الباحث القرآني
﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ أيِ اطُّلِعَ يُقالُ عَثَرَ الرَّجُلُ عَلى الشَّيْءِ عُثُورًا إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ
وقالَ الغُورِيُّ: تَقُولُ عَثَرْتُ إذا اطَّلَعْتُ عَلى ما كانَ خَفِيًّا وهو مَجازٌ بِحَسْبِ الأصْلِ مِن قَوْلِهِمْ: عَثَرَ إذا كَبا. وذَلِكَ أنَّ العاثِرَ يَنْظُرُ إلى مَوْضِعِ عِثارِهِ فَيَعْرِفُهُ ويَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وقالَ اللَّيْثُ: إنَّ مَصْدَرَ عَثَرَ بِمَعْنى اطَّلَعَ العُثُورُ وبِمَعْنى كَبا العِثارُ، وحِينَئِذٍ لا يَخْفى القَوْلُ بِالمَجازِ لِأنَّ اخْتِلافَ المَصْدَرِ يُنافِيهِ فَلا تَتَأتّى تِلْكَ الدَّعْوى إلّا عَلى ما قالَهُ الرّاغِبُ مِنِ اتِّحادِ المَصْدَرَيْنِ، وفي القامُوسِ عَثَرَ كَضَرَبَ ونَصَرَ وعَلِمَ وكَرُمَ عَثْرًا أوْ عَثِيرًا أوْ عِثارًا كَبا. والعُثُورُ الِاطِّلاعُ كالعَثْرِ. وظاهِرُ هَذا أنْ لا مَجازَ. ويُفْهَمُ مِنهُ أيْضًا الِاتِّحادُ في بَعْضِ المَصادِرِ فافْهَمْ، والمُرادُ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ التَّحْلِيفِ ﴿عَلى أنَّهُما﴾ أيِ الشّاهِدَيْنِ الحالِفَيْنِ ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيْ فَعَلا ما يُوجِبُهُ مِن تَحْرِيفٍ وكَتْمٍ بِأنْ ظَهَرَ بِأيْدِيهِما شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ وادَّعَيا اسْتِحْقاقَهُما لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقالَ الجَبائِيُّ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيِ اسْتَحَقّا عُقُوبَةَ إثْمٍ ﴿فَآخَرانِ﴾ أيْ فَرَجُلانِ آخَرانِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ والفاءُ جَزائِيَّةٌ وهي إحْدى مَصُوِّغاتِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ. ولا مَحْذُورَ في الفَصْلِ بِالخَبَرِ بَيْنَ المُبْتَدَإ وصِفَتِهِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾، وقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ، وجُمْلَةُ (يَقُومانِ) صِفَتُهُ والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ أُخْرى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ (يَقُومانِ)، وقِيلَ: هو فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَلْيَشْهَدْ آخَرانِ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ صِفَتُهُ وضَمِيرُ (مَقامَهُما) في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْجُهِ مُسْتَحِقٌّ لِلَّذِينِ اسْتَحَقّا. ولَيْسَ المُرادُ بِمَقامِهِما مَقامَ أداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي تَوَلَّياها ولَمْ يُؤَدِّياها كَما هي بَلْ هو مَقامُ الحَبْسِ والتَّحْلِيفِ و(اسْتَحَقَّ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ وبِها قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وفاعِلُهُ (الأوْلَيانِ)، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ أهْلُ المَيِّتِ ومِنَ الأوْلَيَيْنِ الأقْرَبانِ إلَيْهِ الوارِثانِ لَهُ الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ لِقُرْبِهِما واطِّلاعِهِما وهُما في الحَقِيقَةِ الآخَرانِ القائِمانِ مَقامَ اللَّذَيْنِ اسْتَحَقّا إثْمًا إلّا أنَّهُ أُقِيمَ المُظْهَرُ مَقامَ ضَمِيرِهِما لِلتَّنْبِيهِ عَلى وصْفِهِما بِهَذا الوَصْفِ (p-51)ومَفْعُولُ (اسْتَحَقَّ) مَحْذُوفٌ واخْتَلَفُوا في تَقْدِيرِهِ فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِالشَّهادَةِ لِيُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ، وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ وصِيَّتَهُما، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ما لَهم وتَرِكَتَهُمْ
وقالَ الإمامُ: أنَّ المُرادَ بِـ (الأوْلَيانِ) الوَصِيّانِ اللَّذانِ ظَهَرَتْ خِيانَتُهُما. وسَبَبُ أوْلَوِيَّتِهِما أنَّ المَيِّتَ عَيَّنَهُما لِلْوَصِيَّةِ فَمَعْنى ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ خانَ في مالِهِمْ وجَنى عَلَيْهِمُ الوَصِيّانِ اللَّذانِ عُثِرَ عَلى خِيانَتِهِما. وعَلى هَذا لا ضَرُورَةَ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ المَفْعُولِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ بِبِناءِ اسْتَحَقَّ لِلْمَفْعُولِ. واخْتَلَفُوا في مَرْجِعِ ضَمِيرِهِ والأكْثَرُونَ أنَّهُ الإثْمُ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ الوَرَثَةُ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الإثْمِ عَلَيْهِمْ كِنايَةً عَنِ الجِنايَةِ عَلَيْهِمْ ولاشَكَّ أنَّ الَّذِينَ جُنِيَ عَلَيْهِمْ وارْتُكِبَ الذَّنْبُ بِالقِياسِ إلَيْهِمْ هُمُ الوَرَثَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ الإيصاءُ، وقِيلَ: الوَصِيَّةُ لِتَأْوِيلِها بِما ذُكِرَ، وقِيلَ: المالُ، وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ وكَذا اخْتَلَفُوا في تَوْجِيهِ رَفْعِ (الأوْلَيانِ) فَقِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (آخَرانِ) أيِ الأوْلَيانِ بِأمْرِ المَيِّتِ آخَرانِ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ الإخْبارَ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ وهو مِمّا اتُّفِقَ عَلى مَنعِهِ في مِثْلِهِ، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مُقَدَّرٍ أيْ هُما الآخَرانِ عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن (آخَرانِ)، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ ويَلْزَمُهُ عَدَمُ اتِّفاقِ البَيانِ والمُبِينِ في التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ مَعَ أنَّهم شَرَطُوهُ فِيهِ حَتّى جُوِّزَ تَنْكِيرُهُ، نَعَمْ نُقِلَ عَنْ نَزْرٍ عَدَمُ الِاشْتِراطِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن فاعِلِ (يَقُومانِ)
وكَوْنُ المُبْدَلِ مِنهُ في حُكْمِ الطَّرْحِ لَيْسَ مِن كُلِّ الوُجُوهِ حَتّى يَلْزَمَ خُلُوُّ تِلْكَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا أوْ صِفَةً عَنِ الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ لَوْ طُرِحَ وقامَ هَذا مَقامَهُ كانَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ فَيَكُونُ رابِطًا، وقِيلَ: هو صِفَةُ (آخَرانِ) وفِيهِ وصْفُ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ، والأخْفَشُ أجازَهُ هُنا لِأنَّ النَّكِرَةَ بِالوَصْفِ قَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ، قِيلَ: وهَذا عَلى عَكْسٍ
؎ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
فَإنَّهُ يُؤَوَّلُ فِيهِ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ، وهَذا أُوِّلَ فِيهِ النَّكِرَةُ بِالمَعْرِفَةِ أوْ جُعِلَتْ في حُكْمِها لِلْوَصْفِ، ويُمْكِنُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَكُونَ مِنهُ بِأنْ يَجْعَلَ (الأوْلَيانِ) لِعَدَمِ تَعْيِينِهِما كالنَّكِرَةِ
وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ نائِبُ فاعِلِ (اسْتَحَقَّ) والمُرادُ عَلى هَذا (اسْتَحَقَّ) عَلَيْهِمُ انْتِدابُ (الأوْلَيَيْنِ) مِنهم لِلشَّهادَةِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أوْ إثْمُ الأوْلَيَيْنِ كَما قِيلَ وهو تَثْنِيَةُ الأوْلى قُلِبَتْ ألِفُهُ ياءً عِنْدَها، وفي (عَلى) في (عَلَيْهِمْ) أوْجُهٌ الأوَّلُ أنَّها عَلى بابِها، والثّانِي أنَّها بِمَعْنى (فِي)، والثّالِثُ أنَّهُما بِمَعْنى (مِن)، وفَسَّرَ (اسْتَحَقَّ) بِطَلَبِ الحَقِّ وبِحَقٍّ وغَلَبَ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وخَلَفٌ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ (اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ الأوَّلِينَ) بِبِناءِ (اسْتُحِقَّ) لِلْمَفْعُولِ والأوَّلِينَ جَمْعُ أوَّلَ المُقابِلِ لِلْآخَرِ وهو مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةُ (الَّذِينَ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مِن ضَمِيرِ (عَلَيْهِمْ) أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ ومَعْنى الأوَّلِيَّةِ التَّقَدُّمُ عَلى الأجانِبِ في الشَّهادَةِ، وقِيلَ: التَّقَدُّمُ في الذِّكْرِ لِدُخُولِهِمْ في (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) .
وقَرَأ الحَسَنُ الأوْلانِ بِالرَّفْعِ وهو كَما قَدَّمْنا في (الأوْلَيانِ) وقُرِئَ (الأوَّلَيْنِ) بِالتَّثْنِيَةِ والنَّصْبِ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ (الأوْلَيَيْنِ) بِياءَيْنِ تَثْنِيَةُ أوْلى مَنصُوبًا وقُرِئَ (الأوْلَيْنِ) بِسُكُونِ الواوِ وفَتْحِ اللّامِ جَمْعُ أوْلى كَأعْلَيْنِ وإعْرابُ ذَلِكَ ظاهِرٌ
(فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ) عُطِفَ عَلى (يَقُومانِ) والسَّبَبِيَّةُ ظاهِرَةٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ جَوابُ القَسَمِ والمُرادُ بِالشَّهادَةِ عِنْدَ الكَثِيرِ ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما اليَمِينُ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ وسُمِّيَتِ اليَمِينُ شَهادَةً عَلى ما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ لِأنَّ اليَمِينَ كالشَّهادَةِ عَلى ما يُحْلَفُ عَلَيْهِ أنَّهُ كَذَلِكَ أيْ لِيَمِينِنا عَلى أنَّهُما كاذِبانِ فِيما ادَّعَيا مِنَ الِاسْتِحْقاقِ مَعَ كَوْنِها حَقَّةً صادِقَةً في نَفْسِها أوْلى بِالقَبُولِ مِن يَمِينِهِما مَعَ كَوْنِها كاذِبَةً في نَفْسِها لِما أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لِلنّاسِ اسْتِحْقاقُهُما لِلْإثْمِ ويَمِينُنا مُنَزَّهَةٌ عَنِ الرَّيْبِ والرِّيبَةِ (p-52)وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إنَّما هي لِإمْكانِ قَبُولِ يَمِينِهِما في الجُمْلَةِ بِاعْتِبارِ صِدْقِهِما في ادِّعاءِ تَمَلُّكِهِما لِما ظَهَرَ في أيْدِيهِما، وقِيلَ: إنَّ الشَّهادَةَ عَلى مَعْناها المُتَبادِرِ عِنْدَ الِإطْلاقِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ غَيْرُ ذَلِكَ
وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وما اعْتَدَيْنا﴾ عُطِفَ عَلى الجَوابِ أيْ ما تَجاوَزْنا في شَهادَتِنا الحَقَّ وما اعْتَدَيْنا عَلَيْهِما بِإبْطالِ حَقِّهِما وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾
701
- اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ أيْ إنّا إذا اعْتَدَيْنا فِيما ذُكِرَ لِمَنَ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِسَخَطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ أوْ لِمَنَ الواضِعِينَ الحَقَّ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ومَعْنى الآيَتَيْنِ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُحْتَضِرَ إذا أرادَ الوَصِيَّةَ يَنْبَغِي أنْ يُشْهِدَ عَدْلَيْنِ مِن ذَوِي دِينِهِ أوْ نَسَبِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْهُما بِأنْ كانَ في سَفَرٍ فَآخَرانِ مِن غَيْرِهِمْ ثُمَّ إنْ وقَعَ ارْتِيابٌ في صِدْقِهِما أقْسَما عَلى صِدْقِ ما يَقُولانِ بِالتَّغْلِيظِ في الوَقْتِ، فَإنَّ اطَّلَعَ عَلى كَذِبِهِما بِأمارَةٍ حَلَفَ آخَرانِ مِن أهْلِ المَيِّتِ، وادُّعِيَ أنَّ الحُكْمَ مَنسُوخٌ إذا كانَ الِاثْنانِ شاهِدَيْنِ فَإنَّهُ يَحْلِفُ الشّاهِدُ ولا يُعارَضُ يَمِينُهُ بِيَمِينِ الوارِثِ، وقِيلَ: إنَّ التَّحْلِيفَ لَمْ يُنْسَخْ لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالرِّيبَةِ
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يُحَلِّفُ الشّاهِدَ والرّاوِيَ إذا اتَّهَمَهُما، وفي بَعْضِ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ الشّاهِدَ إنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُزَكِّيهِ يَجُوزُ تَحْلِيفُهُ احْتِياطًا، وهَذا خِلافُ المُفْتى بِهِ كَما بُسِطَ في مَحِلِّهِ، وكَذا ادَّعى البَعْضُ النَّسْخَ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشّاهِدَيْنِ في السَّفَرِ غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ لِأنَّ شَهادَةَ الكافِرِ عَلى المُسْلِمِ لا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، ورَوى حَدِيثَ النَّسْخِ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ بَعْضُهم: لا نَسْخَ وأجازَ شَهادَةَ الذِّمِّيِّ عَلى المُسْلِمِ في هَذِهِ الصُّورَةِ
