الباحث القرآني
﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾ أيِ المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ، وقَدْ قَرَأ أُبَيٌّ كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وأبُو عَمْرو في رِوايَةِ هارُونَ بِتَخْفِيفِ الصّادِ مِنَ التَّصْدِيقِ لا مِنَ الصَّدَقَةِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيِ الَّذِينَ صَدَقُوا واللّاتِي صَدَقْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والقِراءَةُ الأُولى أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وقِيلَ: الثّانِيَةُ أرْجَحُ لِأنَّ الإقْراضَ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ التَّصْدِيقِ، وأنْتَ سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فائِدَتَهُ، وعُطِفَ ( أقْرَضُوا ) عَلى مَعْنى الفِعْلِ مِنَ المُصَّدِّقِينَ عَلى ما اخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ والزَّمَخْشَرِيُّ لِأنَّ ألْ بِمَعْنى الَّذِينَ، واسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى الفِعْلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ أصْدَقُوا أوْ صَدَّقُوا عَلى القِراءَتَيْنِ ( وأقْرَضُوا ) (p-182)وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ إذِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ وهو المُصَّدِّقاتُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ النّاسَ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا وتَصَدَّقْنَ أأقْرَضُوا فَهو عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى بِلا فَصْلٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مُحَصِّلَ لَهُ إلّا إذا قِيلَ: إنَّ ألِ الثّانِيَةَ زائِدَةٌ لِئَلّا يُعْطَفَ عَلى صُورَةِ جُزْءِ الكَلِمَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ، ولا يَخْفى أنَّ حَدِيثَ اعْتِبارِ المَعْنى يَدْفَعُ ما ذُكِرَ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ قَرِيبٌ ولا يَبْعُدُ تَنْزِيلُ ما تَقَدَّمَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيِّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى صِلَةِ ألْ في المُصَّدِّقاتِ واخْتِلافِ الضَّمائِرِ تَأْنِيثًا وتَذْكِيرًا لا يَضُرُّ لِأنَّ ألْ تَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ فَيُرادُ بِها مَعْنى اللّاتِي عِنْدَ عَوْدِ ضَمِيرِ جَمْعِ الإناثِ عَلَيْها ومَعْنى الَّذِي عِنْدَ عَوْدِ ضَمِيرِ جَمْعِ الذُّكُورِ عَلَيْها وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: هو مِن بابِ كَلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ أيْ إنَّ المُصَّدِّقِينَ مَقْرُونُونَ مَعَ المُصَّدِّقاتِ في الثَّوابِ والمَنزِلَةِ، أوْ يُقَدَّرُ خَبَرٌ أيْ - إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ يُفْلِحُونَ - ( وأقْرَضُوا ) في الوَجْهَيْنِ لَيْسَ عَطْفًا عَلى الصِّلَةِ بَلْ مُسْتَأْنَفٌ ويُضافُ بَعْدَ صِفَةِ قَرْضًا أوِ اسْتِئْنافٍ ومَن أنْصَفَ لَمْ يَرَ ذَلِكَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كَلامُ أدْنى الفُصَحاءِ فَضْلًا عَنْ كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ تَخْرِيجَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ المَوْصُولِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ أقْرَضُوا فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ
؎فَمَن يَهْجُرُ رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ
وهُوَ مَقْبُولٌ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ دُونَ رَأْيِ البَصْرِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجَوِّزُونَ حَذْفَ المَوْصُولِ في مِثْلَهُ، وبَعْضُ أئِمَّةِ المُحَقِّقِينَ بَعْدَ أنِ اسْتَقْرَبَ تَوْجِيهَ التَّقْرِيبِ ولَمْ يَسْتَبْعِدْ تَنْزِيلَ ما سَمِعْتَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ وأبِي عَلِيٍّ عَلَيْهِ قالَ: وأقْرَبُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( المُصَّدِّقاتِ ) مَنصُوبٌ عَلى التَّخْصِيصِ كَأنَّهُ قِيلَ: «إنَّ المُصَّدِّقِينَ» عامًّا عَلى التَّغْلِيبِ وأخُصُّ المُتَصَدِّقاتِ مِنهم كَما تَقُولُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ولا سِيَّما العُلَماءَ مِنهم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم كَذا.
ووَجْهُ التَّخْصِيصِ ما ورَدَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يا مَعْشَرَ النِّساءِ تَصَدَّقْنَ فَإنِّي أُرِيتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النّارِ»» يَحُضُّهُنَّ عَلى الصَّدَقَةِ بِأنَّهُنَّ إذا فَعَلْنَ ذَلِكَ كانَ لَهُ تَعالى أقْبَلَ وجَزاؤُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ أوْفَرَ وأفْضَلَ، ثُمَّ قالَ: ولَمّا لَمْ يَكُنِ الإقْراضُ غَيْرَ ذَلِكَ التَّصَدُّقِ قِيلَ: وأقْرَضُوا أيْ بِذَلِكَ التَّصَدُّقِ تَحْقِيقًا لِكَيْنُونَتِهِ وأنَّهم مِثْلُ ذَلِكَ مُمَثَّلُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِمَن يُعامَلُ مَعَ أجْوَدِ الأجْوَدَيْنِ مُعامَلَةً بِرِضاهُ، ولَوْ قِيلَ: والمُقْرِضِينَ لَفاتَتْ هَذِهِ النُّكْتَةُ انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ نَصْبَ المُصَّدِّقاتِ عَلى التَّخْصِيصِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في نُكْتَةِ العُدُولِ عَنِ المَفْرُوضَيْنِ فَحَسَنٌ وهو مُتَأتٍّ عَلى تَخْرِيجِ أبِي عَلِيٍّ والزَّمَخْشَرِيِّ، وعَلى تَخْرِيجِ أبِي حَيّانَ، وقالَ الخَفاجِيُّ: القَوْلُ - أيْ قَوْلُ أبِي البَقاءِ - بِأنْ أقْرَضُوا إلَخْ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها أظْهَرُ وأسْهَلُ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ فِيهِ تَأْكِيدُ الحُكْمِ بِالمُضاعَفَةِ، وزَعَمَ أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها مِن ضَمِيرَيِ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ لا يَخْفى مَعْنًى وعَرَبِيَّةً فَتَدَبَّرْ ( يُضاعَفُ لَهم ) الضَّمِيرُ لِجَمِيعِ المُتَقَدِّمِينَ الذُّكُورِ والإناثِ عَلى التَّغْلِيبِ كَضَمِيرِ أقْرَضُوا، والجارُّ والمَجْرُورُ نائِبُ الفاعِلِ، وقِيلَ: هو ضَمِيرُ التَّصَدُّقِ أوْ ضَمِيرُ القَرْضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ يُضاعَفُ ثَوابُ التَّصَدُّقِ أوْ ثَوابُ القَرْضِ لَهم، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ «( يُضَعَّفُ)» بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقُرِئَ «يُضاعِفُ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ يُضاعِفُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم ثَوابَ ذَلِكَ ﴿ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ.
{"ayah":"إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِینَ وَٱلۡمُصَّدِّقَـٰتِ وَأَقۡرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنࣰا یُضَـٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرࣱ كَرِیمࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











