الباحث القرآني
﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالفِعْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ما يُفْعَلُ بِمالِهِ كَحِفْظِهِ وتَثْمِيرِهِ وقِيلَ: المُرادُ لا تَقْرَبُوا مالَهُ إلّا وأنْتُمْ مُتَّصِفُونَ بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ في مَصْلَحَتِهِ فَمَن لَمْ يَجِدْ نَفْسَهُ عَلى أحْسَنِ الخِصالِ يَنْبَغِي أنْ لا يَقْرَبَهُ وفِيهِ بُعْدٌ والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ فَإنَّهُ غايَةٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ لا لِلنَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: احْفَظُوهُ حَتّى يَبْلُغَ فَإذا بَلَغَ فَسَلِّمُوهُ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ والأشُدُّ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: هو مُفْرَدُ كَأنَّكَ ولَمْ يَأْتِ في المُفْرَداتِ عَلى هَذا الوَزْنِ غَيْرُهُما وقِيلَ: هو جَمْعُ شِدَّةٍ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ وقُدِّرَ فِيهِ زِيادَةُ الهاءِ لِكَثْرَةِ جَمْعِ فَعَلٍ عَلى أفْعُلٍ كَقَدَحٍ وأقْدُحٍ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ جَمْعُ شُدٍّ بِضَمِّ الشِّينِ كَوُدٍّ وأوُدٍّ وقِيلَ جَمْعُ شَدٍّ بِفَتْحِها وأيًّا ما كانَ فَهو مِنَ الشِّدَّةِ أيِ القُوَّةِ أوِ الِارْتِفاعِ مِن شَدَّ النَّهارُ إذا ارْتَفَعَ ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ.
؎عَهْدِي بِهِ شَدُّ النَّهارِ كَأنَّما خَضَّبَ البَنانَ ورَأْسَهُ بِالعَظْلَمِ
. والمُرادُ بِبُلُوغِ الأشُدِّ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ وجَماعَةٍ بُلُوغُ الحُلُمِ وقِيلَ: أنْ يَبْلُغَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَبْلُغَ ثَلاثِينَ إلّا أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في زَمَنِ دَفْعِ مالِ اليَتِيمِ إلَيْهِ وأشْبَعْنا الكَلامَ في تَحْقِيقِ الحَقِّ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿وأوْفُوا﴾ أيْ أتِمُّوا ﴿الكَيْلَ﴾ أيِ المَكِيلَ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ ﴿والمِيزانَ﴾ كَذَلِكَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ مَكِيلَ الكَيْلِ ومَوْزُونَ المِيزانِ ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿أوْفُوا﴾ أيْ مُقْسِطِينَ وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ تامًّا ولَعَلَّ الإتْيانَ بِهَذِهِ الحالِ لِلتَّأْكِيدِ.
وفِي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ فَإنْ قِيلَ: إيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ هو عَيْنُ القِسْطِ فَما الفائِدَةُ مِنَ التَّكْرِيرِ قُلْنا: أمْرُ اللَّهِ تَعالى المُعْطِي بِإيفاءِ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ وأمْرُ صاحِبِ الحَقِّ بِأخْذِ حَقِّهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ الزِّيادَةِ فَتَدَبَّرْ.
﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَعْسُرُ عَلَيْها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها عَقِيبَ الأمْرِ بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ بِالعَدْلِ لِلتَّرْخِيصِ فِيما خَرَجَ عَنِ الطّاقَةِ لِما أنَّ في مُراعاةِ ذَلِكَ كَما هو حَرَجًا مَعَ كَثْرَةِ (p-56)وُقُوعِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَلَيْكم بِما في وُسْعِكم في هَذا الأمْرِ وما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْكم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جِيءَ بِها لِتَهْوِينِ أمْرِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْلِيفاتِ لِيُقْبِلُوا عَلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: جَمِيعُ ما كَلَّفْناكم بِهِ مُمْكِنٌ غَيْرُ شاقٍّ ونَحْنُ لا نُكَلِّفُ ما لا يُطاقُ ﴿وإذا قُلْتُمْ﴾ قَوْلًا في حُكُومَةٍ أوْ شَهادَةٍ أوْ نَحْوِهِما ﴿فاعْدِلُوا﴾ فِيهِ وقُولُوا الحَقَّ ﴿ولَوْ كانَ﴾ المَقُولُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ ﴿ذا قُرْبى﴾ أيْ صاحِبَ قَرابَةٍ مِنكم ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ أيْ ما عَهِدَ إلَيْكم مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ أوْ أيِّ عَهْدٍ كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ مِن أيْمانِكم ونُذُورِكم والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ ما فُصِّلَ مِنَ التَّكالِيفِ الجَلِيلَةِ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أمَرَكم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ (152) ما في تَضاعِيفِهِ وتَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ( تَذَكَّرُونَ ) بِتَخْفِيفِ الذّالِ والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ في كُلِّ القُرْآنِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
وخُتِمَتِ الآيَةُ الأوْلى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وهَذِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ وقَتْلِ الأوْلادِ وقُرْبانِ الزِّنا وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ غَيْرَ مُسْتَنْكِفِينَ ولا عاقِلِينَ قُبْحَها فَنَهاهم سُبْحانَهُ لَعَلَّهم يَعْقِلُونَ قُبْحَها فَيَسْتَنْكِفُوا عَنْها ويَتْرُكُوها وأمّا حِفْظُ أمْوالِ اليَتامى عَلَيْهِمْ وإيفاءُ الكَيْلِ والعَدْلُ في القَوْلِ والوَفاءُ بِالعَهْدِ فَكانُوا يَفْعَلُونَهُ ويَفْتَخِرُونَ بِالِاتِّصافِ بِهِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لَعَلَّهم يَذْكُرُونَ إنْ عَرَضَ لَهم نِسْيانٌ قالَهُ القُطْبُ الرّازِيُّ: ثُمَّ قالَ فَإنْ قُلْتَ إحْسانُ الوالِدَيْنِ مِن قَبِيلِ الثّانِي أيْضًا فَكَيْفَ ذُكِرَ مِنَ الأوَّلِ قُلْتُ: أعْظَمُ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى ويَتْلُوها نِعْمَةُ الوالِدَيْنِ لِأنَّهُما المُؤَثِّرانِ في الظّاهِرِ ومِنهُما نِعْمَةُ التَّرْبِيَةِ والحِفْظِ عَنِ الهَلاكِ في وقْتِ الصِّغَرِ فَلَمّا نَهى عَنِ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى نَهى بَعْدَهُ عَنِ الكُفْرانِ في نِعْمَةِ الأبَوَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَرْتَكِبُوا الكُفْرانَ فَبِطَرِيقِ الأوْلى أنْ لا يَرْتَكِبُوا الكُفْرَ.
وقالَ الإمامُ: السَّبَبُ في خَتْمِ كُلِّ آيَةٍ بِما خُتِمَتْ أنَّ التَّكالِيفَ الخَمْسَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ الأُولى ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ فَوَجَبَ تَعَقُّلُها وتَفَهُّمُها والتَّكالِيفَ الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورٌ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ لا بُدَّ فِيها مِنَ الِاجْتِهادِ والفِكْرِ الكَثِيرِ حَتّى يَقِفَ عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِدالِ وهو التَّذَكُّرُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكْثَرَ التَّكْلِيفاتِ الأُوَلِ أُدِّيَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ وهو في مَعْنى المَنعِ والمَرْءُ حَرِيصٌ عَلى ما مُنِعَ فَناسَبَ أنْ يُعَلَّلَ الإيصاءُ بِذَلِكَ بِما فِيهِ إيماءٌ إلى مَعْنى المَنعِ والحَبْسِ وهَذا بِخِلافِ التَّكْلِيفاتِ الأُخَرِ فَإنَّ أكْثَرَها قَدْ أُدِّيَ بِصِيغَةِ الأمْرِ ولَيْسَ المَنعُ فِيهِ ظاهِرًا كَما في النَّهْيِ فَيَكُونُ تَأْكِيدُ الطَّلَبِ والمُبالَغَةُ فِيهِ لِيَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ ويَتَذَكَّرَ إذا نَسِيَ فَلْيُتَدَبَّرْ.
{"ayah":"وَلَا تَقۡرَبُوا۟ مَالَ ٱلۡیَتِیمِ إِلَّا بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ یَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُوا۟ ٱلۡكَیۡلَ وَٱلۡمِیزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُوا۟ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُوا۟ۚ ذَ ٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











