الباحث القرآني
﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مَنصُوبٌ بِـ (اذْكُرْ) عَلى أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ لِبَيانٍ ما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا (لَقالُوا) وفِيهِ عَلى ما قِيلَ حِينَئِذٍ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ادِّعائَهُمُ الإخْلاصَ مَعَ قَوْلِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَحْقِيقٍ مِنهم ولا عَنْ مَعْرِفَةٍ بِاللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهم لَوْ حَقَّقُوا وعَرَفُوا لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إذْ لا يَلِيقُ مِثْلُهُ بِالمُؤْمِنِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَعَقَّبَ هَذا القَوْلَ الحَلَبِيُّ بِأنَّهُ خارِقٌ لِلْإجْماعِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ أحْفَظُهُ في أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ وبِأنَّ وصْفَهم بِالحِوارِيَّيْنِ يُنافِي أنْ يَكُونُوا عَلى الباطِلِ، وبِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّشَبُّهِ بِهِمْ والِاقْتِداءِ بِسُنَّتِهِمْ في قَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ وبِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَدَحَ الزُّبَيْرَ «إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوارِيًّا وإنَّ حَوارِيَّ الزُّبَيْرُ» والتِزامُ القَوْلِ بِأنَّ الحِوارِيِّينَ فِرْقَتانِ مُؤْمِنُونَ وهم خالِصَةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-59)والمَأْمُورُ بِالتَّشَبُّهِ بِهِمْ، وكافِرُونَ وهم أصْحابُ المائِدَةِ، وسُؤالُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نُزُولَ المائِدَةِ وإنْزالَها لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ ولَمْ يُوجَدْ، ومِن ذَلِكَ أُجِيبُ عَنِ الآيَةِ بِأجْوِبَةٍ فَقِيلَ: إنَّ مَعْنى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ هَلْ يَفْعَلُ كَما تَقُولُ لِلْقادِرِ عَلى القِيامِ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَقُومَ؟ مُبالَغَةً في التَّقاضِي ونُقِلَ هَذا القَوْلُ عَنِ الحَسَنِ
والتَّعْبِيرُ عَنِ الفِعْلِ بِالِاسْتِطاعَةِ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسَبِّبِ بِالسَّبَبِ إذْ هي مِن أسْبابِ الإيجادِ وعَلى عَكْسِهِ التَّعْبِيرُ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ بِالفِعْلِ تَسْمِيَةً لِلسَّبَبِ الَّذِي هو الإرادَةُ بِاسْمِ المُسَبِّبِ الَّذِي هو الفِعْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فَيَسْتَطِيعُ بِمَعْنى يُطِيعُ، ويُطِيعُ بِمَعْنى يُجِيبُ مَجازًا، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وذَكَرَ أبُو شامَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عادَ أبا طالِبٍ في مَرَضٍ فَقالَ لَهُ: يا ابْنَ أخِي ادْعُ رَبَّكَ أنْ يُعافِيَنِي فَقالَ: ”اللَّهُمَّ اشْفِ عَمِّي“، فَقامَ كَأنَّما نَشِطَ مِن عِقالٍ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي إنَّ رَبَّكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ يُطِيعُكَ، فَقالَ: ”يا عَمِّ وأنْتَ لَوْ أطَعْتَهُ لَكانَ يُطِيعُكَ“» أيْ يُجِيبُكَ لِمَقْصُودِكَ وحُسْنُ اسْتِعْمالِهِ ﷺ لِذَلِكَ المُشاكَلَةِ وقِيلَ: هَذِهِ الِاسْتِطاعَةُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والإرادَةُ فَكَأنَّهم قالُوا: هَلْ إرادَةُ اللَّهِ تَعالى وحَكَمَتْهُ تَعَلَّقَتْ بِذَلِكَ أوْ لا لِأنَّهُ لا يَقَعُ شَيْءٌ بِدُونِ تَعَلُّقِها بِهِ
واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى الآتِيَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لا يُلائِمُهُ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْ مَثَلِهِ مِمّا هو مِن عُلُومِ الغَيْبِ لا قُصُورَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ سُؤالَهم لِلِاطْمِئْنانِ والتَّثَبُّتِ كَما قالَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: إنْ كُنْتُمْ كامِلِينَ في الإيمانِ والإخْلاصِ، ومَعْنى (نَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا) نَعْلَمُ عِلْمَ مُشاهِدَةٍ وعَيانٍ بَعْدَ ما عَلِمْناهُ عِلْمَ إيمانٍ وإيقانٍ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما يَنْدَفِعُ بِهِ الِاعْتِراضُ
وقَرَأ الكِسائِيُّ وعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعائِشَةُ وابْنُ عَبّاسٍ ومُعاذٌ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ بِالتّاءِ خِطابًا لِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَصْبِ (رَبَّكَ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ
والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ هُناكَ مُضافًا مَحْذُوفًا أيْ سُؤالَ رَبِّكَ أيْ هَلْ تَسْألُهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ صارِفٍ؟، وعَنِ الفارِسِيِّ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرٍ، والمَعْنى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ يَنْزِلَ رَبُّكَ بِدُعائِكَ؟ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اللَّفْظَ لا يُؤَدِّي ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ، والمائِدَةُ في المَشْهُورِ الخِوانُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعامُ مِن مادَ يَمِيدُ إذا تَحَرَّكَ أوْ مِن مادَهُ بِمَعْنى أعْطاهُ فَهي فاعِلَةٌ إمّا بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ كَـ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾، واخْتارَهُ الزَّهْرِيُّ في تَهْذِيبِ اللُّغَةِ أوْ بِجَعْلِها لِلتَّمَكُّنِ مِمّا عَلَيْها كَأنَّها بِنَفْسِها مُعْطِيَةٌ كَقَوْلِهِمْ لِلشَّجَرَةِ المُثْمِرَةِ: مُطْعِمَةٌ، وأجازَ بَعْضُهم أنْ يُقالَ فِيها مَيْدَةٌ واسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الرّاجِزِ:
؎ومَيْدَةٌ كَثِيرَةُ الألْوانِ تُصْنَعُ لِلْجِيرانِ والإخْوانِ،
واخْتارَ المَناوِيُّ أنَّ المائِدَةَ كُلُّ ما يَمِيدُ ويُبْسَطُ، والمُرادُ بِها السُّفْرَةُ وأصْلُها طَعامٌ يَتَّخِذُهُ المُسافِرُ ثُمَّ سُمِّيَ بِها الجِلْدُ المُسْتَدِيرُ الَّذِي تُحْمَلُ بِهِ غالِبًا كَما سُمِّيَتِ المَزادَةُ راوِيَةً، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَسْمِيَةُ الجَلْدِ المَذْكُورِ سُفْرَةً لِأنَّ لَهُ مَعالِيقَ مَتى حَلَّتْ عَنْهُ انْفَرَجَ فَأسْفَرَ عَمّا فِيهِ، وهَذا غَيْرُ الخِوانِ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِها وهو أفْصَحُ، ويُقالُ لَهُ إخْوانٌ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ لِأنَّهُ اسْمٌ لِشَيْءٍ مُرْتَفِعٍ يُهَيَّأُ لِيُؤْكَلَ عَلَيْهِ الطَّعامُ، والأكْلُ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ لَكِنَّهُ جائِزٌ إنْ خَلا مِن قَصْدِ التَّكَبُّرِ، وتُطْلَقُ المائِدَةُ عَلى نَفْسِ الطَّعامِ أيْضًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، و﴿مِنَ السَّماءِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ وأنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمائِدَةٍ أيْ مائِدَةً كائِنَةً مِنَ السَّماءِ، ﴿قالَ﴾ أيْ عِيسى (p-60)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم حِينَ قالُوا ذَلِكَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ مِن أمْثالِ هَذا السُّؤالِ واقْتِراحِ الآياتِ كَما قالَ الزَّجّاجُ وعَنِ الفارِسِيِّ أنَّهُ أمْرٌ لَهم بِالتَّقْوى مُطْلَقًا، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِتَصِيرَ ذَرِيعَةً لِحُصُولِ المَأْمُولِ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾، وقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
211
- بِكَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى وبِصِحَّةِ نُبُوءَتِي أوْ كامِلِينَ في الإيمانِ والإخْلاصِ أوْ إنْ صَدَقْتُمْ في ادِّعاءِ الإيمانِ والإسْلامِ
{"ayah":"إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِیُّونَ یَـٰعِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ هَلۡ یَسۡتَطِیعُ رَبُّكَ أَن یُنَزِّلَ عَلَیۡنَا مَاۤىِٕدَةࣰ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











