الباحث القرآني
﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ أيْ يُنِيمُكم فِيهِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ والجَبائِيِّ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ اسْتُعِيرَ التَّوَفِّي مِنَ المَوْتِ لِلنَّوْمِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشارَكَةِ في زَوالِ إحْساسِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والتَّمْيِيزِ، قِيلَ: والباطِنَةِ أيْضًا، وأصْلُهُ قَبَضَ الشَّيْءَ بِتَمامِهِ، ويُقالُ: تَوَفَّيْتُ الشَّيْءَ واسْتَوْفَيْتُهُ بِمَعْنًى، ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ أيْ ما كَسَبْتُمْ وعَمِلْتُمْ فِيهِ مِنَ الإثْمِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ فَإنَّهُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّوْبِيخِ، ولِهَذا أُوثِرَ يَتَوَفّاكم عَلى يُنِيمُكم (p-174)ونَحْوِهِ، و ﴿جَرَحْتُمْ﴾ عَلى كَسَبْتُمُ ادِّخالًا لِلْمُخاطَبِينَ الكَفَرَةِ في جِنْسِ جَوارِحِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ الخِطابَ عامًّا، والمُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ الجِنْسُ المُتَحَقِّقُ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِما، إدْ بِالتَّوَفِّي والبَعْثِ المَوْجُودِينَ فِيهِما مُتَحَقِّقُ قَضاءِ الأجَلِ المُسَمّى المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِما، والباءُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى كَما أشَرْنا إلَيْهِ
والمُرادُ بِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ ذَلِكَ كَما قِيلَ: عِلْمُهُ قَبْلَ الجَرْحِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَقْدِيمُ ذِكْرِهِ عَلى البَعْثِ أيْ يَعْلَمُ ما تَجْرَحُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ وتَخْصِيصِ التَّوَفِّي بِاللَّيْلِ والجَرْحِ بِالنَّهارِ لِلْجَرْيِ عَلى السَّنَنِ المُعْتادِ وإلّا فَقَدَ يُعْكَسُ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ أيْ يُوقِظُكم في النَّهارِ وهَلْ هو حَقِيقَةٌ في هَذا المَعْنى أوْ مَجازٌ فِيهِ قَوْلانِ، والمُتَبادِرُ مِنهُ في عُرْفِ الشَّرْعِ إحْياءُ المَوْتى في الآخِرَةِ وجَعَلُوهُ تَرْشِيحًا لِلتَّوَفِّي وهو ظاهِرٌ جِدًّا عَلى المُتَبادِرِ في عُرْفِ الشَّرْعِ لِاخْتِصاصِهِ بِالمُشَبَّهِ بِهِ، ويُقالُ غَيْرُهُ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في التَّرْشِيحِ اخْتِصاصُهُ بِالمُشَبَّهِ بِهِ بَلْ أنْ يَكُونَ أخَصَّ بِهِ بِوَجْهٍ كَما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ
؎لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
والبَعْثُ في المَوْتى أقْوى لِأنَّ عَدَمَ الإحْساسِ فِيهِ كَذَلِكَ فَإزالَتُهُ أشُدُّ، وقَدْ صَرَّحُوا أيْضًا أنَّ التَّرْشِيحَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ تابِعًا لِلِاسْتِعارَةِ لا يُقْصَدُ بِهِ إلّا تَقْوِيَتُها
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعارًا مِن مُلائِمِ المُسْتَعارِ مِنهُ لِمُلائِمِ المُسْتَعارِ لَهُ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (يَتَوَفّاكُمْ) وتَوْسِيطُ (ويَعْلَمُ) إلَخْ بَيْنَهُما لِبَيانِ ما في بَعْثِكم مِن عَظِيمِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَكْسِبُونَهُ مِنَ الإثْمِ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا يَسْتَأْهِلُونَ بِهِ إبْقاءَهم عَلى التَّوَفِّي بَلْ إهْلاكَهم بِالمَرَّةِ يَفِيضُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ الحَياةَ ويُمْهِلُهم كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَلِمَةُ التَّراخِي كَأنَّهُ قِيلَ: هو الَّذِي يَتَوَفّاكم في جِنْسِ اللَّيالِي ثُمَّ يَبْعَثُكم في جِنْسِ الأنْهُرِ مَعَ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِما تَرْتَكِبُونَ فِيها ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ مُعَيَّنٌ لِكُلِّ فَرْدِ وهو أجَلُ بَقائِهِ في الدُّنْيا، وتَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ فَجَعَلَ ضَمِيرَ (فِيهِ) جارِيًا مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ عائِدًا عَلى مَضْمُونِ كَوْنِهِمْ مُتَوَفَّيْنَ وكاسِبِينَ و(فِي) بِمَعْنى لامِ العِلَّةِ كَما في قَوْلِكَ: فِيمَ دَعَوْتَنِي، والأجَلُ المُسَمّى هو الكَوْنُ في القُبُورِ أيْ ثُمَّ يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ ذَلِكَ الَّذِي قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكم مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ ومِن أجْلِهِ لِيُقْضى الأجَلُ الَّذِي سَمّاهُ سُبْحانَهُ وضَرَبَهُ لِبَعْثِ المَوْتى وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وما ذَكَرْناهُ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ والجَبائِيُّ وغالِبُ المُفَسِّرِينَ وهو عَرِيٌ عَنِ التَّكَلُّفِ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ
وزَعْمُ بَعْضِهِمْ أنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ دالٌّ عَلى حالِ اليَقَظَةِ وكَسْبِهِمْ فِيها، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) تَقْتَضِي تَأْخِيرَ البَعْثِ عَنْها فَلِهَذا عَدَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ما عَدَلَ إلَيْهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (ويَعْلَمُ) إلَخْ إشارَةٌ إلى ما كَسَبَ في النَّهارِ السّابِقِ عَلى ذَلِكَ اللَّيْلِ، والواوُ لِلْحالِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الإيقاظِ مِن هَذا التَّوَفِّي وأنَّ الإيقاظَ مُتَأخِّرٌ عَنِ التَّوَفِّي وأنَّ قَوْلَنا: يَفْعَلُ ذَلِكَ التَّوَفِّي لِتُقْضى مُدَّةُ الحَياةِ المُقَدَّرَةِ؛ كَلامٌ مُنْتَظِمٌ غايَةَ الِانْتِظامِ، ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا أيْضًا مَعَ أنَّ واوَ الحالِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا شُذُوذًا أوْ ضَرُورَةً في المَشْهُورِ، ووَجَّهُ سِنانُ التَّراخِيَ المُفادَ بِـ (ثُمَّ) بِأنَّ حَقِيقَةَ الإماتَةِ في اللَّيْلِ تَتَحَقَّقُ في أوَّلِهِ والإيقاظَ مُتَراخٍ عَنْهُ وإنْ لَمْ يَتَراخَ عَنْ جَماعَتِهِ
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا وجْهَ لِتَوْسِيطِ ﴿ويَعْلَمُ﴾ إلَخْ بَيْنَهُما وفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا ﴿ثُمَّ إلَيْهِ﴾ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ أصْلًا ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ رُجُوعُكم ومَصِيرُكم بِالمَوْتِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
60
- بِالمُجازاةِ (p-175)بِأعْمالِكُمُ الَّتِي كُنْتُمْ داوَمْتُمْ عَلى عَمَلِها في الدُّنْيا
{"ayah":"وَهُوَ ٱلَّذِی یَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّیۡلِ وَیَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ یَبۡعَثُكُمۡ فِیهِ لِیُقۡضَىٰۤ أَجَلࣱ مُّسَمࣰّىۖ ثُمَّ إِلَیۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ یُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











