا مَنعٌ ظاهِرٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي في كَوْنِها سَبْعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ لا في كَوْنِها كَذَلِكَ مَعَ وُجُودِ مَسافَةٍ بَيْنِ أرْضٍ وأرْضٍ، واخْتارَهُ بَعْضُهم زاعِمًا أنَّ المُرادَ بِهاتَيْكِ السَّبْعِ طَبَقَةُ التُّرابِ الصِّرْفَةُ المُجاوِرَةُ لِلْمَرْكَزِ والطَّبَقَةُ الطِّينِيَّةُ والطَّبَقَةُ المَعْدِنِيَّةُ الَّتِي يَتَكَوَّنُ فِيها المَعادِنُ والطَّبَقَةُ المُمْتَزِجَةُ بِغَيْرِها المُنْكَشِفَةِ الَّتِي هي مَسْكَنُ الإنْسانِ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَوانِ وفِيها يَنْبُتُ النَّباتُ وطَبَقَةُ الأدْخِنَةِ والطَّبَقَةُ الزَّمَهْرِيرِيَّةُ وطَبَقَةُ النَّسِيمِ الرَّقِيقِ جِدًّا، ولا يَخْفى أنَّهُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالهَذَيانِ، ومِثْلُهُ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ النّاظِرِينَ في كُتُبِ العُلُومِ المُسَمّاةِ بِالحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ مِن أنَّ الأرْضَ انْفَصَلَتْ بِسَبَبِ بَعْضِ الحَوادِثِ (p-144) مِن بَعْضِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ صَغِيرَةً ثُمَّ تَكَوَّنَتْ فَوْقَها طَبَقَةٌ وهَكَذا حَتّى صارَ المَجْمُوعُ سَبْعًا، وزَعَمَ أنَّهم شاهَدُوا بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ آثارًا مِن مَخْلُوقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: هي في كَوْنِها سَبْعًا لا غَيْرُ فَهي سَبْعُ أرَضِينَ مُنْبَسِطَةٌ لَيْسَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ يَفْرُقُ بَيْنَها البِحارُ، ويُظِلُّ جَمِيعَها السَّماءُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فالنِّسْبَةُ بَيْنَ أرْضٍ وأرْضٍ عَلى هَذا نَحْوَ نِسْبَةِ أمْرِيقِيا إلى آسْيا أوْ أُورُوبّا أوْ أفْرِيقْيا لَكِنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ البِحارَ الفارِقَةَ لا يُمْكِنُ قَطْعُها. وقِيلَ: مِنَ الأقالِيمِ السَّبْعَةِ وهي مُخْتَلِفَةُ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ واللَّيْلِ والنَّهارِ إلى أُمُورٍ أُخَرَ، واخْتارَهُ بَعْضُهم ولا أظُنُّهُ شَيْئًا لِأنَّ المُتَبادَرَ اعْتِبارُ انْفِصالِ أرْضٍ عَنْ أرْضٍ انْفِصالًا حَقِيقِيًّا في المِثْلِيَّةِ، وقِيلَ: المِثْلِيَّةُ في الخَلْقِ لا في العَدَدِ ولا في غَيْرِهِ فَهي أرْضٌ واحِدَةٌ مَخْلُوقَةٌ كالسَّماواتِ السَّبْعِ، وأُيِّدَ بِأنَّ الأرْضَ لَمْ تُذْكَرْ في القُرْآنِ إلّا مُوَحَّدَةً، ورُدَّ بِأنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ ««اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ وما أظْلَلْنَ ورَبَّ الأرَضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ»» الحَدِيثَ، وكَذا صَحَّ ««مَن غَصَبَ قَيْدَ شِبْرٍ مَن أرْضٍ طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ»» وأصَحُّ الأقْوالِ - كَما قالَ القُرْطُبِيُّ - قَوْلُ الجُمْهُورِ السّابِقُ، وعَلَيْهِ اخْتُلِفَ في مُشاهَدَةِ أهْلِ ما عَدا هَذِهِ الأرْضِ السَّماءَ واسْتِمْدادِهِمُ الضَّوْءَ مِنها فَقِيلَ: إنَّهم يُشاهِدُونَ السَّماءَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن أرْضِهِمْ ويَسْتَمِدُّونَ الضِّياءَ مِنها. وقِيلَ: إنَّهم لا يُشاهِدُونَ السَّماءَ وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لَهم ضِياءً يُشاهِدُونَهُ، ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ بَعْضِ الأئِمَّةِ نَحْوًا مِمّا قالَهُ الجُمْهُورُ، أخْرَجَ العَيّاشِيُّ بِإسْنادِهِ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ خالِدٍ عَنْ أبِي الحَسَنِ الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «بَسَطَ كَفَّهُ اليُسْرى ثُمَّ وضَعَ اليُمْنى عَلَيْها فَقالَ: «هَذِهِ الأرْضُ الدُّنْيا والسَّماءُ الدُّنْيا عَلَيْها قُبَّةٌ، والأرْضُ الثّانِيَةُ فَوْقَ السَّماءِ الدُّنْيا والسَّماءُ الثّانِيَةُ فَوْقَها قُبَّةٌ، والأرْضُ الثّالِثَةُ فَوْقَ السَّماءِ الثّانِيَةِ والسَّماءُ الثّالِثَةُ فَوْقَها قُبَّةٌ حَتّى ذَكَرَ الرّابِعَةَ والخامِسَةَ والسّادِسَةَ فَقالَ: والأرْضُ السّابِعَةُ فَوْقَ السَّماءِ السّادِسَةِ والسَّماءُ السّابِعَةُ فَوْقَها قُبَّةٌ وعَرْشُ الرَّحْمَنِ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ»، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ إلَخْ. وأنا أقُولُ بِنَحْوِ ما قالَهُ الجُمْهُورُ راجِيًا العِصْمَةَ مِمَّنْ عَلى مِحْوَرِ إرادَتِهِ تَدُورُ أفْلاكُ الأُمُورِ: هي سَبْعُ أرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مِنها مَسافَةٌ عَظِيمَةٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ خَلْقٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولَهم ضِياءٌ يَسْتَضِيئُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهم لَيْلٌ ونَهارٌ ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ضِياؤُهم مِن هَذِهِ الشَّمْسِ ولا مِن هَذا القَمَرِ، وقَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّ أكْثَرِ أهْلِ الحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ أنَّ القَمَرَ عالَمٌ كَعالَمِ أرْضِنا هَذِهِ وفِيهِ جِبالٌ وبِحارٌ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُحِسُّونَ بِها بِواسِطَةِ أرْصادِهِمْ وهم مُهْتَمُّونَ بِالسَّعْيِ في تَحْقِيقِ الأمْرِ فِيهِ فَلْيَكُنْ ما نَقُولُ بِهِ مِنَ الأرَضِينَ عَلى هَذا النَّحْوِ، وقَدْ قالُوا أيْضًا: إنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ في عالَمٍ هي مَرْكَزُ دائِرَةٍ وبَلْقِيسُ مَمْلَكَتُهُ بِمَعْنى أنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ مِن كَواكِبِهِمُ السَّيّارَةِ تَدُورُ عَلَيْها فِيهِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ ونَمَطٍ مَضْبُوطٍ، وقَدْ تَقْرُبُ إلَيْها فِيهِ وتَبْعُدُ عَنْها إلى غايَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى كَواكِبُ ذَواتُ الأذْنابِ، وهي عِنْدَهم كَثِيرَةٌ جِدًّا تَتَحَرَّكُ عَلى شَكْلٍ بَيْضِيٍّ وأنَّ الشَّمْسَ بِعالَمِها مِن تَوابِعِ كَوْكَبٍ آخَرَ تَدُورُ عَلَيْهِ دَوَرانَ تَوابِعِها مِنَ السَّيّاراتِ عَلَيْها هو فِيما نَسْمَعُ أحَدُ كَواكِبِ النَّجْمِ، ولَهم ظَنٌّ في أنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِن تَوابِعِ كَوْكَبٍ آخَرَ وهَكَذا، ومُلْكُ اللَّهِ تَعالى العَظِيمِ عَظِيمٌ لا تَكادُ تُحِيطُ بِهِ مَنطِقَةُ الفِكْرِ ويَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ الحَصْرِ، وسَماءُ كُلِّ عالَمٍ كالقَمَرِ عِنْدَهم ما انْتَهى إلَيْهِ هَواؤُهُ حَتّى صارَ ذَلِكَ الجِرْمُ في نَحْوِ خَلاءٍ فِيهِ لا يُعارِضُهُ ولا يُضْعِفُ حَرَكَتَهُ شَيْءٌ والجِسْمُ مَتى تَحَرَّكَ في خَلاءٍ لا يَسْكُنُ لِعَدَمِ المُعارِضِ فَلْيَكُنْ كُلُّ أرْضٍ مِن هَذِهِ الأرَضِينَ مَحْمُولَةً بِيَدِ القُدْرَةِ بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ عَنِ الرِّضا عَلى آبائِهِ وعَلَيْهِ السَّلامُ، (p-145) وهُناكَ ما يَسْتَضِيءُ بِهِ أهْلُها سابِحًا في فَلَكِ بَحْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ونِسْبَةُ كُلِّ أرْضٍ إلى سَمائِها نِسْبَةُ الحَلْقَةِ إلى الفَلاةِ وكَذا نِسْبَةُ السَّماءِ إلى السَّماءِ الَّتِي فَوْقَها، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الأرَضُونَ وكَذا السَّماواتُ أكْثَرَ مِن سَبْعٍ والِاقْتِصارُ عَلى العَدَدِ المَذْكُورِ الَّذِي هو عَدَدٌ تامٌّ لا يَسْتَدْعِي نَفْيَ الزّائِدِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ العَدَدَ لا مَفْهُومَ لَهُ والسَّماءَ الدُّنْيا مُنْتَهى دائِرَةٍ يَتَحَرَّكُ فِيها أعْلى كَوْكَبٍ مِنَ السَّيّاراتِ وبَيْنَها وبَيْنَ هَذِهِ الأرْضِ بُعْدٌ بَعِيدٌ. وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««خَمْسُمِائَةِ عامٍ»» مِن بابِ التَّقْرِيبِ لِلْأفْهامِ، ويَقْرُبُ الأمْرُ إذا اعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الرّاكِبِ المُجِدِّ كَما وقَعَ في كَثِيرٍ مِن أخْبارٍ فِيها تَقْدِيرُ مَسافَةٍ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «فِي السَّماءِ الدُّنْيا: «مَوْجٌ مَكْفُوفٌ»» يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ في اللَّطافَةِ ونَحْوِها أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلنَّوْعِيَّةِ حَتّى يَقُومَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ الصَّحِيحُ عَلى امْتِناعِها، وتَزْيِينُ هَذِهِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ لِظُهُورِها فِيها عَلى ما يُشاهَدُ فَلا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُها كُلًّا أوْ بَعْضًا فَوْقَها أوْ تَحْتَها، ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ شَيْئًا مِنَ الكَواكِبِ مَغْرُوزٌ في شَيْءٍ مِنَ السَّماواتِ كالفَصِّ في الخاتَمِ والمِسْمارِ في اللَّوْحِ، بَلْ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، نَعَمْ أكْثَرُ الأخْبارِ في أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ والكَواكِبِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها كَما أشارَ إلَيْهِ النَّسَفِيُّ في بَحْرِ الكَلامِ، وكَذا ما قالَهُ قُدَماءُ أهْلِ الهَيْئَةِ ومُحْدَثُوهم، وفي كُلٍّ مِمّا ذَهَبَ الفَرِيقانِ إلَيْهِ ما يُوافِقُ أُصُولَنا وما يُخالِفُهُ وما شَرِيعَتُنا ساكِتَةٌ عَنْهُ لَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ بِنَفْيٍ أوْ إثْباتٍ، وحَيْثُ كانَ مِن أُصُولِنا أنَّهُ مَتى عارَضَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ وجَبَ تَأْوِيلُ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لِلدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِأنَّهُ أصْلُهُ ولَوْ أُبْطِلَ بِهِ لَزِمَ بُطْلانُهُ نَفْسَهُ فالأمْرُ سَهْلٌ لِأنَّ بابَ التَّأْوِيلِ أوْسَعُ مِن فَلَكِ الثَّوابِتِ ولا أرى بَأْسًا في ارْتِكابِ تَأْوِيلِ بَعْضِ الظَّواهِرِ المُسْتَبْعَدَةِ بِما لا يُسْتَبْعَدُ وإنْ لَمْ يَصِلِ الِاسْتِبْعادُ إلى حَدِّ الِامْتِناعِ إذْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً دِينِيَّةً ولَمْ يَسْتَلْزِمْ مُصادَمَةَ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وقَدْ يَلْتَزِمُ الإبْقاءُ عَلى الظّاهِرِ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لا يَتَعاصاها شَيْءٌ رِعايَةً لِأذْهانِ العَوامِّ المُقَيَّدِينَ بِالظَّواهِرِ الَّذِينَ يَعُدُّونَ الخُرُوجَ عَنْها لا سِيَّما إلى ما يُوافِقُ الحِكْمَةَ الجَدِيدَةَ ضَلالًا مَحْضًا وكُفْرًا صِرْفا ورَحِمَ اللَّهُ تَعالى امْرَأً جَبَّ الغَيْبَةَ عَنْ نَفْسِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الضَّرِيسِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: لَوْ حَدَّثْتُكم بِتَفْسِيرِها لَكَفَرْتُمْ بِتَكْذِيبِكم بِها. وبِالجُمْلَةِ مَن صَدَّقَ بِسَعَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ في وُجُودِ سَبْعِ أرَضِينَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ، ويُحْمَلُ السَّبْعُ عَلى الأقالِيمِ أوْ عَلى الطَّبَقاتِ المَعْدِنِيَّةِ والطِّينِيَّةِ ونَحْوِهِما مِمّا تَقَدَّمَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يُصادِمُ ضَرُورِيًّا مِنَ الدِّينِ أوْ يُخالِفُ قَطْعِيًّا مِن أدِلَّةِ المُسْلِمِينَ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِذَلِكَ التَّعَدُّدِ هو المُتَبادَرُ مِنَ الآيَةِ، وتَقْتَضِيهِ الأخْبارُ، ومَعَ هَذا هو لَيْسَ مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ فَلا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ أوِ المُتَرَدِّدُ فِيهِ لَكِنْ لا أرى ذَلِكَ إلّا عَنْ جَهْلٍ بِما هو الألْيَقُ بِالقُدْرَةِ والأحْرى بِالعَظْمَةِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ. ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أيْ يَجْرِي أمْرُ اللَّهِ تَعالى وقَضاؤُهُ وقَدَرُهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَهُنَّ ويَنْفُذُ مُلْكُهُ فِيهِنَّ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: في كُلِّ سَماءٍ وفي كُلِّ أرْضٍ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ تَعالى وأمْرٌ مِن أمْرِهِ وقَضاءٌ مِن قَضائِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ بِحَياةٍ ومَوْتٍ وغِنى وفَقْرٍ، وقِيلَ: هو ما يُدَبِّرُهُ سُبْحانَهُ فِيهِنَّ مِن عَجِيبِ تَدْبِيرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: ﴿الأمْرُ﴾ هُنا الوَحْيُ، ”وبَيْنَهُنَّ“ إشارَةٌ إلى بَيْنَ هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي هي أدْناها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ القَضاءُ والقَدَرُ كَما سَبَقَ، وأنْ بَيْنَهُنَّ إشارَةٌ (p-146) إلى بَيْنَ الأرْضِ السُّفْلى الَّتِي هي أقْصاها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها وقَرَأ عِيسى وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ «يُنَزِّلُ» مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا «الأمْرَ» بِالنَّصْبِ أيْ يُنَزِّلُ اللَّهُ الأمْرَ ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِخَلَقَ - أوْ - بِيَتَنَزَّلُ - أوْ بِمُضْمَرٍ يَعُمُّهُما أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ما ذُكِرَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أخْبَرْتُكم أوْ أعْلَمْتُكم بِذَلِكَ لِتَعْلَمُوا، وقُرِئَ - لِيَعْلَمُوا - بِياءِ الغَيْبَةِ. ﴿وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ لِاسْتِحالَةِ صُدُورِ هَذِهِ الأفاعِيلِ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب