الباحث القرآني

﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ بَعْدَ ما بَيَّنَ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ شَرَحَ حالَ الحَياةِ الَّتِي اطْمَأنَّ بِها الفَرِيقُ الثّانِي، وأُشِيرَ إلى أنَّها مِن مُحَقِّراتِ الأُمُورِ الَّتِي لا يَرْكَنُ إلَيْها العُقَلاءُ فَضْلًا عَنِ الِاطْمِئْنانِ بِها بِأنَّها لَعِبٌ لا ثَمَرَةَ فِيها سِوى التَّعَبِ ( ولَهْوٌ ) تَشْغَلُ الإنْسانَ عَمّا يَعْنِيهِ ويُهِمُّهُ ( وزِينَةٌ ) لا يَحْصُلُ مِنها شَرَفٌ ذاتِيٌّ كالمَلابِسِ الحَسَنَةِ والمَراكِبِ البَهِيَّةِ والمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ ( وتَفاخُرٌ ) بِالأنْسابِ والعِظامِ البالِيَةِ ( وتَكاثُرٌ ) بِالعَدَدِ والعُدَدِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ «وتَفاخَرُ بَيْنِكم» بِالإضافَةِ ثُمَّ أُشِيرَ إلى أنَّها مَعَ ذَلِكَ سَرِيعَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِاضْمِحْلالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ مَطَرٍ ﴿أعْجَبَ الكُفّارَ﴾ أيْ راقَهم ﴿نَباتُهُ﴾ أيِ النَّباتُ الحاصِلُ بِهِ، والمُرادُ بِالكُفّارِ إمّا الحُرّاثُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ أيْ يَسْتُرُونَ (p-185)البَذْرَ في الأرْضِ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ ظاهِرٌ، وأمّا الكافِرُونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ أنَّهم أشَدُّ إعْجابًا بِزِينَةِ الدُّنْيا فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا رَأى مُعْجِبًا انْتَقَلَ فِكْرُهُ إلى قُدْرَةِ مُوجِدِهِ عَزَّ وجَلَّ فَأُعْجِبَ بِها، ولِذا قالَ أبُو نُواسٍ في النَّرْجِسِ: ؎عُيُونٌ مِن لُجَيْنٍ شاخِصاتٌ عَلى أطْرافِها ذَهَبٌ سَبِيكُ ؎عَلى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٌ ∗∗∗ بِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ والكافِرُ لا يَتَخَطّى فِكْرُهُ عَمّا أحَسَّ بِهِ فَيَسْتَغْرِقُ إعْجابًا ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ يَتَحَرَّكُ إلى أقْصى ما يَتَأتّى لَهُ، وقِيلَ: أيْ يَجِفُّ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ ﴿فَتَراهُ﴾ يا مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ ﴿مُصْفَرًّا﴾ بَعْدَ ما رَأيْتَهُ ناضِرًا مُونِقًا، وقُرِئَ مُصْفارًّا وإنَّما لَمْ يَقُلْ فَيَصْفَرُّ قِيلَ: إيذانًا بِأنَّ اصْفِرارَهُ غَيْرُ مُقارِنٍ لِهَيَجانِهِ وإنَّما المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ رُؤْيَتُهُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى ظُهُورِ ذَلِكَ لِكُلِّ أحَدٍ ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا مِنَ اليُبْسِ، ومَحَلُّ الكافِ قِيلَ: النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( لَعِبٌ ) لِأنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِتَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ مَثَلُ الحَياةِ كَمَثَلِ إلَخْ، ولِتَضَمُّنِ ذَلِكَ تَشْبِيهَ جَمِيعِ ما فِيها مِنَ السِّنِينَ الكَثِيرَةِ بِمُدَّةِ نَباتِ غَيْثٍ واحِدٍ يَفْنى ويَضْمَحِلُّ في أقَلَّ مِن سَنَةٍ جاءَتِ الإشارَةُ إلى سُرْعَةِ زَوالِها وقُرْبِ اضْمِحْلالِها، وبَعْدَ ما بَيَّنَ حَقارَةَ أمْرِ الدُّنْيا تَزْهِيدًا فِيها وتَنْفِيرًا عَنِ العُكُوفِ عَلَيْها أُشِيرَ إلى فَخامَةِ شَأْنِ الآخِرَةِ وعِظَمِ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ والآلامِ تَرْغِيبًا في تَحْصِيلِ نَعِيمِها المُقِيمِ وتَحْذِيرًا مِن عَذابِها الألِيمِ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ العَذابِ فَقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لِأنَّهُ مِن نَتائِجِ الِانْهِماكِ فِيما فَصَّلَ مِن أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ﴾ عَظِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وفي مُقابَلَةِ العَذابِ الشَّدِيدِ بِشَيْئَيْنِ إشارَةٌ إلى غَلَبَةِ الرَّحْمَةِ وأنَّهُ مِن بابِ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ». وفِي تَرْكِ وصْفِ العَذابِ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ وصْفِ ما بَعْدَهُ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى غَلَبَتِها أيْضًا ورَمْزٌ إلى أنَّ الخَيْرَ هو المَقْصُودُ بِالقَصْدِ الأوْلى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ لِمَنِ اطْمَأنَّ بِها ولَمْ يَجْعَلْها ذَرِيعَةً لِلْآخِرَةِ ومَطِيَّةً لِنَعِيمِها، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ الدُّنْيا مَتاعُ الغُرُورِ إنْ ألْهَتْكَ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ. فَأمّا إذا دَعَتْكَ إلى طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبِ الآخِرَةِ فَنِعْمَ المَتاعُ ونِعْمَ الوَسِيلَةُ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب