الباحث القرآني

﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ عُبِّرَ عَنْهم بِالعُنْوانِ السّابِقِ إذْ لَمْ يُذْكَرْ لَهم فِيما سَبَقَ وصْفٌ يُنْبِئُ عَنْ شَأْنِهِمْ سِواهُ كَما ذُكِرَ لِلْفَرِيقَيْنِ الأخِيرَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قِيلَ: هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ فَيُقالُ لِذَلِكَ المُتَوَفّى مِنهم سَلامٌ لَكَ يا صاحِبَ اليَمِينِ مِن إخْوانِكَ أصْحابِ اليَمِينِ أيْ يُسَلِّمُونَ عَلَيْكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقِعَةَ: 25، 26] فالخِطابُ لِصاحِبِ اليَمِينِ ولا التِفاتَ فِيهِ مَعَ تَقْدِيرِ القَوْلِ، ( ومِن ) لِلِابْتِداءِ كَما تَقُولُ سَلامٌ مِن فُلانٍ عَلى فُلانٍ وسَلامٌ لِفُلانٍ مِنهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ فَسَلامٌ لَكَ أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، فَمِن أصْحابِ اليَمِينِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والكَلامُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْضًا، وكَأنَّ هَذا التَّفْسِيرَ مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: تَأْتِيهِ المَلائِكَةُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى تُسَلِّمُ عَلَيْهِ وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا عَلى هَذا المَعْنى عِنْدَ المَوْتِ، وأنَّهُ عَلى المَعْنى السّابِقِ في الجَنَّةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَسَلامَةٌ لَكَ عَمّا يَشْغَلُ القَلْبَ مِن جِهَتِهِمْ فَإنَّهم في خَيْرٍ أيْ كُنْ فارِغَ البالِ عَنْهم لا يُهِمُّكَ أمْرُهم، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن عَلِقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ وتَشَوَّشَ فِكْرُهُ لا يَدْرِي ما حالُهُ كُنْ فارِغَ البالِ مِن ولَدِكَ فَإنَّهُ في راحَةٍ ودَعَةٍ، والخِطابُ لِمَن يَصْلُحُ لَهُ أوْ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَلَيْهِ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-161)ذَلِكَ تَسْلِيَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مَعْنى أنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَفاعَةٍ وغَيْرِها، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ جَمِيعِ أصْحابِ اليَمِينِ غَيْرَ مُحْتاجِينَ إلى ما ذُكِرَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فالشَّفاعَةُ لِأهْلِ الكَبائِرِ أمْرٌ ثابِتٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ ولا جائِزَ أنْ يَكُونُوا مِن أصْحابِ الشِّمالِ فَصَرائِحُ الآياتِ أنَّهم كُفّارٌ «وما لَهم مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ» وكَوْنُهم مِن أصْحابِ اليَمِينِ أقْرَبُ مِن كَوْنِهِمْ مِنَ السّابِقِينَ وجَعْلُهم قِسْمًا عَلى حِدَةٍ قَدْ عَلِمْتَ حالَهُ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ. وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كَلامٌ يُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ كَما يُقالُ فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ التَّفْصِيلِ، وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ ذَلِكَ فَإنَّهُ حَسَنٌ لَطِيفٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب