الباحث القرآني
ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ عَنِ التَّناجِي والسِّرارِ عَلِمَ مِنهُ الجُلُوسُ مَعَ المَلَأِ فَذَكَرَ جَلَّ وعَلا آدابَهُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾ إلَخْ ولَمّا نَهى عَزَّ وجَلَّ عَمّا هو سَبَبٌ لِلتَّباغُضِ والتَّنافُرِ أمَرَ سُبْحانَهُ بِما هو سَبَبٌ لِلتَّوادِّ والتَّوافُقِ أيْ إذا قالَ لَكم قائِلٌ كائِنًا مَن كانَ: تَوَسَّعُوا فَلْيُفْسِحْ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ في المَجالِسِ ولا تَتَضامُّوا فِيها، مِن قَوْلِهِمُ: افْسَحْ عَنِّي أيْ تَنَحَّ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿فِي المَجالِسِ﴾ بِتَفَسَّحُوا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ - بِقِيلَ. .
وقَرَأ الحَسَنُ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ وقَتادَةُ وعِيسى - تَفاسَحُوا - وقَرَأ الأخِيرانِ وعاصِمٌ في المَجالِسِ، والجُمْهُورُ في -المَجْلِسِ - بِالإفْرادِ، فَقِيلَ: عَلى إرادَةِ الجِنْسِ لِقِراءَةِ الجَمْعِ، وقِيلَ: عَلى إرادَةِ العَهْدِ، والمُرادُ بِهِ (p-28)
مَجْلِسُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجَمْعُ لِتَعَدُّدِهِ بِاعْتِبارِ مَن يَجْلِسُ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ لِكُلٍّ أجِدُ مِنهم مَجْلِسًا، وفي أخْبارِ سَبَبِ النُّزُولِ ما يُؤَيِّدُ كُلًّا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ««كانَ ﷺ يَوْمَ جُمُعَةٍ في الصُّفَّةِ وفي المَكانِ ضِيقٌ وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُكْرِمُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَجاءَ ناسٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ مِنهم ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ وقَدْ سَبَقُوا إلى المَجالِسِ فَقامُوا حِيالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ سَلَّمُوا عَلى القَوْمِ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ فَقامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُوَسَّعَ لَهم فَلَمْ يُفْسِحُوا لَهم فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِبَعْضِ مَن حَوْلَهُ: قُمْ يا فُلانُ ويا فُلانُ فَأقامَ نَفَرًا مِقْدارَ مَن قَدِمَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وعُرِفَتْ كَراهِيَتُهُ في وُجُوهِهِمْ، وقالَ المُنافِقُونَ: ما عَدَلَ بِإقامَةِ مَن أخَذَ مَجْلِسَهُ وأحَبَّ قُرْبَهُ لِمَن تَأخَّرَ عَنِ الحُضُورِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾»» إلَخْ، وكانَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يُفْسِحْ تَنافُسًا في القُرْبِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَغْبَةً فِيهِ ولا تَكادُ نَفْسٌ تُؤْثِرُ غَيْرَها بِذَلِكَ.
وقالَ الحَسَنُ ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: كانَ الصَّحابَةُ يَتَشاحُّونَ في مَجالِسِ القِتالِ إذا اصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ فَلا يُوَسِّعُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ رَغْبَةً في الشَّهادَةِ فَنَزَلَتْ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ لِما كانَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ التَّضامِّ في مَجْلِسِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والضِّنَةِ بِالقُرْبِ مِنهُ وتَرْكِ التَّفَسُّحِ لِمُقْبِلٍ وأيًّا ما كانَ فالحُكْمُ مُطَّرِدٌ في مَجْلِسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَصافِّ القِتالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقُرِئَ في -المَجْلَسِ - بِفَتْحِ اللّامِ، فَإمّا أنْ يُرادَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالمَكْسُورِ والفَتْحُ شاذٌّ في الِاسْتِعْمالِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ - بِتَفَسَّحُوا - أيْ إذا قِيلَ لَكم تَوَسَّعُوا في جُلُوسِكم ولا تَضايَقُوا فِيهِ ﴿فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ في رَحْمَتِهِ أوْ في مَنازِلِكم في الجَنَّةِ أوْ في قُبُورِكم أوْ في صُدُورِكم أوْ في رِزْقِكم أقْوالٌ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ يُفْسِحُ سُبْحانَهُ لَكم في كُلِّ ما تُرِيدُونَ الفَسْحَ فِيهِ أيْ مِمّا ذُكِرَ وغَيْرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الفَسْحَ يَخْتَلِفُ المُرادُ مِنهُ بِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقاتِهِ كالمَنازِلِ والرِّزْقِ والصَّدْرِ فَلا تَغْفُلْ ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ أيِ انْهَضُوا لِلتَّوْسِعَةِ عَلى المُقْبِلِينَ ﴿فانْشُزُوا﴾ فانْهَضُوا ولا تَتَثَبَّطُوا، وأصْلُهُ مِنَ النَّشْزِ وهو المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ فَإنَّ مُرِيدَ التَّوْسِعَةِ عَلى المُقْبِلِ يَرْتَفِعُ إلى فَوْقٍ فَيَتَّسِعُ المَوْضِعُ، أوْ لِأنَّ النُّهُوضَ نَفْسَهُ ارْتِفاعٌ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: المَعْنى إذا دُعِيتُمْ إلى قِتالٍ أوْ صَلاةٍ أوْ طاعَةٍ فَأجِيبُوا، وقِيلَ: إذا دُعِيتُمْ إلى القِيامِ عَنْ مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُومُوا، وهَذا لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُؤْثِرُ أحْيانًا الِانْفِرادَ في أمْرِ الإسْلامِ أوْ لِأداءِ وظائِفَ تَخُصُّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا تَتَأتّى أوْ لا تَكْمُلُ بِدُونِ الِانْفِرادِ، وعَمَّمَ الحُكْمَ فَقِيلَ: إذا قالَ صاحِبُ مَجْلِسٍ لِمَن في مَجْلِسِهِ: قُومُوا يَنْبَغِي أنْ يُجابَ، وفَعَلَ ذَلِكَ لِحاجَةٍ إذا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ أعْظَمُ مِنها مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ، نَعَمْ لا يَنْبَغِي لِقادِمٍ أنْ يُقِيمَ أحَدًا لِيَجْلِسَ في مَجْلِسِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مَجْلِسِهِ ولَكِنْ تَفَسَّحُوا وتَوَسَّعُوا»» .
وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وجَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ -انْشِزُوا فانْشِزُوا - بِكَسْرِ الشِّينِ مِنهُما.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ تَنْشُزُوا يَرْفَعُ عَزَّ وجَلَّ المُؤْمِنِينَ مِنكم في الآخِرَةِ (p-29)
جَزاءً لِلِامْتِثالِ ﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ الشَّرْعِيَّ ﴿دَرَجاتٍ﴾ أيْ كَثِيرَةً جَلِيلَةً كَما يُشْعِرُ بِهِ المَقامُ، وعَطْفُ -الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ - عَلى ”الَّذِينَ آمَنُوا“ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ تَعْظِيمًا لَهم ”بِعَدِّهِمْ“ كَأنَّهم جِنْسٌ آخَرُ، ولِذا أُعِيدَ المَوْصُولُ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ والدّارِمِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا ««فَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ»» .
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن جاءَهُ المَوْتُ وهو يَطْلُبُ العِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإسْلامَ فَبَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ»» وعَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««بَيْنَ العالِمِ والعابِدِ مِائَةُ دَرَجَةٍ بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حَضَرَ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً»» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الأنْبِياءُ ثُمَّ العُلَماءُ ثُمَّ الشُّهَداءُ»»، فَأعْظِمْ بِمَرْتَبَةٍ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ بِشَهادَةِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «خُيِّرَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ العِلْمِ والمُلْكِ والمالِ فاخْتارَ العِلْمَ فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى المُلْكَ والمالَ تَبَعًا لَهُ» .
وعَنِ الأحْنَفِ «كادَ العُلَماءُ يَكُونُونَ أرْبابًا» وكُلُّ عِزٍّ لَمْ يُوَطَّدْ بِعِلْمٍ فَإلى ذُلٍّ ما يَصِيرُ، وعَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ: لَيْتَ شِعْرِي أيُّ شَيْءٍ أدْرَكَ مَن فاتَهُ العِلْمُ ؟ وأيُّ شَيْءٍ فاتَهُ مَن أدْرَكَ العِلْمَ ؟ والدّالُّ عَلى فَضْلِ العِلْمِ والعُلَماءِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وأرْجى حَدِيثٍ عِنْدِي في فَضْلِهِمْ ما رَواهُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ في مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يَجْمَعُ اللَّهُ العُلَماءَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: إنِّي لَمْ أجْعَلْ حِكْمَتِي في قُلُوبِكم إلّا وأنا أُرِيدُ بِكُمُ الخَيْرَ اذْهَبُوا إلى الجَنَّةِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم عَلى ما كانَ مِنكم»» .
وذَكَرَ العارِفُ إلْياسُ الكُورانِيُّ أنَّهُ أحَدُ الأحادِيثِ المُسَلْسَلَةِ بِالأوَّلِيَّةِ، ودَلالَةُ الآيَةِ عَلى فَضْلِهِمْ ظاهِرَةٌ بَلْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ما خَصَّ اللَّهُ تَعالى العُلَماءَ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ ما خَصَّهم في هَذِهِ الآيَةِ - فَضَّلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وأُوتُوا العِلْمَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ بِدَرَجاتٍ - وجَعَلَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلَيْهِ لِلتَّغايُرِ بِالذّاتِ بِحَمْلِ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا افْهَمُوا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ولْتُرَغِّبْكم في العِلْمِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ المُؤْمِنَ العالِمَ فَوْقَ الَّذِي لا يَعْلَمُ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ في كَلامِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إشارَةً إلى أنَّ -الَّذِينَ أُوتُوا - مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والعَطْفَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ أيْ ويَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ خاصَّةً دَرَجاتٍ، ونَحْوُهُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يُرْفَعُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ دَرَجاتٍ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ العامِلِ، والمَعْنى عَلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، واخْتارَ الطَّيِّبِيُّ التَّقْدِيرَ وجَعَلَ الدَّرَجاتِ مَعْمُولًا لِذَلِكَ المُقَدَّرِ، وقالَ: يُضْمَرُ لِلْمَذْكُورِ أحَطُّ مِنهُ مِمّا يُناسِبُ المَقامَ نَحْوَ أنْ يُقالَ: يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الذِّكْرِ أوْ يَرْفَعُهم في الآخِرَةِ بِالإيواءِ إلى ما يَلِيقُ بِهِمْ مِن غُرَفِ الجَنّاتِ، ويَرْفَعُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ تَعْظِيمًا لَهم، وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ بِالمَوْصُولَيْنِ واحِدًا والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ بِمَنزِلَةِ تَغايُرِ الذّاتِ، فالمَعْنى يَرْفَعُ اللَّهَ المُؤْمِنِينَ العالِمِينَ دَرَجاتٍ، وكَوْنُ العَطْفِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ هو الأظْهَرُ، وفي الِانْتِصافِ في الجَزاءِ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ مُناسِبَةٌ لِلْعَمَلِ المَأْمُورِ بِهِ وهو التَّفْسِيحُ في المَجالِسِ وتَرْكُ ما تَنافَسُوا فِيهِ مِنَ الجُلُوسِ في أرْفَعِها وأقْرَبِها مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَمّا كانَ المُمْتَثِلُ لِذَلِكَ (p-30)
يَخْفِضُ نَفْسَهُ عَمّا يُتَنافَسُ فِيهِ مِنَ الرِّفْعَةِ امْتِثالًا وتَواضُعًا جُوزِيَ عَلى تَواضُعِهِ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ كَقَوْلِهِ: مَن تَواضَعَ لِلَّهِ تَعالى رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ لَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ أهْلَ العِلْمِ بِحَيْثُ يَسْتَوْجِبُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعِنْدَ النّاسِ ارْتِفاعَ مَجالِسِهِمْ خَصَّهم بِالذِّكْرِ عِنْدَ الجَزاءِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ ما لَهم مِنَ الرَّفْعَةِ في المَجْلِسِ تَواضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى خَصَّ أهْلَ العِلْمِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ ما عُرِفُوا بِالحِرْصِ عَلَيْهِ مِن رِفْعَةِ المَجالِسِ وحُبِّهِمْ لِلتَّصْدِيرِ، وهَذا مِن مُغَيَّباتِ القُرْآنِ لِما ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ في سائِرِ الأعْصارِ مِنَ التَّنافُسِ في ذَلِكَ.
والخَفاجِيُّ أدْرَجَ هَذا في نَقْلِ كَلامِ صاحِبِ الِانْتِصافِ وكَلامُهُ عَلى ما سَمِعْتَهُ أوْفَقُ بِالأدَبِ مَعَ أهْلِ العِلْمِ، ولا أظُنُّ - بِالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ -المَذْكُورِينَ في الآيَةِ أنَّهم كالعُلَماءِ الَّذِينَ عَرَّضَ بِهِمُ الخَفاجِيُّ، نَعَمْ إنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ صادِقٌ فِيما قالَ بِالنِّسْبَةِ إلى كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ آخِرِ الزَّمانِ كَعُلَماءِ زَمانِهِ وكَعُلَماءِ زَمانِنا - لَكِنْ كَثِيرٌ مِن هَؤُلاءِ - إطْلاقُ اسْمِ العالِمِ عَلى أحَدِهِمْ مَجازٌ لا تُعْرَفُ عَلاقَتُهُ، ومَعَ ذَلِكَ قَدِ امْتَلَأ قَلْبُهُ مِن حُبِّ الصَّدْرِ وجَعَلَ يُزاحِمُ العُلَماءُ حَقِيقَةً عَلَيْهِ ولَمْ يَدْرِ أنَّ مَحَلَّهُ لَوْ أنْصَفَ العَجْزُ، هَذا واسْتَدَلَّ غَيْرُ واحِدٍ بِالآيَةِ عَلى تَقْدِيمِ العِلْمِ ولَوْ باهِلِيًّا شابًّا عَلى الجاهِلِ ولَوْ هاشِمِيًّا شَيْخًا، وهو بِناءٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مَعْناها لِدَلالَتِها عَلى فَضْلِ العالِمِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلَيْهِ، ويَجْعَلُ مَنزِلَتَهُ فَوْقَ مَنزِلَتِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ في مَجالِسِ الدُّنْيا فَوْقَ مَحَلِّ الجاهِلِ.
وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في كِتابِ الأحْكامِ قالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ العُلَماءَ مِنكم دَرَجاتٍ عَلى غَيْرِهِمْ فَلِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّفَسُّحِ مِن أجْلِهِمْ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى رَفْعِ العُلَماءِ في المَجالِسِ والتَّفَسُّحِ لَهم عَنِ المَجالِسِ الرَّفِيعَةِ. انْتَهى.
وهَذا المَعْنى الَّذِي نَقَلَهُ ظاهِرٌ في أنَّ المُتَعاطِفَيْنِ مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ والعَطْفُ لِجَعْلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ بِمَنزِلَةِ تَغايُرِ الذّاتِوَهُوَ احْتِمالٌ بَعِيدٌ، ويَظْهَرُ مِنهُ أيْضًا أنَّهُ ظَنَّ رَفَعَ يَرْفَعُ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ عَنْ عِلَّةِ الأمْرِ السّابِقِ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ لَكِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُ الرَّفْعِ دَرَجاتٍ جَزاءَهُ الِامْتِثالُ عَلى نَحْوِ كَوْنِ الفَسْحِ قَبْلَهُ جَزاءَهُ فَتَأمَّلْهُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَهْدِيدٌ لِمَن لَمْ يَمْتَثِلْ بِالأمْرِ واسْتَكْرَهَ، وقُرِئَ بِما - يَعْمَلُونَ -بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا قِیلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُوا۟ فِی ٱلۡمَجَـٰلِسِ فَٱفۡسَحُوا۟ یَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِیلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ یَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَـٰتࣲۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











