الباحث القرآني
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ ومُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُمُ اليَهُودُ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَبَّرَ عَنْهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا مِن فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُواصِلُونَ اليَهُودَ لِيُصِيبُوا مِن ثِمارِهِمْ فَنَزَلَتْ، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هم عامَّةُ الكَفَرَةِ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ: مُتَّصِلَةٌ بِخاتِمَةِ قِصَّةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ نُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [المُمْتَحَنَةَ: 1] وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المُمْتَحَنَةَ: 9] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ إلَخْ مُسْتَطْرَدٌ فَإنَّهُ لَمّا جَرى حَدِيثُ المُعامَلَةِ مَعَ الَّذِينَ لا يُقاتِلُونَ المُسْلِمِينَ والَّذِينَ يُقاتِلُونَهم وقَدْ أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ مِنَ الأمْرِ بِمَبَرَّةِ أُولَئِكَ والنَّهْيِ عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ أتى بِحَدِيثِ المُعامَلَةِ مَعَ نِسائِهِمْ، ولَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ أوْصَلَ الخاتِمَةَ بِالفاتِحَةِ عَلى مِنوالِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وفي الِانْتِصافِ جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ نَفْسَها مِن بابِ الِاسْتِطْرادِ وهو ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ: بِأنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ اليَهُودُ أوْ أهْلُ الكِتابِ مُطْلَقًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ، والمُرادُ قَدْ يَئِسُوا مِن خَيْرِ الآخِرَةِ وثَوابِها لِعِنادِهِمُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَنعُوتَ في كِتابِهِمُ المُؤَيِّدِ بِالآياتِ البَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ الباهِراتِ، وإذا أُرِيدَ بِالقَوْمِ الكَفَرَةُ فَيَأْسُهم مِنَ الآخِرَةِ لِكُفْرِهِمْ بِها.
﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أصْحابُ القُبُورِ أيِ الكُفّارِ المَوْتى عَلى أنَّ ”مِنَ“ بَيانِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ يَأْسَ هَؤُلاءِ مِنَ الآخِرَةِ كَيَأْسِ الكُفّارِ الَّذِينَ ماتُوا وسَكَنُوا القُبُورَ وتَبَيَّنُوا حِرْمانَهم مِن نَعِيمِها المُقِيمِ، وقِيلَ: كَيَأْسِهِمْ مِن أنْ يَنالَهم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ الأحْياءِ، والمُرادُ وصْفُهم بِكَمالِ اليَأْسِ مِنَ الآخِرَةِ، وكَوْنُ ”مِن“ بَيانِيَّةً مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ زَيْدٍ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ وجَماعَةٍ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسُوا مِن مَوْتاهم أنْ يُبْعَثُوا ويَلْقَوْهم في دارِ الدُّنْيا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ، فالمُرادُ بِالكُفّارِ أُولَئِكَ القَوْمُ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا لِكُفْرِهِمْ وإشْعارًا بِعِلَّةِ يَأْسِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي الزِّنادِ كَما يَئِسَ الكافِرُ - بِالإفْرادِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
* * *
هَذا «ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ» ما قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ إلَخْ إشارَةٌ لِلسّالِكِ إلى تَرْكِ مُوالاةِ النَّفْسِ الإمارَةِ وإلْقاءِ المَوَدَّةِ إلَيْها فَإنَّها العَدُوُّ الأكْبَرُ كَما قِيلَ: أعْدى أعْدائِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ، وهي لا تَزالُ كارِهَةً لِلْحَقِّ ومُعارِضَةً لِرَسُولِ العَقْلِ نافِرَةً لَهُ ولا تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ حَتّى تَكُونَ مُطَمْئِنَةً راضِيَةً مَرْضِيَّةً، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مَتى أطاعَتِ النَّفْسُ وأُمِنَ جِماحُها جازَ إعْطاؤُها حُظُوظَها المُباحَةَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِما رُوِيَ أنَّ ««لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»» وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى مُبايَعَةِ المُرْشِدِ المُرِيدِ الصّادِقِ ذا النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ وذَلِكَ أنْ يُبايِعَهُ عَلى تَرْكِ الِاخْتِيارِ وتَفْوِيضِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنْ لا يَرْغَبَ فِيما لَيْسَ لَهُ بِأهْلٍ، وأنْ لا يَلِجَ في شَهَواتِ النَّفْسِ، وأنْ لا يَئِدَ الوارِدَ الإلْهامِيَّ تَحْتَ تُرابِ الطَّبِيعَةِ، وأنْ لا يَفْتَرِيَ فَيَزْعُمُ أنَّ الخاطِرَ السَّرِيَّ خاطِرُ (p-83)
الرُّوحِ وخاطِرَ الرُّوحِ خاطِرُ الحَقِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأنْ لا يَعْصِيَ في مَعْرُوفٍ يُفِيدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في ضِمْنِ المُبالَغَةِ أنْ يَسْتُرَ صِفاتِهِ بِصِفاتِهِ ووُجُودَهُ بِوُجُودِهِ، وحاصِلُهُ أنْ يُطْلَبَ لَهُ البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ وذَلِكَ فَضْلٌ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ.
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَوَلَّوۡا۟ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمۡ قَدۡ یَىِٕسُوا۟ مِنَ ٱلۡـَٔاخِرَةِ كَمَا یَىِٕسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَـٰبِ ٱلۡقُبُورِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











