الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ إفْرادٌ لِبَعْضِ اللَّيْلِ بِالتَّسْبِيحِ لِما أنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَقُّ عَلى النَّفْسِ وأبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتِ إدْبارِها مِن آخَرِ اللَّيْلِ أيْ غَيْبَتِها بِضَوْءِ الصَّباحِ، وقِيلَ: التَّسْبِيحُ مِنَ اللَّيْلِ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ رَكْعَتا الفَجْرِ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (p-41)وعَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما التَّسْبِيحُ مِنَ اللَّيْلِ النَّوافِلُ: ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ رَكْعَتا الفَجْرِ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍ و ويَعْقُوبُ - أدْبارَ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ دُبُرٍ بِمَعْنى عَقِبٍ أيْ في أعْقابِها إذا غَرَبَتْ، أوْ خُفِيَتْ بِشُعاعِ الشَّمْسِ. هَذا ونَظْمُ الآياتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ [الطُّورَ: 30] إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ إلَخْ فِيهِ غَرابَةٌ ولَمْ أرَ أحَدًا كَشَفَ عَنْ لِثامِهِ كَصاحِبِ الكَشْفِ جَزاهُ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا، ولِغايَةِ حُسْنِهِ - وكَوْنِهِ مِمّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ - أحْبَبْتُ نَقْلَهُ بِحَذافِيرِهِ لَكِنْ مَعَ اخْتِصارٍ ما، فَأقُولُ: قالَ: أوْمَأ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى وجْهَيْنِ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلْ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ [الأنْبِياءَ: 5]: أحَدُهُما أنَّهُ حِكايَةُ قَوْلِهِمُ المُضْطَرِبِ عَلى وجْهِهِ، والثّانِي أنَّهُ تَدَرُّجٌ مِنهُ سُبْحانَهُ في حِكايَةِ ما قالُوهُ مِنَ المُنْكَرِ إلى ما هو أُدْخِلَ فِيهِ، والأوَّلُ ضَعِيفٌ فِيما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ لَيْسَ اضْطِرابَ أقْوالِهِمْ فَتُحْكى عَلى ما هي عَلَيْهِ بَلْ تَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ لا مَحالَةَ يَنْتَقِمُ لَهُ مِنهم وأنَّ العَذابَ المُكَذَّبَ بِهِ واقِعٌ بِهِمْ جَزاءً لِتَكْذِيبِهِمْ بِالمُنَبِّئِ والنَّبَأِ والمُنَبَّأِ بِهِ، فالمُتَعَيِّنُ هو الثّانِي، ووَجْهُهُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَذَكِّرْ﴾ مَعْناهُ إذْ ثَبَتَ كَوْنُ العَذابِ واقِعًا وكَوْنُ الفَرِيقَيْنِ المُصَدِّقَيْنِ والمُكَذِّبَيْنَ مَجْزِيَّيْنَ بِأعْمالِهِمْ، وإنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ الَّذِي مَن كَذَّبَ بِهِ اسْتَحَقَّ الهَوانَ، ومَن صَدَّقَ اسْتَحَقَّ الرِّضْوانَ فَدُمْ عَلى التَّذْكِيرِ ولا تُبالِ بِما تُكايَدُ فَإنَّكَ أنْتَ الغالِبُ حُجَّةً وسَيْفًا في هَذِهِ الدّارِ، ومَنزِلَةً ورِفْعَةً في دارِ القَرارِ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أنْتَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ تَفْصِيلُ هَذا المُجْمَلِ مَعَ التَّعْرِيضِ بِفَسادِ مَقالاتِهِمُ الحَمْقاءِ وأنَّهم بِمَرْأى مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَسْمَعٍ فَلا مَحالَةَ يَنْتَقِمُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم، وفِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ فَهو شَدَّ مِن عَضُدِ التَّسَلِّي، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ [الطُّورَ: 29] إلَخْ فِيهِ أنَّ مَن أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ أحَدَ هَذَيْنِ، وبَدَأ بِقَوْلِهِمُ المُتَناقِضِ لِيُنَبِّهَ أوَّلًا عَلى فَسادِ آرائِهِمْ ويَجْعَلَهُ دُسْتُورًا في إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وإيثارِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ فَما أبْعَدَ حالَ مَن كانَ أتْقَنُهم رَأْيًا وأرْجَحُهم عَقْلًا وأبْيَنُهم آيًا مُنْذُ تَرَعْرَعَ إلى أنْ بَلَغَ الأشُدَّ عَنِ الجُنُونِ والكِهانَةِ عَلى أنَّهُما مُتَناقِضانِ لِأنَّ الكُهّانَ كانُوا عِنْدَهم مِن كامِلِيهِمْ وكانَ قَوْلُهم إمامًا مُتَّبَعًا عِنْدَهم فَأيْنَ الكِهانَةُ مِنَ الجُنُونِ، ثُمَّ تَرْقى مَضْرِبًا إلى قَوْلِهِمْ فِيهِ وحاشاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ شاعِرٌ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الكَذِبِ مِنَ الكاهِنِ والمَجْنُونِ وقَدِيمًا قِيلَ: أحْسَنُ الشَّعْرِ أكَذَبُهُ لِيُبَيِّنَ حالَ تَلَجْلُجِهِمْ واضْطِرابِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ [الطُّورَ: 31] مِن بابِ المُجازاةِ بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ وفِيهِ تَتْمِيمٌ لِلْوَعِيدِ، فَهَذا بابٌ مِن إنْكارِهِمْ هَدْمَهُ سُبْحانَهُ أوَّلًا تَلْوِيحًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وثانِيًا تَصْرِيحًا بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا. ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ﴾ [الطُّورَ: 32] كَأنَّهُ قِيلَ دَعْهم وتِلْكَ المَقالَةَ وما فِيها مِنَ الِاضْطِرابِ فَفِيها عِبْرَةٌ، ثُمَّ قِيلَ: لا بَلْ ذَلِكَ مِن طُغْيانِهِمْ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الذَّمِّ مِن نُقْصانِ العَقْلِ وأبْلَغُ في التَّسْلِيَةِ لِأنَّ مَن طَغى عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَدْ باءَ بِغَضَبِهِ، ثُمَّ أخَذَ في بابٍ أوْغَلَ في الإنْكارِ وهو نِسْبَةُ الِافْتِراءِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَلِكَ لِأنَّ الِافْتِراءَ أبْعَدُ شَيْءٍ مِن حالِهِ لِاشْتِهارِهِ بِالصِّدْقِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ افْتِراءً وعَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِأقْصَرِ سُورَةٍ مِن هَذا المُفْتَرِي مُتَنافِيانِ لِدَلالَتِهِ عَلى الصِّدْقِ عَلى ما مَرَّ - في الأحْقافِ - ولِأنَّ الشّاعِرَ لا يَتَعَمَّدُ الكَذِبَ لِذاتِهِ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ شِعْرُهُ حِكَمًا ومَواعِظَ وهو لا يُنْسَبُ فِيهِ إلى عارِ، والتَّدَرُّجُ عَنِ الشِّعْرِ ها هُنا عَكْسُ التَّدَرُّجِ إلَيْهِ في الأنْبِياءِ لِأنَّ بِناءَ الكَلامِ ها هُنا عَلى التَّدَرُّجِ في المُناقَضَةِ والتَّوَغُّلِ في القَدَحِ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَفْيِ رِسالَتِهِ، وهُنالِكَ عَنِ القَدْحِ في بَعْضٍ مِنَ الذَّكَرِ مُتَجَدِّدُ النُّزُولِ فَقِيلَ: إنَّ افْتِراءَهُ لا يَبْعُدُ مِمَّنْ هو شاعِرٌ ذُو افْتِراءاتٍ كَثِيرَةٍ، وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى التَّوَغُّلِ (p-42)جِيءَ بِصَرِيحِ حَرْفِ الإضْرابِ في الرَّدِّ فَقِيلَ: ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطُّورَ: 33] وعُقِّبَ بُقُولِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ [الطُّورَ: 34] ثُمَّ مَن لا يُؤْمِنُ أشَدَّ إنْكارًا لَهُ مِنَ الطّاغِي كَما أنَّ المُفْتَرِيَ أدْخَلَ في الكَذِبِ مِنَ الشّاعِرِ، ثُمَّ أخَذَ في أُسْلُوبٍ أبْلَغَ في الرَّدِّ عَلى مَقالاتِهِمُ الجُنُونَ والكِهانَةَ لِتَقارُبِهِما، ثُمَّ الشِّعْرِ، ثُمَّ الِافْتِراءِ حَيْثُ نَزَّلَ القائِلِينَ مَنزِلَةَ مَن يَدَّعِي أنَّهُ خُلِقَ مِن غَيْرِ شَيْءٍ أيْ مُقَدِّرٍ وخالِقٍ وإلّا لَأهَمِّهُمُ البَحْثُ عَنْ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ فَلَمْ يُنْكِرُوا مِنكَ ما أنْكَرُوا، ومِن حَسَبِ أنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ المُوجِدِ نَسَبَ رَسُولَهُ إلى الجُنُونِ والكِهانَةِ لا بَلْ كَمَن يَدَّعِي أنَّهُ خالِقُ نَفْسَهُ فَلا خالِقَ لَهُ لِيَبْحَثَ عَنْ صِفاتِهِ فَهو يَنْسُبُهُ إلى الشِّعْرِ إذْ لا يُرْسِلُ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ، والشِّعْرُ أدْخَلَ في الكَذِبِ لا بَلْ كَمَن يَدَّعِي أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما فَهو يَنْسُبُهُ الى الِافْتِراءِ حَيْثُ لَمْ يُرْسِلْهُ، ثُمَّ أُضْرِبَ صَرِيحًا عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطُّورَ: 36] ومَن لا إيقانَ لَهُ بِمِثْلِ هَذا البَدِيهِيِّ لا يَبْعُدُ أنْ يَزِنَكَ بِمازِنٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَقالَتُهم تِلْكَ تُؤَدِّي إلى هَذِهِ لا أنَّهم كانُوا قائِلِينَ بِها إظْهارًا لِتَمادِيهِمْ في العِنادِ، ثُمَّ بُولِغَ فِيهِ فَجِيءَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرِيًا غَيْرَ صالِحٍ لِلنُّبُوَّةِ في زَعْمِهِمْ، فالأوَّلُ لِما لَمْ يَمْنَعْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ إنَّما يَدُلُّ عَلى افْتِرائِهِ مِن حَيْثُ إنَّ أحَدَ الخالِقِينَ لا يَدْعُو الآخَرَ إلى عِبادَتِهِ، والثّانِي يَمْنَعُهُ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّهُ إذا كانَ عِنْدَهم جَمِيعُ خَزائِنِ رَبِّهِ وهم ما أرْسَلُوهُ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مُفْتَرِيًا ألْبَتَّةَ، وأدْمَجَ فِيهِ إنْكارَهم لِلْمَعادِ، ونِسْبَتُهم إيّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ذَلِكَ أيْضًا خاصَّةً إلى الِافْتِراءِ، والحَمْلُ عَلى خَزائِنِ القُدْرَةِ أظْهَرُ لِأنَّ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ [الطُّورَ: 41] إشارَةٌ إلى خَزائِنِ العِلْمِ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ هُنالِكَ أمْرَ البَعْثِ عَلى ما سَيُحَقِّقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ هَذا القَوْلُ أيْضًا مِنَ القَبُولِ بِمَكانٍ ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطُّورَ: 37] مِنَ التَّرَقِّي ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ ( وبَيَّنَ ) فَسادَ ما بَنَوْا عَلَيْهِ أمْرَ الإنْكارِ بِدَلِيلِ العَقْلِ قِيلَ: لَمْ يَبْقَ إلّا المُشاهَدَةَ والسَّماعَ مِنهُ تَعالى وهو أظْهَرُ اسْتِحالَةَ فَتَهَكَّمَ بِهِمْ، وقِيلَ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ﴾ [الطُّورَ: 38] وذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ [الطُّورَ: 39] إشْعارًا بِأنَّهُ مَن جَعَلَ خالِقَهُ أدْوَنَ حالًا مِنهُ لَمْ يَسْتَبْعِدْ مِنهُ تِلْكَ المَقالاتِ الخَرْقاءَ كَأنَّهُ سَلّى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: ناهِيكَ بِتَساوِي الطَعْنَيْنِ في البُطْلانِ وبِما يُلْقُونَ مِن سُوءِ مَغَبَّتِهِما، ثُمَّ قِيلَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطُّورَ: 40] أيْ إنَّ القَوْمَ أرْبابُ ألْبابٍ ولَيْسُوا مِن تِلْكَ الأوْصافِ في شَيْءٍ بَلِ الَّذِي زَهَّدَهم فِيكَ أنَّكَ تَسْألُهم أجْرًا مالًا، أوْ جاهًا، أوْ ذِكْرًا، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وذَمٌّ لَهم بِالحَسَدِ واللُّؤْمِ وأنَّهم مَعَ قُصُورِ نَظَرِهِمْ عَنْ أمْرِ المِيعادِ لا يَبْنُونَ الأمْرَ عَلى المُتَعارَفِ المُعْتادِ إذْ لا أحَدَ مِن أهْلِ الدُّنْيا وذَوِي الأخْطارِ يَجُبُّهُ النّاصِحُ المُبَرَّأُ ساحَتَهُ عَنْ لَوَثِ الطَّمَعِ بِتِلْكَ المَقالاتِ عَلى أنَّهُ حَسَدٌ لا مَوْقِعَ لَهُ عِنْدَ ذَوِيِهِ فَلَيْسُوا في أنْ يَحْصُلَ لَهم نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ ولا هو مِمَّنْ يَطْمَعُ في نِعَمِهِمْ إحْدى الثَّلاثِ، ثُمَّ قِيلَ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ عَلى مَعْنى بَلْ أعْنَدَهُمُ اللَّوْحُ فَيَعْلَمُونَ كُلَّ ما هو كائِنٌ ويَكْتُبُونَ فِيهِ تِلْكَ المَعْلُوماتِ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما تَدَّعِيِهِ مِنَ المَعادِ لَيْسَ مِنَ الكائِنِ المَكْتُوبِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا نَفْيُ المُنَبَّأِ بِهِ أعْنِي البَعْثُ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ النُّبُوَّةِ أيْضًا إدْماجًا عَكْسَ الأوَّلِ ولِهَذا أخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ فَقَدْ سَلَفَ أنَّ مَصَبَّ الغَرَضِ حَدِيثُ النَّبَأِ والمُنَبِّأِ والمُنَبَّأِ بِهِ فَقَضى الوَطَرَ مِنَ الأوَّلِينَ مَعَ الرَّمْزِ إلى الأخِيرِ: ثُمَّ أخَذَ فِيهِ مَعَ الرَّمْزِ إلَيْهِما قَضاءً لِحَقِّ الإعْجازِ، فَفي الغَيْبِ إشارَةٌ إلى الغَيْبِ أعْنِي السّاعَةَ أوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ وفِيهِ تَرَقٍّ في الدَّفْعِ مِن وجْهٍ أيْضًا لِأنَّ العِلْمَ أشْمَلُ مَوْرِدًا مِنَ القُدْرَةِ ولِأنَّ الأوَّلَ إنْكارٌ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يُرْسِلُوهُ، وهَذا مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، ومِن حَيْثُ إنَّهم ما عَلِمُوا بِإرْسالِ غَيْرِهِ إيّاهُ أيْضًا مَعَ إحاطَةِ عِلْمِهِمْ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ قَصْدًا أوَّلِيًّا، ثُمَّ خُتِمَ الكَلامُ بِالإضْرابِ عَنِ الإنْكارِ إلى الأخْبارِ عَنْ حالِهِمْ بِأنَّهم يُرِيدُونَ بِكَ كَيْدًا فَهم يَنْصِبُونَ لَكَ الحَبائِلَ قَوْلًا وفِعْلًا (p-43)لا يَقِفُونَ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ وحْدَها وهُمُ المَكِيدُونَ لا أنْتَ قَوْلًا وفِعْلًا وحُجَّةً وسَيْفًا، وحَقَّقَ ما ضَمَّنَهُ مِنَ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ فَيُنْجِيهِمْ مِن كَيْدِهِ وعَذابِهِ لا واللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَنْ أنْ يَكُونَ إلَهَ غَيْرَهَ، ومِنهُ يَظْهَرُ أنَّ حَمْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى المُرِيدِينَ بِهِ كَيْدًا أظْهَرُ في هَذا المَساقِ انْتَهى، وكَأنَّ ما بَعْدُ تَأْكِيدًا لِأمْرِ طُغْيانِهِمْ ومَزِيدَ تَحْقِيقٍ لِلْوَعِيدِ ومُبالَغَةً في التَّسْلِيَةِ، ويَعْلَمُ مِمّا ذَكَرَهُ - لا زالَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مُتَّصِلَةٌ - أنَّ ( أمْ ) في كُلِّ ذَلِكَ مُنْقَطِعَةٌ وهي مُقَّدَرَةٌ بِبَلِ الإضْرابِيَّةِ، والإضْرابُها هُنا واقِعٌ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي وبِالهَمْزَةِ وهي لِلْإنْكارِ وهو ما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّها مُتَّصِلَةٌ والمُرادُ بِها الِاسْتِفْهامُ، وعَلَيْكَ بِما أفادَهُ كَلامُ ذَلِكَ الهُمامِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ومِمّا ذَكَرُوهُ مِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ ﴿والطُّورِ﴾ إشارَةٌ إلى قالَبِ الإنْسانِ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ إشارَةٌ إلى سِرِّهِ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ إشارَةٌ إلى قَلْبِهِ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ إشارَةٌ إلى رُوحِهِ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ إشارَةٌ إلى صِفَتِهِ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْسِهِ المَسْجُورَةِ بِنِيرانِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والكِبْرِ، وقِيلَ: - الطَّوْرُ - إشارَةٌ إلى ما طارَ مِنَ الأرْواحِ مِن عالِمِ القُدْسِ والمَلَكُوتِ حَتّى وقَعَ في شِباكِ عالَمِ المَلِكِ - والكِتابُ المَسْطُورُ في الرَّقِّ المَنشُورِ - إشارَةٌ إلى النُّقُوشِ الإلَهِيَّةِ المُدْرَكَةِ بِأبْصارِ البَصائِرِ القُدْسِيَّةِ المَكْتُوبَةِ في صَحائِفِ الآفاقِ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ إشارَةٌ إلى قَلْبِ المُؤْمِنِ المَعْمُورِ بِالمَعْرِفَةِ والإخْلاصِ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ إشارَةٌ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ المَرْفُوعِ عَنْ أرْضِ الطَّبِيعَةِ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ إشارَةٌ إلى بَحْرِ القُدْرَةِ المَمْلُوءِ مِن أنْواعِ المَقْدُوراتِ الَّتِي لا تَتَناهى، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الفَضاءِ الَّذِي فِيهِ المَلائِكَةُ المَهِيمُونَ، ووَصْفُهُ - بِالمَسْجُورِ - إمّا لِأنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنهم، وإمّا لِأنَّهُ سُجِّرَ بِنِيرانِ الهُيامِ ولِذا لا يَعْلَمُ أحَدُهم بِسِوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أيْ يَخُوضُونَ في غَمَراتِ البَحْرِ اللُّجِيِّ الدُّنْيَوِيِّ ويَلْعَبُونَ فِيها بِزَبَدِها الباطِلِ ومَتاعِها القَلِيلِ ويُكَذِّبُونَ المُسْتَخْلَصَيْنِ عَنِ الأكْدارِ المُتَحَلِّينَ بِالأنْوارِ إذْ أنْذَرُوهم أنَّ المُتَّقِينَ هم أضْدادٌ أُولَئِكَ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ ﴿ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وهو عَذابُ الحِجابِ ﴿كُلُوا﴾ مِن ثَمَراتِ المَعارِفِ المُخْتَصَّةِ بِاللَّطِيفَةِ النَّفْسِيَّةِ ﴿واشْرَبُوا﴾ مِن مِياهِ العُيُونِ المُخْتَصَّةِ بِاللَّطِيفَةِ القَلْبِيَّةِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ مَقامِ العُبُودِيَّةِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أيْ عِنْدَ نُزُولِ السَّكِينَةِ عَلَيْكَ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ عِنْدَ ظُهُورِ نُورِ شَمْسِ الوَجْهِ، وتَسْبِيحُهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِالِاحْتِرازِ عَنْ إثْباتِ وُجُودٍ غَيْرَ وُجُودِهِ تَعالى الحَقِّ فَإنَّ إثْباتَ ذَلِكَ شِرْكٌ مُطْلَقٌ في ذَلِكَ المَقامِ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكم مِنَ الشِّرْكِ بِحُرْمَةِ الحَبِيبِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب