الباحث القرآني
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ - بَعْدَ نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ قَوْلِ المُسْتَهْزِئِينَ - بِأنْ يُخاطِبَهم ويُبَيِّنَ أنَّ الدِّينَ مُنَزَّهٌ عَمّا يُصَحِّحُ صُدُورَ ما صَدَرَ مِنهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، ويُظْهِرَ لَهم سَبَبَ ما ارْتَكَبُوهُ، ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ، ووُصِفُوا بِأهْلِيَّةِ الكِتابِ تَمْهِيدًا لِما سَيَذْكُرُ سُبْحانَهُ مِن تَبْكِيتِهِمْ وإلْزامِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِكِتابِهِمْ، أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ الفَجَرَةِ ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ أيْ: هَلْ تُنْكِرُونَ وتَعِيبُونَ مِنّا، وهو مِن ( نَقَمَ مِنهُ كَذا ) إذا أنْكَرَهُ وكَرِهَهُ، مَن حَدِّ ضَرَبَ.
وقَرَأ الحَسَنُ: ( تَنْقَمُونَ ) (p-173)بِفَتْحِ القافِ، مِن حَدِّ عَلِمَ، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: نَقَِمَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، ومَعْناهُ بالَغَ في كَراهَةِ الشَّيْءِ، وأنْشَدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ:
؎ما نَقِمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
وفِي النِّهايَةِ يُقالُ: نَقَمَ يَنْقِمُ إذْ بَلَغَتْ بِهِ الكَراهَةُ حَدَّ السَّخَطِ، ويُقالُ: نَقِمَ مِن فُلانٍ الإحْسانَ إذا جَعَلَهُ مِمّا يُؤَدِّيهِ إلى كُفْرِ النِّعْمَةِ، ومِنهُ حَدِيثُ الزَّكاةِ: ««ما يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلّا أنَّهُ كانَ فَقِيرًا فَأغْناهُ اللَّهُ تَعالى»» أيْ: ما يَنْقِمُ شَيْئًا مِن مَنعِ الزَّكاةِ إلّا أنْ يَكْفُرَ النِّعْمَةَ، فَكَأنَّ غِناهُ أدّاهُ إلى كُفْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الرّاغِبِ: إنَّ تَفْسِيرَ ( نَقَمَ ) بِـ( أنْكَرَ ) و( أعابَ ) لِأنَّ النِّقْمَةَ مَعْناها الإنْكارُ بِاللِّسانِ أوْ بِالعُقُوبَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُعاقَبُ إلّا عَلى ما يُنْكِرُ، فَيَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
ونَشْتُمُ بِالأفْعالِ لا بِالتَّكَلُّمِ
وهُوَ - كَما قالَ الشِّهابُ - مِمّا يُعَدّى بِـ( مِن ) و( عَلى ).
وقالَ أبُو حَيّانَ: أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِـ( عَلى ) ثُمَّ افْتَعَلَ المَبْنِيُّ مِنهُ يُعَدّى بِـ( مِن ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصابَةِ بِالمَكْرُوهِ، وهُنا فَعَلَ بِمَعْنى افْتَعَلَ، ولَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُسْتَنَدًا في ذَلِكَ.
﴿إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القُرْآنِ المَجِيدِ، ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إنْزالِهِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وسائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ أيْ مُتَمَرِّدُونَ خارِجُونَ عَنْ دائِرَةِ الإيمانِ بِما ذُكِرَ، فَإنَّ الكُفْرَ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُفْرِ بِسائِرِ الكُتُبِ كَما لا يَخْفى، والواوُ لِلْعَطْفِ، وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ).
واخْتارَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِـ( تَنْقِمُونَ ) والمَفْعُولُ بِهِ الدِّينُ، وحُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلُ وما بَعْدُ عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً، فَإنَّ اتِّخاذَ الدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا عَيْنُ نَقْمِهِ وإنْكارِهِ، والإيمانَ بِما فُصِّلَ عَيْنُ الدِّينِ الَّذِي نَقَمُوهُ، خَلا أنَّهُ في مَعْرِضِ عِلَّةِ نَقْمِهِمْ لَهم تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ المُكابَرَةِ والتَّعْكِيسِ، حَيْثُ جَعَلُوهُ مُوجِبًا لِنَقْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مُوجِبًا لِقَبُولِهِ وارْتِضائِهِ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ ما تَنْقِمُونَ مِنّا دِينَنا لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِإيمانِنا بِاللَّهِ تَعالى، وما أُنْزِلَ إلَيْنا، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ مِن كُتُبِكُمْ؛ ولِأنَّ أكْثَرَكم مُتَمَرِّدُونَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ حَتّى لَوْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِكِتابِكُمُ النّاطِقِ بِصِحَّةِ كِتابِنا لَآمَنتُمْ بِهِ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ المَحْذُوفَ شَيْئًا ولا أرى فِيهِ بَأْسًا.
وقِيلَ: العَطْفُ عَلى ( أنْ آمَنّا ) بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ المَفْعُولَ بِهِ، لَكِنْ لا عَلى أنَّ المُسْتَثْنى مَجْمُوعُ المَعْطُوفَيْنِ؛ إذْ لا يَعْتَرِفُونَ أنَّ أكْثَرَهم فاسِقُونَ حَتّى يُنْكِرُوهُ، بَلْ هو ما يَلْزَمُهُما مِنَ المُخالَفَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ تُنْكِرُونَ مِنّا إلّا أنّا عَلى حالٍ يُخالِفُ حالَكُمْ، حَيْثُ دَخَلْنا في الإسْلامِ وخَرَجْتُمْ مِنهُ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: واعْتِقادِ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى المُؤْمَنِ بِهِ، أيْ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ، وما أُنْزِلَ إلَيْنا، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ، وبِأنَّ أكْثَرَكم كافِرُونَ، وهَذا في المَعْنى كالوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقِيلَ: العَطْفُ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، وقَدْ حُذِفَ الجارُّ في جانِبِ المَعْطُوفِ، ومَحَلُّهُ إمّا جَرٌّ أوْ نَصْبٌ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، أيْ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ لِقِلَّةِ إنْصافِكُمْ، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَنفِيٍّ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، أيْ: ولا تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، ويُقَدَّرُ مُقَدَّمًا عِنْدَ بَعْضٍ؛ لِأنَّ ( أنَّ ) المَفْتُوحَةَ لا يَقَعُ ما مَعَها مُبْتَدَأً إلّا إذا تَقَدَّمَ الخَبَرُ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ ( أنَّ ) لا يُبْتَدَأُ بِها مُتَقَدِّمَةً إلّا بَعْدَ ( أمّا ) فَقَطْ، وخالَفَ الكَثِيرَ مِنَ النُّحاةِ في هَذا الشَّرْطِ، عَلى أنَّهُ يُغْتَفَرُ في الأُمُورِ التَّقْدِيرِيَّةِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِها، والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ حالِيَّةٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: وفِسْقُكم (p-174)ثابِتٌ أوْ مَعْلُومٌ وقِيلَ: الواوُ بِمَعْنى ( مَعَ ) أيْ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ مَعَ أنَّ أكْثَرَكُمْ، إلَخْ.
وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّ هَذا لا يَتِمُّ عَلى ظاهِرِ كَلامِ النُّحاةِ مِن أنَّهُ لا بُدَّ في المَفْعُولِ مَعَهُ مِنَ المُصاحَبَةِ في مَعْمُولِيَّةِ الفِعْلِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ المَحْذُورُ، وهو أنَّهم نَقَمُوا كَوْنَ أكْثَرِهِمْ فاسِقِينَ، نَعَمْ، يَصِحُّ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ حَيْثُ اكْتُفى في المَفْعُولِ مَعَهُ بِالمُقارَنَةِ في الوُجُودِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِمْ: سِرْتُ والنِّيلَ، وجِئْتُكَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ، وبَحْثٌ فِيهِ، بِأنَّ ذَلِكَ الِاشْتِراطَ في المَفْعُولِ مَعَهُ لا يُوجِبُ الِاشْتِراطَ في كُلِّ واوٍ بِمَعْنى مَعَ، فَلْيَكُنِ الواوُ بِمَعْنى مَعَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ لِانْتِفاءِ شَرْطِهِ وهو مُصاحَبَتُهُ مَعْمُولَ الفِعْلِ، بَلْ يَكُونُ لِلْعَطْفِ.
وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ ( وأنَّ أكْثَرَكم ) إلَخْ، في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ، أيْ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ؛ لِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ.
وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ( وإنَّ أكْثَرَكم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ أكْثَرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ، والمُرادُ بِالأكْثَرِ مَن لَمْ يُؤْمِن وما آمَنَ مِنهم إلا قليل.
{"ayah":"قُلۡ یَـٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّاۤ إِلَّاۤ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡنَا وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَـٰسِقُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











