الباحث القرآني

﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أيْ أغْفَلُوا أوْ عَمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا حِينَ كَفَرُوا بِالبَعْثِ ﴿إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ﴾ بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها كُلَّ وقْتٍ، قِيلَ: وهَذا ظاهِرٌ عَلى ما هو المَعْرُوفُ بَيْنَ النّاسِ مِن أنَّ المُشاهَدَ هو السَّماءُ الَّتِي هي الجِرْمُ المَخْصُوصُ الَّذِي يُطْوى يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ وُصِفَ في الآياتِ والأحادِيثِ بِما وُصِفَ. وأمّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ مِن أنَّ المُشاهَدَ إنَّما هو كُرَةُ البُخارِ أوْ هَواءٌ ظَهَرَ بِهَذا اللَّوْنِ ولا لَوْنَ لَهُ حَقِيقَةً ودُونَ ذَلِكَ الجِرْمِ فَفِيهِ خَفاءٌ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ في هَذا المَقامِ: إنَّ ظَواهِرَ الآياتِ والأخْبارِ ناطِقَةٌ بِأنَّ السَّماءَ مَرْئِيَّةٌ، وما ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ مِن أنَّ الأفْلاكَ أجْرامٌ صُلْبَةٌ شَفّافَةٌ لا تُرى غَيْرُ مُسَلَّمٍ أصْلًا، وكَذا كَوْنُ السَّماواتِ السَّبْعِ هي الأفْلاكُ السَّبْعَةُ غَيْرَ مُسَلَّمٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وكَذا وُجُودُ كُرَةِ البُخارِ وأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ هَواءٌ مُخْتَلِفُ الأجْزاءِ في اللَّطافَةِ فَكُلَّما عَلا كانَ ألْطَفَ حَتّى أنَّهُ رُبَّما لا يَصْلُحُ لِلتَّعَيُّشِ ولا يَمْنَعُ خُرُوجَ الدَّمِ مِنَ المَسامِّ الدَّقِيقَةِ جِدًّا لِمَن وصَلَ إلَيْهِ، وإنَّ رُؤْيَةَ الجَوِّ بِهَذا اللَّوْنِ لا يُنافِي رُؤْيَةَ السَّماءِ حَقِيقَةً وإنْ لَمْ تَكُنْ في نَفْسِها مُلَوَّنَةً بِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ كَرُؤْيَةِ قَعْرِ البَحْرِ أخْضَرَ مِن وراءِ مائِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُرى بِواسِطَةِ شَيْءٍ عَلى لَوْنٍ وهو في نَفْسِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ اللَّوْنِ، بَلْ قِيلَ: إنَّ رُؤْيَةَ السَّماءِ مَعَ وُجُودِ كُرَةِ البُخارِ عَلى نَحْوِ رُؤْيَةِ الأجْرامِ المُضِيئَةِ كالقَمَرِ وغَيْرِهِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأصْحابَ مَعَ الظَّواهِرِ حَتّى يَظْهَرَ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وحِينَئِذٍ يُؤَوِّلُونَها، وأنَّ التِزامَ التَّطْبِيقِ بَيْنَ ما نَطَقَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وما قالَهُ الفَلاسِفَةُ مَعَ إكْذابِ بَعْضِهِ بَعْضًا أصْعَبُ مِنَ المَشْيِ عَلى الماءِ أوِ العُرُوجِ إلى السَّماءِ، وأنا أقُولُ: لا بَأْسَ بِتَأْوِيلٍ ظاهِرٍ تَأْوِيلًا قَرِيبًا لِشَيْءٍ مِنَ الفَلْسَفَةِ إذا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً ولَمْ يَسْتَلْزِمْ مَفْسَدَةً دِينِيَّةً، وأرى الإنْصافَ مِنَ الدِّينِ، ورَدُّ القَوْلِ احْتِقارًا لِقائِلِهِ غَيْرُ لائِقٍ بِالعُلَماءِ المُحَقِّقِينَ، هَذا وحَمَلَ بَعْضٌ ( السَّماءِ ) هاهُنا عَلى جِنْسِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وهو كَما تَرى، والظّاهِرُ أنَّها الجِرْمُ المَخْصُوصُ وأنَّها السَّماءُ الدُّنْيا أيْ أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ الدُّنْيا ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ أحْكَمْناها ورَفَعْناها بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وزَيَّنّاها﴾ لِلنّاظِرِينَ بِالكَواكِبِ المَرَتَّبَةِ عَلى أبْدَعِ نِظامٍ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ مِن فُتُوقٍ وشُقُوقٍ، والمُرادُ سَلامَتُها مِن كُلِّ عَيْبٍ وخَلَلٍ فَلا يُنافِي القَوْلَ بِأنَّ لَها أبْوابًا. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مُتَلاصِقَةُ الطِّباقِ وهو يُنافِي ما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن أنَّ بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ هَذا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ. وقِيلَ هاهُنا ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ بِالفاءِ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ بِالواوِ لِسَبْقِ إنْكارِ الرَّجْعِ فَناسَبَ التَّعْقِيبَ بِما يُشْعِرُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وجِيءَ بِالنَّظَرِ دُونَ الرُّؤْيَةِ كَما في الأحْقافِ اسْتِبْعادًا لِاسْتِبْعادِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: النَّظَرُ كافٍ في حُصُولِ العِلْمِ بِإمْكانِ الرَّجْعِ ولا حاجَةَ إلى الرُّؤْيَةِ قالَهُ الإمامُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ما لَها مِن فُرُوجٍ ) لِلْفَلاسِفَةِ عَلى امْتِناعِ الخَرْقِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى امْتِناعِهِ، عَلى أنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ المُرادَ بِذَلِكَ، ولا يَضُرُّ كَوْنُهُ لَيْسَ مَعْنًى (p-176)حَقِيقِيًّا لِشُيُوعِهِ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب