الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ فَإنَّ المَعْطُوفَ عَلى الخَبَرِ خَبَرٌ، والمُرادُ - بِالنَّجْمِ - النَّباتُ الَّذِي يَنْجُمُ أيْ يَظْهَرُ ويَطْلَعُ مِنَ الأرْضِ ولا ساقَ لَهُ، وبِالشَّجَرِ النَّباتُ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي رَزِينٍ؛ والمُرادُ بِسُجُودِهِما انْقِيادِهِما لَهُ تَعالى فِيما يُرِيدُ بِهِما طَبْعًا، شَبَهُ جَرْيِهِما عَلى مُقْتَضى طَبِيعَتَيْهِما بِانْقِيادِ السّاجِدِ لِخالِقِهِ وتَعْظِيمِهِ لَهُ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اسْمُ المُشَبَّهِ بِهِ في المُشَبَّهِ فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ - النَّجْمُ - نَجْمَ السَّماءِ وسُجُودَهُ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ وسُجُودَ الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ عِنْدَ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ سُجُودَهُما عِبارَةٌ عَنِ انْقِيادِهِما لِما يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِهِما طَبْعًا، والجُمْهُورُ عَلى تَفْسِيرِ النَّجْمِ بِما سَمِعْتَ أوَّلًا قَبْلَ لِأنَّ اقْتِرانَهُ بِالشَّجَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ تَقَدُّمُ ( الشَّمْسُ والقَمَرُ ) يُتَوَهَّمُ مِنهُ أنَّهُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ فَفِيهِ تَوْرِيَةٌ ظاهِرَةٌ، وإخْلاءُ الجُمَلِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ والرّابِعَةِ عَنِ العاطِفِ لِوُرُودِها عَلى نَهْجِ التَّعْدِيدِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ كُلًّا مِمّا تَضَمَّنَتْهُ نِعْمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ تَقْتَضِي الشُّكْرَ، وقَدْ قَصَرُوا في أدائِهِ ولَوْ عُطِفَتْ مَعَ شِدَّةِ اتِّصالِها وتَناسُبِها رُبَّما تُوهِّمَ أنَّ الكُلَّ نِعْمَةٌ واحِدَةٌ. وتَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَ الرّابِعَةِ والخامِسَةِ رِعايَةٌ لِتَناسُبِهِما مِن حَيْثُ التَّقابُلِ لِما أنَّ ( الشَّمْسُ والقَمَرُ ) عُلْوِيّانِ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ﴾ سُفْلِيّانِ، ومِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِن حالِ العُلْوِيِّينَ وحالِ السُّفْلِيَّيْنِ مِن بابِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وخُلُّوِهِما عَنِ الرّابِطِ اللَّفْظِيِّ مَعَ كَوْنِهِما خَبَرَيْنِ لِلْتَعْوِيلِ عَلى كَمالِ قُوَّةِ الِارْتِباطِ المَعْنَوِيِّ إذْ لا يُتَوَهَّمُ ذَهابُ الوَهْمِ إلى كَوْنِ حالُ ( الشَّمْسُ والقَمَرُ ) بِتَسْخِيرِ غَيْرِهِ تَعالى، ولا إلى كَوْنِ سُجُودُ النَّجْمِ والشَّجَرِ لِسِواهُ سُبْحانَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانِهِ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ لَهُ كَذا قالُوهُ، وفي الكَشْفِ: تَبْيِينًا لِما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ أخْلى الجُمَلَ أيِ الَّتِي قَبْلَ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ عَنِ العاطِفِ لِأنَّ الغَرَضَ تَعْدِيدُ النِّعَمِ وتَبْكِيتُ المُنْكِرِ كَما يُقالُ: زَيْدٌ أغْناكَ بَعْدَ فَقْرٍ، أعَزَّكَ بَعْدَ ذُلٍّ، كَثَّرَكَ بَعْدَ قِلَّةٍ، فَعَلَ بِكَ ما لَمْ يَفْعَلْ أحَدٌ بِأحَدٍ فَما تَنَكَّرَ مِن إحْسانِهِ كَأنَّهُ لَمّا عَدَّ نِعْمَةً حَرَّكَ مِنهُ حَتّى يَتَأمَّلَ هَلْ شَكَرَها حَقَّ شُكْرِها أمْ لا، ثُمَّ يَأْخُذُ في أُخْرى ولَوْ جِيءَ بِالعاطِفِ صارَتْ كَواحِدَةٍ ولَمْ يَكُنْ مِنَ التَّحْرِيكِ في شَيْءٍ، ولَمّا قُضِيَ الوَطَرُ مِنَ التَّعْدِيدِ المُحَرِّكِ والتَّبْكِيتِ بِذَكْرِ ما هو أصْلُ النِّعَمِ عَلى نَمَطِ رَدِّ الكَلامِ عَلى مِنهاجِهِ الأصْلِيِّ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ واحِدَةٍ بَعْدَ أُخْرى عَلى التَّناسُبِ والتَّقارُبِ بِحَرْفِ النَّسَقِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ النِّعَمَ لا تُحْصى فَلْيَكْتَفِ بِتَعْدِيدِ أجَلَّها رُتْبَةً لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ. وجُمْلَةُ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ لَيْسَتْ مِن أخْبارِ المُبْتَدَأِ، والزَّمَخْشَرِيُّ إنَّما سَألَ عَنْ وجْهِ الرَّبْطِ، وأجابَ بِأنَّ الرَّبْطَ حاصِلٌ بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ كَأنَّهُ بَعْدَ ما بَكَّتْ ونَبَّهْ أخَذَ يَعُدُّ عَلَيْهِ أُصُولَ النِّعَمِ لِيَثْبُتَ عَلى ما طَلَبَ مِنهُ مِنَ الشُّكْرِ، وهَذا كَما تَقُولُ في المِثالِ السّابِقِ بَعْدَ قَوْلِكَ: فَعَلَ بِكَ ما لَمْ يَفْعَلْ أحَدٌ بِأحَدٍ دانَتْ لَهُ أقْرانُكَ وأطاعَتْهُ إخْوانُكَ وبَسَطَ نَوالَهُ فَيْمَن تَحْتَ مِلْكَتِهِ ولَمْ يُخْرَجْ أحَدٌ مِن حِياطَةِ عَدْلِهِ ونَصَفَتِهِ، فَلا يَشُكُّ ذُو أرَبٍ أنَّها جُمَلٌ (p-101) مُنْقَطِعَةٌ عَنِ الأوْلى إعْرابًا مُتَّصِلَةٌ بِها اتِّصالًا مَعْنَوِيًّا أوْرَثَها قَطْعَها لِأنَّها سِيقَتْ لِغَرَضٍ وهَذِهِ لِآخَرَ، وقَرِيبٌ مِن هَذا الِاتِّصالِ اتِّصالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: 6] الآيَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البَقَرَةِ: 3] الآيَةُ انْتَهى. وقَدْ أُبْعِدالمَغْزى فِيما أرى إلّا أنَّ ظاهِرَ كَلامِ الكَشّافِ يَقْتَضِي كَوْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ مِنَ الأخْبارِ فَتَأمَّلْ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب