الباحث القرآني
ثُمَّ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذِهِ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِهِ وبَّخَ مَن أشْرَكَ بِهِ سُبْحانَهُ ورَدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وجَعَلُوا﴾ في اعْتِقادِهِمْ ﴿لِلَّهِ﴾ الَّذِي شَأْنُهُ ما فَصَّلَ في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ ﴿شُرَكاءَ﴾ في الأُلُوهِيَّةِ أوِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿الجِنَّ﴾ أيِ (p-241)المَلائِكَةِ حَيْثُ عَبَدُوهم وقالُوا: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَسْمِيَتُهم جِنًّا مَجازًا لِاجْتِنانِهِمْ واسْتِتارِهِمْ عَنِ الأعْيُنِ كالجِنِّ. وفي التَّعْبِيرِ عَنْهم بِذَلِكَ حَطٌّ لِشَأْنِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ
ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ الجِنَّ تَشْمَلُ المَلائِكَةَ حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الشَّياطِينُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. ومَعْنى جَعْلُهم شُرَكاءَ أنَّهم أطاعُوهم كَما يُطاعُ اللَّهُ تَعالى أوْ عَبَدُوا الأوْثانَ بِتَسْوِيلِهِمْ وتَحْرِيضِهِمْ. ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ والحَيْوانِ، وإبْلِيسَ خالِقُ السِّباعِ والحَيّاتِ والعَقارِبِ والشُّرُورِ. فالمُرادُ مِنَ الجِنِّ إبْلِيسُ وأتْباعُهُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الشُّرُورَ ويُلْقُونَ الوَساوِسَ الخَبِيثَةَ إلى الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وهَؤُلاءِ المَجُوسُ القائِلُونَ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ ولَهم في هَذا البابِ أقْوالٌ تَمُجُّها الأسْماعُ وتَشْمَئِزُّ عَنْها النُّفُوسُ
وادَّعى الإمامُ أنَّ هَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ. ومَفْعُولا (جَعَلَ) قِيلَ: (لِلَّهِ. وشُرَكاءَ) و(الجِنَّ) إمّا مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن جَعَلُوهُ شُرَكاءَ؟ فَقِيلَ: الجِنَّ أوْ مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن شُرَكاءَ، والمُبْدَلُ مِنهُ لَيْسَ في حُكْمِ السّاقِطِ بِالكُلِّيَّةِ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِأنَّهُ مُحْزِ الإنْكارِ ولِأنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ مُنْكَرٌ يَسْتَحِقُّ التَّأْخِيرَ، وقِيلَ: هُما (شُرَكاءَ) و(الجِنَّ) وتَقْدِيمُ ثانِيهِما عَلى الأوَّلِ لِاسْتِعْظامِ أنْ يُتَّخَذَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ شَرِيكٌ ما كائِنًا ما كانَ و(لِلَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شُرَكاءَ) وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ أيْضًا عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ
وقُرِئَ (الجِنُّ) بِالرَّفْعِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هُمْ؟ فَقِيلَ: الجِنُّ، وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ الَّتِي هي لِلتَّبْيِينِ: ﴿وخَلَقَهُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (جَعَلُوا) بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ مُؤَكِّدَةٌ لِما في جَعْلِهِمْ ذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ والبُطْلانِ بِاعْتِبارِ عِلْمِهِمْ بِمَضْمُونِها أيْ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُهم خاصَّةً، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجِنِّ أيْ والحالُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجِنَّ؛ فَكَيْفَ يَجْعَلُونَ مَخْلُوقَهُ شَرِيكًا لَهُ. ورُجِّحَ الأوَّلُ بِخُلُوِّهِ عَنْ تَشَتُّتِ الضَّمائِرِ. ورَجَّحَ الإمامُ الثّانِيَ بِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ واجِبٌ وبِأنَّهُ إذا رَجَعَ الضَّمِيرُ إلى هَذا الأقْرَبِ صارَ اللَّفْظُ الواحِدُ دَلِيلًا قاطِعًا تامًّا كامِلًا في