الباحث القرآني

﴿ومِنَ الإبِلِ﴾ زَوْجَيْنِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ الجَمَلِ والنّاقَةِ وهَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ والإبِلُ كَما قالَ الرّاغِبُ يَقَعُ في البُعْرانِ الكَثِيرَةِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ ويُجْمَعُ كَما في القامُوسِ عَلى آبالٍ والتَّصْغِيرُ أُبَيْلَةٌ. ﴿ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ هُما الثَّوْرُ وأُنْثاهُ ﴿قُلْ﴾ إفْحامًا لَهم في أمْرِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أيْضًا ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ اللَّهُ تَعالى مِنهُما ﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ والمَعْنى كَما قالَ كَثِيرٌ مِن أجِلَةِ العُلَماءِ إنْكارٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ وإظْهارُ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ وتَفْصِيلُ ما ذُكِرَ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ وما في بُطُونِها لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ عَلى كُلِّ مادَّةٍ مِن (p-42)مَوادِّ افْتِرائِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ ذُكُورَ الأنْعامِ تارَةً وإناثَها تارَةً وأوْلادَها كَيْفَما كانَتْ تارَةً أُخْرى مُسْنَدِينَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنَّما لَمْ يَلِ المُنَكَّرَ وهو التَّحْرِيمُ الهَمْزَةُ والجارِي في الِاسْتِعْمالِ أنَّ ما نُكِّرَ ولِيَها لِأنَّ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغَ. وبَيانُهُ عَلى ما قالَهُ الكِسائِيُّ أنَّ إثْباتَ التَّحْرِيمِ يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ مَحَلِّهِ لا مَحالَةَ فَإذا انْتَفى مَحَلُّهُ وهو المَوارِدُ الثَّلاثَةُ لَزِمَ انْتِفاءُ التَّحْرِيمِ عَلى وجْهٍ بُرْهانِيٍّ كَأنَّهُ وُضِعَ الكَلامُ مَوْضِعَ مَن سَلَّمَ أنَّ ذَلِكَ قَدْ كانَ ثُمَّ طالَبَهُ بِبَيانِ مَحَلٍّ كَيْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ ويَفْتَضِحَ عِنْدَ المُحاقَّةِ وإنَّما يُورِدُ سُبْحانَهُ الأمْرَ عَقِيبَ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ بِأنْ يُقالَ: قُلْ آلذُّكُورَ حَرَّمَ أمِ الإناثَ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الإناثِ لِما في التَّكْرِيرِ مِنَ المُبالَغَةِ أيْضًا في الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ. ونَقَلَ الإمامُ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ بَعْضَ الأنْعامِ فاحْتَجَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى إبْطالِ ذَلِكَ بِأنَّ لِلضَّأْنِ والمَعْزِ والإبِلِ والبَقَرِ ذَكَرًا وأُنْثى فَإنْ كانَ قَدْ حَرَّمَ سُبْحانَهُ مِنها الذَّكَرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ذُكُورِها حَرامًا وإنْ كانَ حَرَّمَ جَلَّ شَأْنُهُ الأُنْثى وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ إناثِها حَرامًا وإنْ كانَ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الإناثِ وجَبَ تَحْرِيمُ الأوْلادِ كُلِّها لِأنَّ الأرْحامَ تَشْتَمِلُ عَلى الذَّكَرِ والإناثِ. وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ هَذِهِ الأجْناسَ الأرْبَعَةَ مَحْصُورَةٌ في الذُّكُورِ والإناثِ إلّا أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ تَكُونَ عِلَّةَ تَحْرِيمِ ما حَكَمُوا بِتَحْرِيمِهِ مَحْصُورَةً في الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ بَلْ عِلَّةُ تَحْرِيمِها كَوْنُها بَحِيرَةً أوْ سائِبَةً أوْ وصِيلَةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِباراتِ كَما إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ ذَبْحَ بَعْضِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ الأكْلِ فَإذا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحَيَوانَ إنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ ذَكَرًا وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ وإنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ أُنْثى وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ أُنْثى ولَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا الكَلامُ لازِمًا عَلَيْهِ فَكَذا هو الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ثُمَّ ذَكَرَ في الآيَةِ وجْهَيْنِ مِن عِنْدِهِ وفِيما ذَكَرْنا غَنًى عَنْ نَقْلِهِما. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ مِنَ الِاثْنَيْنِ في الضَّأْنِ والمَعْزِ والبَقَرِ الأهْلِيِّ والوَحْشِيِّ وفي الإبِلِ العَرَبِيِّ والبُخْتِيِّ وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ وما رُوِيَ عَنْ لَيْثِ بْنِ سُلَيْمٍ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ: إنَّهُ المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذِبٌ لا أصْلَ لَهُ وهو شَنْشَنَةٌ أعْرِفُها مِن أخْزَمَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْإفْحامِ والتَّبْكِيتِ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ والمُرادُ بَلْ أكُنْتُمْ حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أمَرَكم وألْزَمَكم ﴿بِهَذا﴾ التَّحْرِيمِ إذِ العِلْمُ بِذَلِكَ إمّا بِأنْ يَبْعَثَ سُبْحانَهُ رَسُولًا يُخْبِرُكم بِهِ وإمّا بِأنَّ تُشاهِدُوا اللَّهَ تَعالى وتَسْمَعُوا كَلامَهُ جَلَّ شَأْنُهُ فِيهِ والأوَّلُ مُنافٍ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ لِأنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِرَسُولٍ فَيَتَعَيَّنُ المُشاهَدَةُ والسَّماعُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم وذَلِكَ مُحالٌ فَفي هَذا ما لا يَخْفى مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَنُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ تَحْرِيمُ ما لَمْ يُحَرِّمْ والمُرادُ بِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَمْرُو بْنُ لِحَيِّ بْنِ قَمِئَةَ الَّذِي بَحَّرَ البَحائِرَ وسَيَّبَ السَّوائِبَ وتَعَمَّدَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: كُبَراؤُهُمُ المُقَرِّرُونَ لِذَلِكَ وقِيلَ: الكُلُّ لِاشْتِراكِهِمْ في الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والمُرادُ فَأيُّ فَرِيقٍ أظْلَمُ مِمَّنْ .. إلَخْ. واعْتُرِضَ بِأنَّ قَيْدَ التَّعَمُّدِ مُعْتَبَرٌ في مَعْنى الِافْتِراءِ ومَن تابَعَ عَمْرًا مِنَ الكُبَراءِ يُحْتَمَلُ أنَّهُ أخْطَأ في تَقْلِيدِهِ فَلا يَكُونُ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ فَلا يَنْبَغِي تَفْسِيرُ المَوْصُولِ بِهِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ (p-43)ما بَعْدُ عَلى ما سَبَقَ مِن تَبْكِيتِهِمْ وإظْهارُ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ ونَصَبَ ﴿كَذِبًا﴾ قِيلَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ وجَعَلَهُ حالًا أيْ كَذِبًا جَوَّزَهُ بَعْضُ كُمَّلِ المُتَأخِّرِينَ وهو بَعِيدٌ لا خَطَأٌ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ. ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِافْتِراءِ بِغَيْرِ عِلْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( افْتَرى ) أيِ افْتَرى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ جاهِلًا بِصُدُورِ التَّحْرِيمِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ وإنَّما وُصِفَ بِعَدَمِ العِلْمِ مَعَ أنَّ المُفْتَرِيَ عالِمٌ بِعَدَمِ الصُّدُورِ إيذانًا بِخُرُوجِهِ في الظُّلْمِ عَنِ الحُدُودِ والنِّهاياتِ فَإنَّ مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهُ جَلَّ جَلالُهُ مَعَ احْتِمالِ صُدُورِهِ إذا كانَ في تِلْكَ الغايَةِ مِنَ الظُّلْمِ فَما الظَّنُّ بِمَنِ افْتَرى وهو يَعْلَمُ عَدَمَ الصُّدُورِ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن فاعِلِ ( يَضِلُّ ) عَلى مَعْنى مُتَلَبِّسًا بِغَيْرِ عِلْمٍ بِما يُؤَدِّي بِهِ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ أنَّهُ عَمِلَ عَمَلَ القاصِدِ إضْلالَ النّاسِ مِن أجْلِ دُعائِهِمُ إلى ما فِيهِ الضَّلالُ وإنْ لَمْ يَقْصِدِ الإضْلالَ وكانَ جاهِلًا بِذَلِكَ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ وهو ظاهِرٌ في أنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ ولَهُ وجْهٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ ( النّاسِ ) وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ وأبْلَغُ في الذَّمِّ واسْتَدَلَّ القاضِي بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإضْلالَ عَنِ الدِّينِ مَذْمُومٌ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا ذَمَّ الإضْلالَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلّا تَحْرِيمُ المُباحِ فالَّذِي هو أعْظَمُ مِنهُ أوْلى بِالذَّمِّ وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما كانَ مَذْمُومًا مِنَ الخَلْقِ كانَ مَذْمُومًا مِنَ الخالِقِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (144) إلى طَرِيقِ الحَقِّ وقِيلَ: إلى دارِ الثَّوابِ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العِقابَ واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ القاضِي بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ عَلى أُصُولِنا أيْضًا وقِيلَ: إلى ما فِيهِ صَلاحُهم عاجِلًا وآجِلًا وهو أتَمُّ فائِدَةً وأنْسَبُ بِحَذْفِ المَعْمُولِ ونَفْيُ الهِدايَةِ عَنِ الظّالِمِ يَسْتَدْعِي نَفْيَها عَنِ الأظْلَمِ مِن بابِ أوْلى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب