الباحث القرآني
﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ تَحْقِيقٌ لِإنْزالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ بَعْدَ تَقْرِيرِ إنْزالِ ما يُشِيرُ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ، وتَكْذِيبٌ لِكَلِمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ إثْرَ تَكْذِيبِ وتَنْكِيرِ (كِتابٌ) لِلتَّفْخِيمِ، وجُمْلَةُ (أنْزَلْناهُ) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ صِفَةٌ بِهِ
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُبارَكٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الفائِدَةِ والنَّفْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى مَنافِعِ الدّارَيْنِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ صِفَةً بَعْدَ صِفَةٍ. قالَ الإمامُ: جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ الباحِثَ عَنْ هَذا الكِتابِ المُتَمَسِّكَ بِهِ يَحْصُلُ بِهِ عِزُّ الدُّنْيا وسَعادَةُ الآخِرَةِ، ولَقَدْ شاهَدْنا والحَمْدُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثَمَرَةَ خِدْمَتِنا لَهُ في الدُّنْيا فَنَسْألُهُ أنْ لا يَحْرِمَنا سَعادَةَ الآخِرَةِ إنَّهُ البَرُّ الرَّحِيمُ. وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى، والإضافَةُ -عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ- غَيْرُ مَحْضَةٍ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا التَّوْراةُ لِأنَّها أعْظَمُ كِتابٍ نَزَلَ قَبْلُ ولِأنَّ الخِطابَ مَعَ اليَهُودِ، وإمّا ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وتَذْكِيرُ المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ الكِتابِ أوِ المَنَزَّلِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ومَعْنى كَوْنُها بَيْنَ يَدَيْهِ أنَّها مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ. فَإنَّ كُلَّ ما كانَ بَيْنَ اليَدَيْنِ كَذَلِكَ وتَصْدِيقُهُ لِلْكُلِّ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والأمْرِ بِهِ ونَفْيِ الشِّرْكِ والنَّهْيِ عَنْهُ. وفي سائِرِ أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تُنْسَخُ
﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ صِفَةُ الكِتابِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ لِلْبَرَكاتِ وتَصْدِيقِ ما تَقَدَّمَهُ والإنْذارِ. واخْتارَ العَلّامَةُ الثّانِي كَوْنَهُ عَطْفًا عَلى صَرِيحِ الوَصْفِ أيْ كِتابٌ مُبارَكٌ وكائِنٌ لِلْإنْذارِ، وادُّعِيَ أنَّهُ لا حاجَةَ مَعَ هَذا إلى ذَلِكَ التَّكَلُّفِ فَإنَّ عَطْفَ الظَّرْفِ عَلى المُفْرَدِ في بابِ الخَبَرِ والصِّفَةِ كَثِيرٌ، ودَعْوى أنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ عَرْوُ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةَ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ واقْتِرانُ هَذا بِهِ تَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّ الصِّفاتِ (p-222)إذا تَعَدَّدَتْ ولَمْ يُعْطَفْ أوَّلُها يَمْتَنِعُ العَطْفُ أوْ يُقَبَّحُ والواقِعُ خِلافُهُ، والأوْلى ما يُقالُ: إنَّ الدّاعِيَ أنَّ اللَّفْظَ والمَعْنى يَقْتَضِيانِهِ، أمّا المَعْنى فَلِأنَّ الإنْذارَ عُلَّةٌ لِإنْزالِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ ولَوْ عُطِفَ لَكانَ عَلى أوَّلِ الصِّفاتِ عَلى الرّاجِحِ في العَطْفِ عِنْدَ التَّعَدُّدِ؛ ولا يَحْسُنُ عَطْفُ التَّعْلِيلِ عَلى المُعَلَّلِ بِهِ ولا الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ فَإنَّهُ نَظِيرُ هَذا رَجُلٌ قامَ عِنْدِي ولِيَخْدِمَنِي وهو كَما تَرى، ومِنهُ يُعْلَمُ الدّاعِي اللَّفْظِيُّ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا أوْ مُقَدَّمًا أيْ ولِتُنْذِرَ أنْزَلْناهُ أوْ وأنْزَلْناهُ لِتُنْذِرَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِلْاهْتِمامِ أوْ لِلْحَصْرِ الإضافِيِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ أيْ لِتُبَشِّرَ ولِتُنْذِرَ وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، والمُرادُ بِها مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها قِبْلَةُ أهْلِ القُرى وحَجِّهِمْ وهم يَتَجَمَّعُونَ عِنْدَها تَجْمُّعَ الأوْلادِ عِنْدَ الأُمِّ المُشْفِقَةِ ويُعَظِّمُونَها أيْضًا تَعْظِيمَ الأُمِّ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ والجَبائِيِّ ولِأنَّها أعْظَمُ القُرى شَأْنًا فَغَيْرُها تَبَعٌ لَها كَما يَتْبَعُ الفَرْعُ الأصْلَ. وقِيلَ: لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها فَكَأنَّها خَرَجَتْ مِن تَحْتِها كَما تَخْرُجُ الأوْلادُ مِن تَحْتِ الأُمِّ أوْ لِأنَّها مَكانُ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (لِيُنْذِرَ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْكِتابِ لِأنَّهُ مُنْذِرٌ بِهِ ﴿ومَن حَوْلَها﴾ مِن أهْلِ المَدَرِ والوَبَرِ في المَشارِقِ والمَغارِبِ لِعُمُومِ بِعْثَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الصّادِعِ بِها القُرْآنُ في غَيْرِ آيَةٍ، واللَّفْظُ لا يَأْبى هَذا الحَمْلَ فَلا مُتَمَسَّكَ بِالآيَةِ لِطائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ زَعَمُوا أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرْسَلٌ لِلْعَرَبِ خاصَّةً، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: خَصَّ أُولَئِكَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أحَقُّ بِإنْذارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ولِذا أنْزَلَ كِتابَ كُلِّ رَسُولٍ بِلِسانِ قَوْمِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وبِما فِيها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ومَنِ اقْتَصَرَ عَلى الثّانِي في البَيانِ لاحَظَ سَبْقَ الإنْذارِ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ بِالكِتابِ، قِيلَ: أوْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهم يَرْهَبُونَ مِنَ العَذابِ ويَرْغَبُونَ في الثَّوابِ ولا يَزالُ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى النَّظَرِ والتَّأمُّلِ حَتّى يُؤْمِنُوا بِهِ ﴿وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾
92
- يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ مُطْلَقُ الطّاعَةِ مَجازًا أوِ اكْتَفى بِبَعْضِها الَّذِي هو عِمادُ الدِّينِ وعَلَمُ الإيمانِ ولِذا أطْلَقَ عَلى ذَلِكَ الإيمانَ مَجازًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾
{"ayah":"وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ مُبَارَكࣱ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِی بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡـَٔاخِرَةِ یُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ یُحَافِظُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