إبْطالِ المَذْهَبِ الباطِلِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ (وخَلْقَهُمْ) عَلى صِيغَةِ المَصْدَرِ عَطْفًا عَلى (الجِنَّ) أيْ وما يَخْلُقُونَهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ عَلى (شُرَكاءَ) أيْ وجَعَلُوا لَهُ اخْتِلافَهم لِلْقَبائِحِ حَيْثُ نَسَبُوها إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقالُوا: اللَّهُ أمَرَنا بِها ﴿وخَرَقُوا لَهُ﴾ أيِ افْتَعَلُوا وافْتَرَوْا لَهُ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: خَلَقَ الإفْكَ واخْتَلَقَهُ وخَرَقَهُ واخْتَرَقَهُ بِمَعْنًى. ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها كانَ الرَّجُلُ إذا كَذَبَ كِذْبَةً في نادِي القَوْمِ يَقُولُ لَهُ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَقَها واللَّهِ. وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُ الخَرْقِ قَطْعُ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الفَسادِ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ ولا تَدَبُّرٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ وهو ضِدُّ الخَلْقِ فَإنَّهُ فِعْلُ الشَّيْءِ بِتَقْدِيرٍ ورِفْقٍ، والخَرْقُ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ. قالَ تَعالى: ﴿وخَرَقُوا لَهُ﴾ أيْ حَكَمُوا بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الخَرْقِ وبِاعْتِبارِ القَطْعِ. وقَرَأ نافِعٌ (وخَرَّقُوا) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ لِلتَّكْثِيرِ. وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم (وحَرَّفُوا) مِنَ التَّحْرِيفِ أيْ وزَوَّرُوا لَهُ (بَنِينَ وبَناتٍ) فَقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ العَرَبُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَمّا قالُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِحَقِيقَتِهِ مِن خَطَإٍ أوْ صَوابٍ (p-242)ولا فِكْرٍ ولا رَوِيَّةٍ فِيهِ بَلْ قالُوهُ عَنْ عَمًى وجَهالَةٍ أوْ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بِمَرْتَبَةِ ما قالُوهُ وأنَّهُ مِنَ الشَّناعَةِ بِالمَحَلِّ البَعِيدِ
وأيّا ما كانَ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الواوِ أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ أيْ خَرَقُوا مُلْتَبِسِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ أوْ خَرْقًا كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ والمَقْصُودُ عَلى الوَجْهَيْنِ ذَمُّهم بِالجَهْلِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ ما قالُوا فَإنَّ ما لا أصْلَ لَهُ لا يَكُونُ مَعْلُومًا ولا يُقامُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ إذْ نَفِيُهُ مَعْلُومٌ مِن جَعْلِهِ اخْتِلاقًا وافْتِراءً ومِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾
100
- مِن أنَّ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ شَرِيكًا أوْ ولَدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في (سُبْحانَ) وما يُفِيدُهُ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّنْزِيهِ و(تَعالى) عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ النّاصِبِ لِـ (سُبْحانَ)
وفَرَّقَ الإمامُ بَيْنَ التَّسْبِيحِ والتَّعالِي بِأنَّ الأوَّلَ راجِعٌ إلى أقْوالِ المُسَبِّحِينَ والثّانِي إلى صِفاتِهِ تَعالى الذّاتِيَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ لا لِغَيْرِهِ. والمُرادُ بِالبَنِينَ فِيما تَقَدَّمَ ما فَوْقَ الواحِدِ أوْ أنَّ مَن يُجَوِّزُ الواحِدَ يَجَوِّزُ الجَمْعَ
{"ayah":"وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَاۤءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِینَ وَبَنَـٰتِۭ بِغَیۡرِ عِلۡمࣲۚ سُبۡحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا یَصِفُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











