الباحث القرآني

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ أيْ إذا أرَدْتُمُ المُناجاةَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأمْرٍ ما مِنَ الأُمُورِ ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ أيْ فَتَصَدَّقُوا قَبْلَها، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن لَهُ يَدانِ أوْ مُكَنِّيَةٌ بِتَشْبِيهِ النَّجْوى بِالإنْسانِ، وإثْباتُ اليَدَيْنِ تَخْيِيلٌ، وفي ”بَيْنَ“ تَرْشِيحٌ عَلى ما قِيلَ، ومَعْناهُقَبْلُ، وفي هَذا الأمْرِ تَعْظِيمُ الرَّسُولِ ﷺ ونَفْعٌ لِلْفُقَراءِ وتَمْيِيزٌ بَيْنَ المُخْلِصِ والمُنافِقِ ومُحِبِّالآخِرَةِ ومُحِبِّ الدُّنْيا ودَفْعٌ لِلتَّكاثُرِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ مُهِمَّةٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَثُرَتْ مُناجاتُهم لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غَيْرِ حاجَةٍ إلّا لِتَظْهَرَ مَنزِلَتُهم وكانَ ﷺ سَمْحًا لا يَرُدُّ أحَدًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الأغْنِياءَ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيُكْثِرُونَ مُناجاتَهُ ويَغْلِبُونَ الفُقَراءَ عَلى المَجالِسِ حَتّى كَرِهَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ طُولَ جُلُوسِهِمْ ومُناجاتِهِمْ فَنَزَلَتْ، واخْتُلِفَ في أنَّ الأمْرَ لِلنَّدْبِ أوْ لِلْجَوابِ لَكِنَّهُ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ إلَخْ، وهو وإنْ كانَ مُتَّصِلًا بِهِ تِلاوَةً لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ نُزُولًا، وقِيلَ: نُسِخَ بِآيَةِ (p-31) الزَّكاةِ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ، ولَمْ يُعَيَّنْ مِقْدارُ الصَّدَقَةِ لِيَجْزِيَ الكَثِيرُ والقَلِيلُ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وجَماعَةٌ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ﴾ إلَخْ قالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «ما تَرى في دِينارٍ ؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: نِصْفِ دِينارٍ ؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: فَكَمْ ؟ قُلْتُ: شَعِيرَةٌ، قالَ: فَإنَّكَ لَزَهِيدٌ» فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ الآيَةَ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ»» ولَمْ يَعْمَلْ بِها عَلى المَشْهُورِ غَيْرُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهم عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لَآيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي آيَةُ النَّجْوى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ إلَخْ كانَ عِنْدِي دِينارٌ فَبِعْتُهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ فَكُنْتُ كُلَّما ناجَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمْتُ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوايَ دِرْهَمًا ثُمَّ نُسِخَتْ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها أحَدٌ، فَنَزَلَتْ ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ الآيَةَ، قِيلَ: وهَذا عَلى القَوْلِ بِالوُجُوبِ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِلْأغْنِياءِ مُناجاةٌ في مُدَّةِ بَقاءِ الحُكْمِ، واخْتُلِفَ في مُدَّةِ بَقائِهِ، فَعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها عَشَرَةُ لَيالٍ، وقالَ قَتادَةُ: ساعَةٌ مِن نَهارٍ، وقِيلَ: إنَّهُ نُسِخَ قَبْلَ العَمَلِ بِهِ ولا يَصِحُّ لِما صَحَّ آنِفًا. وقُرِئَ - صَدَقاتٍ - بِالجَمْعِ لِجَمْعِ المُخاطَبِينَ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ تَقْدِيمُ الصَّدَقاتِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الثَّوابِ ﴿وأطْهَرُ﴾ وأزْكى لِأنْفُسِكم لِما فِيهِ مِن تَعْوِيدِها عَلى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِالمالِ وإضْعافِ عَلاقَةِ حُبِّهِ المُدَنِّسِ لَها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ في ذَلِكَ إعْدادالنَّفْسِ لِمَزِيدِ الِاسْتِفاضَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ المُناجاةِ. وفِي الكَلامِ إشْعارٌ بِنَدْبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنْ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لِمَن لَمْ يَجِدْ حَيْثُ رَخَّصَ سُبْحانَهُ لَهُ في المُناجاةِ بِلا تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ أظْهَرُ إشْعارًا بِالوُجُوبِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب