الباحث القرآني
﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ﴾ أيُّها المُنافِقُونَ ﴿فِدْيَةٌ﴾ فِداءٌ وهو ما يُبْذَلُ لِحِفْظِ النَّفْسِ عَنِ النّائِبَةِ والنّاصِبُ لِيَوْمِ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِلا، وفِيهِ حُجَّةٌ عَلى مَن مَنَعَ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرو لا تُؤْخَذُ التّاءُ الفَوْقِيَّةُ ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا فَيُغايِرُ المُخاطَبِينَ المُنافِقِينَ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالفِدْيَةِ ما هو مِن جِنْسِ المالِ ونَحْوِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها ما يَعُمُّ الإيمانَ والتَّوْبَةَ فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يُقْبَلُ إيمانُهم وتَوْبَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ وفِيهِ بُعْدٌ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْكافِرِ: أرَأيْتُكَ لَوْ كانَ لَكَ أضْعافُ الدُّنْيا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِجَمِيعِ ذَلِكَ مِن عَذابِ النّارِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَيَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: قَدْ سَألْتُكَ ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ وأنْتَ في ظَهْرِ أبِيكَ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بِي فَأبَيْتَ إلّا الشِّرْكَ» ﴿مَأْواكُمُ النّارُ﴾ مَحَلُّ أوْيِكم ( هي مَوْلاكم ) أيْ ناصِرُكم مِن بابِ - تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ - والمُرادُ نَفْيُ النّاصِرِ عَلى البَتاتِ بَعْدَ نَفْيِ أخْذِ الفِدْيَةِ وخَلاصِهِمْ بِها عَنِ العَذابِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهم: أُصِيبَ بِكَذا فاسْتَنْصَرَ الجَزَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكَهْفَ: 29] وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أيْ أوْلى بِكم كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ يَصِفُ بَقَرَةً وحْشِيَّةً نَفَرَتْ مِن صَوْتِ الصّائِدِ:
؎فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْنِ تَحْسِبُ أنَّهُ مَوْلى المَخافَةِ خَلْفَها وأمامَها
أيْ فَغَدَتْ كِلا جانِبَيْها الخَلْفَ والأمامَ تَحْسِبُ أنَّهُ أوْلى بِأنْ يَكُونَ فِيهِ الخَوْفُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَةُ مَوْلاكم هي عَلى هَذا مَحْراكم ومَقْمَنُكم أيِ المَكانُ الَّذِي يُقالُ فِيهِ هو أوْلى بِكم كَما قِيلَ: هو مِئْنَةٌ لِلْكَرَمِ أيْ مَكانٌ لِقَوْلِ القائِلِ: إنَّهُ لَكَرِيمٌ فَأوْلى نَوْعٌ مِنَ اسْمِ المَكانِ لُوحِظَ فِيهِ مَعْنى أوْلى إلّا أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنهُ كَما أنَّ المِئْنَةَ لَيْسَتْ مُشْتَقَّةً مِن إنِ التَّحْقِيقِيَّةِ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ إنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى ولَيْسَ بِتَفْسِيرِ اللَّفْظِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْلى وأوْلى بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ لَصَحَّ اسْتِعْمالُ كُلٍّ مِنهُما في مَكانِ الآخَرِ وكانَ يَجِبُ أنْ يَصِحَّ هَذا أوْلى فُلانٍ كَما يُقالُ: هَذا مَوْلى فُلانٍ ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي قالُوهُ مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ، ثُمَّ صَرَّحَ بِأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ رَدَّ اسْتِدْلالِ الشَّرِيفِ المُرْتَضِي بِحَدِيثِ الغَدِيرِ مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ عَلى إمامَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حَيْثُ قالَ: أحَدُ مَعانِي المَوْلى الأوْلى.
وحَمْلُهُ في الخَبَرِ عَلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ لِأنَّ إرادَةَ غَيْرِهِ يَجْعَلُ الأخْبارَ عَبَثًا كَإرادَةِ النّاصِرِ والصّاحِبِ وابْنِ العَمِّ، أوْ يَجْعَلُهُ كَذِبًا كالمُعْتَقِ والمُعَتَّقِ ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أنَّهُ إنْ أرادَ بِكَوْنِهِ مَعْنًى لا تَفْسِيرٌ ما أشارَ إلَيْهِالزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ التَّحْقِيقِ (p-179)فَهُوَ لا يَرُدُّ الِاسْتِدْلالَ إذْ يَكْفِي لِلْمُرْتَضِي أنْ يَقُولَ: المَوْلى في الخَبَرِ بِمَعْنى المَكانِ الَّذِي يُقالُ فِيهِ أوْلى إذْ يَلْزَمُ عَلى غَيْرِهِ العَبَثُ أوِ الكَذِبُ وإنْ أرادَ أنَّ ذَلِكَ مَعْنًى لازِمٌ لِما هو تَفْسِيرٌ لَهُ كَأنْ يَكُونَ تَفْسِيرُهُ القائِمُ بِمَصالِحِكم ونَحْوِهِ مِمّا يَكُونُ ذَلِكَ لازِمًا لَهُ فَفي رَدِّهِ الِاسْتِدْلالَ أيْضًا تَرَدُّدٌ، وإنْ أرادَ شَيْئًا آخَرَ فَنَحْنُ لا نَدْرِي ما هو - وهو لَمْ يُبَيِّنْهُ - والحَقُّ أنَّهُ ولَوْ جُعِلَ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى أوِ المَكانِ الَّذِي يُقالُ فِيهِ الأوْلى لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالخَبَرِ عَلى الإمامَةِ الَّتِي تَدَّعِيها الإمامِيَّةُ لِلْأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وفي التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ ما فِيهِ كِفايَةٌ لِطالِبِ الحَقِّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ مَصِيرُكم وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قالَ الإمامُ: إنَّ المَوْلى بِمَعْنى مَوْضِعِ الوَلِيِّ وهو القُرْبُ والمَعْنى هي مَوْضِعُكُمُ الَّذِي تَقْرُبُونَ مِنهُ وتَصِلُونَ إلَيْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإخْبارَ بِذَلِكَ بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّها مَأْواهم لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ جَدْوى عَلى أنَّ وضْعَ اسْمِ المَكانِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَّصِفُ صاحِبُهُ بِالمَأْخَذِ حالَ كَوْنِهِ فِيهِ والقُرْبُ مِنَ النّارِ وصْفٌ لِأُولَئِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيها ولا يَحْسُنُ وصْفُهم بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ ولَوِ اعْتُبِرَ مَجازُ الكَوْنِ كَما لا يَخْفى، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ اعْتِبارَ كَوْنِهِ اسْمَ مَكانٍ مِنَ الوَلِيِّ بِمَعْنى القُرْبِ لَكِنْ عَلى أنَّ المَعْنى هي مَكانُ قُرْبِكم مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورِضْوانِهِ عَلى التَّهَكُّمِ بِهِمْ وقِيلَ: أيْ مُتَوَلِّيكم أنَّ المُتَصَرِّفَةَ فِيكم كَتَصَرُّفِكم فِيما أوْجَبَها واقْتَضاها في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي والتَّصَرُّفُ اسْتِعارَةٌ لِلْإحْراقِ والتَّعْذِيبِ، وقِيلَ: مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ النّارُ وهي المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ المَحْذُوفِ لِدَلالَةِ السِّياقِ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِعِتابِ المُؤْمِنِينَ عَلى الفُتُورِ والتَّكاسُلِ فِيما نُدِبُوا إلَيْهِ والمُعاتَبُ عَلى ما قالَهُ الزَّجّاجُ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وإلّا فَمِنهم مَن لَمْ يَزَلْ خاشِعًا مُنْذُ أسْلَمَ إلى أنْ ذَهَبَ إلى رَبِّهِ، وما نُقِلَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ فَهِمَ المُرادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، وقَدْ سَمِعَتَ صَدْرَ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ والأعْمَشُ قالَ: لَمّا قَدِمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ فَأصابُوا مِن لِينِ العَيْشِ ما أصابُوا بَعْدَ ما كانَ لَهم مِنَ الجَهْدِ فَكَأنَّهم فَتَرُوا عَنْ بَعْضِ ما كانُوا عَلَيْهِ فَعُوتِبُوا فَنَزَلَتْ
{"ayah":"فَٱلۡیَوۡمَ لَا یُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡیَةࣱ وَلَا مِنَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِیَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِیرُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











