الباحث القرآني
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةٌ إثْرَ تَسْلِيَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّ عُمُومَ البَلْوى رُبَّما يُهَوِّنُها بَعْضُ تَهْوِينٍ (p-137)وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ في الصَّبْرِ عَلى الأذى وعُدَّةٌ ضِمْنِيَّةٌ بِمِثْلِ ما مُنِحُوهُ مِنَ النَّصْرِ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ التَّسْلِيَةِ، وتَنْوِينُ رُسُلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِتَكْذِيبٍ، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (رُسُلٍ)، ورَدَّهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ الجَنَّةَ لا تُوصَفُ بِالزَّمانِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والمَعْنى تاللَّهِ لَقَدْ كُذِّبَتْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِكَ رُسُلٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ وعَدَدٍ كَثِيرٍ أوْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ كانُوا مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ ﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ وقَوْلُهُ: (وأُوذُوا) عَطْفٌ عَلى (كُذِّبُوا) داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ ومَصْدَرُ كُذِّبَ التَّكْذِيبُ، وآذى أذًى وأذاةً وأذِيَّةً كَما في القامُوسِ وإيذاءً كَما أثْبَتَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وقَوْلُ صاحِبِ القامُوسِ: ولا تَقُلْ إيذاءً خَطَأٌ والَّذِي غَرَّهُ تَرْكُ الجَوْهَرِيِّ وغَيْرِهِ لَهُ، وهو وسائِرُ أهْلِ اللُّغَةِ لا يَذْكُرُونَ المَصادِرَ القِياسِيَّةَ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى ذِكْرِها، والمَصْدَرانِ هُنا مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وهو ظاهِرٌ أيْ فَصَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِهِمْ لَهم وإيذائِهِمْ إيّاهم فَتَأسَّ بِهِمْ واصْبِرْ عَلى ما نالَكَ مِن قَوْمِكَ،والمُرادُ بِإيذائِهِمْ إمّا عَيْنُ تَكْذِيبِهِمْ أوْ ما يُقارِنُهُ مِن فُنُونِ الإيذاءِ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ ثِقَةً بِاسْتِلْزامِ التَّكْذِيبِ إيّاهُ غالِبًا، وفِيهِ تَأْكِيدُ لِلتَّسْلِيَةِ، وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى (كُذِّبَتْ) أوْ عَلى (صَبَرُوا)، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِئْنافًا ثُمَّ رَجَّحَ الأوَّلَ
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ غايَةٌ لِلصَّبْرِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى وعْدِ النَّصْرِ لِلصّابِرِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ غايَةً لِلْإيذاءِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى احْتِمالِ الِاسْتِئْنافِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلْإشارَةِ إلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ النَّصْرِ
﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن إتْيانِ نَصْرِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُمْ، والمُرادُ بِكَلِماتِهِ تَعالى -كَما قالَ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ- الآياتُ الَّتِي وعَدَ فِيها نَصْرَ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الدّالَّةُ عَلى نَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ كَلِماتِهِ سُبْحانَهُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْمَواعِيدِ الكَرِيمَةِ ويَدْخُلُ فِيها المَواعِيدُ الوارِدَةُ في حَقِّهِ ﷺ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ كَما قِيلَ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن مُوجِباتِ أنْ لا يُغالِبَهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ ولا يَقَعَ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ خُلْفٌ في قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ أحَدًا غَيْرَهُ تَعالى لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُبَدِّلَ كَلِماتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِمَعْنى أنْ يَفْعَلَ خِلافَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ويَحُولَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ وبَيْنَ تَحْقِيقِ ذَلِكَ وأمّا أنَّهُ تَعالى لا يُبَدِّلُ فَلا تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، والَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ أنَّهُ سُبْحانَهُ رُبَّما يُبَدِّلُ الوَعِيدَ ولا يُبَدِّلُ الوَعْدَ ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾
43
- تَقْرِيرٌ أيُّ تَقْرِيرٍ لِما مُنِحُوا مِنَ النَّصْرِ وتَأْكِيدٌ لِما أشْعَرَ بِهِ الكَلامُ مِنَ الوَعْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ تَقْرِيرٌ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيذائِهِمْ ونَصْرِهِمْ، والنَّبَأُ كالقَصَصِ لَفْظًا ومَعْنًى
وفِي القامُوسِ النَّبَأُ – مُحَرَّكَةٌ- الخَبَرُ جَمْعُهُ أنْباءٌ وقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ، وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِما لَهُ شَأْنٌ، وهو عِنْدَ الأخْفَشِ المُجَوِّزُ زِيادَةَ ”مِن“ في الإثْباتِ وقَبْلَ المَعْرِفَةِ مُخالِفًا في ذَلِكَ لِسِيبَوَيْهِ فاعِلُ (جاءَ)، وصَحَّحَ أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ هو أيِ النَّبَإ أوِ البَيانِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، وقِيلَ -وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الرُّمّانِيُّ- إنَّهُ مَحْذُوفٌ والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَتُهُ أيْ: ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ كائِنٌ مَن نَبَّإ المُرْسَلِينَ، وفِيهِ أنَّ الفاعِلَ لا يَجُوزُ (p-138)حَذْفُهُ هُنا، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أيْ ولَقَدْ جاءَكَ هَذا الخَبَرُ مِنَ التَّكْذِيبِ وما يَتْبَعُهُ
وقِيلَ -ورُبَّما يَشْعُرُ بِهِ كَلامُ الكَشّافِ-: إنَّ مِن هي الفاعِلُ، والمُرادُ بَعْضُ أنْبائِهِمْ.
{"ayah":"وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلࣱ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰۤ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَاۤءَكَ مِن نَّبَإِی۟ ٱلۡمُرۡسَلِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