ورُوِيَ عَنِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ حَكَمَ لَمّا كانَ والِيًا عَلى الكُوفَةِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ بِشَهادَةِ ذِمِّيَّيْنِ بَعْدَ تَحْلِيفِهِما في وصِيَّةِ مُسْلِمٍ في السَّفَرِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وقالَ آخَرُونَ: الِاثْنانِ وصِيّانِ وحُكْمُ تَحْلِيفِهِما إذا ارْتابَ الوَرَثَةُ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وما أفادَتْهُ الآيَةُ مِن رَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ لَيْسَ مِن حَيْثُ أنَّهم مُدَّعُونَ وقَدْ ظَهَرَتْ خِيانَةُ الوَصِيَّيْنِ فَرُدَّتِ اليَمِينُ عَلَيْهِما خِلافًا لِلشّافِعِيِّ بَلْ مِن حَيْثُ أنَّهم صارُوا مُدَّعًى عَلَيْهِمْ لِانْقِلابِ الدَّعْوى فَإنَّ الوَصِيَّ المُدَّعى عَلَيْهِ أوَّلًا صارَ مُدَّعِيًا لِلْمِلْكِ والوَرَثَةُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في التَّأْرِيخِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرُ وخَلْقٌ آخَرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بِداءٍ وقِيلَ نِداءٍ بِالنُّونِ فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مَخُوصًا بِالذَّهَبِ فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاللَّهِ تَعالى ما كَتَمْتُما ولا اطَّلَعْتُما ثُمَّ وجَدَ الجامَ بِمَكَّةَ فَقِيلَ اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءَ السَّهْمِيِّ فَحَلَفا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لَشَهادَتُهُما أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وإنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ وأخَذَ الجامَ وفِيهِمْ نَزَلَتْ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ» هَذا وادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الشَّهادَةَ هَهُنا لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْناها المُتَبادِرِ بِوَجْهٍ ولا تُتَصَوَّرَ لِأنَّ شَهادَتَهُما إمّا عَلى المَيِّتِ ولا وجْهَ لَها بَعْدَ مَوْتِهِ وانْتِقالِ الحَقِّ إلى الوَرَثَةِ وحُضُورِهِمْ أوْ عَلى الوارِثِ المُخاصِمِ، وكَيْفَ يَشْهَدُ الخَصْمُ عَلى خَصْمِهِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وذُكِرَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ تُحْمَلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ عَلى الحُضُورِ أوِ الإحْضارِ أيْ إذا حَضَرَ المَوْتُ المُسافِرَ فَلْيَحْضُرْ مَن يُوصِي إلَيْهِ بِإيصالِ مالِهِ لِوارِثِهِ مُسْلِمًا فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَكافِرًا، والِاحْتِياطُأنْ يَكُونا اثْنَيْنِ فَإذا جاءا بِما عِنْدَهُما وحَصَلَ رِيبَةٌ في كَتْمِ بَعْضِهِ فَلْيَحْلِفا لِأنَّهُما مُوَدَّعانِ مُصَدَّقانِ بِيَمِينِهِما فَإنْ وجَدَ ما خانا فِيهِ وادَّعَيا أنَّهُما تَمَلَّكاهُ مِنهُ (p-53)بِشِراءٍ ونَحْوِهِ ولا بَيِّنَةَ لَهُما عَلى ذَلِكَ يَحْلِفُ المُدَّعِي عَلَيْهِ عَلى عَدَمِ العِلْمِ بِما ادَّعَياهُ مِنَ التَّمَلُّكِ، وأنَّهُ مَلَكَ لِمُورِثِهِما لا نَعْلَمُ انْتِقالَهُ عَنْ مِلْكِهِ والشَّهادَةُ الثّانِيَةُ بِمَعْنى العِلْمِ المُشاهَدِ أوْ ما هو بِمَنزِلَتِهِ لِأنَّ الشَّهادَةَ المُعايَنَةُ، فالتَّجَوُّزُ بِها عَنِ العِلْمِ الصَّحِيحِ قَرِيبٌ والشَّهادَةُ الثّالِثَةُ إمّا بِهَذا المَعْنى أوْ بِمَعْنى اليَمِينِ وعَلى هَذا وهو مِمّا أفاضَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ بِبَرَكَةِ كَلامِهِ سُبْحانَهُ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ، ولا إشْكالَ وما ذَكَرُوهُ كُلَّهُ تَكَلُّفٌ لَمْ يَصْفُ مِنَ الكَدَرِ لِذَوْقِ ذائِقٍ وسَبَبُ النُّزُولِ وفِعْلُ الرَّسُولِ ﷺ مُبَيِّنٌ لِما ذُكِرَ انْتَهى
ولَعَلَّ تَخْصِيصَ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَحْلِفانِ بِأحَقِّيَّةِ شَهادَتِهِما عَلى ما قِيلَ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ وإلّا فَإنْ كانَ الوارِثُ واحِدًا حَلَفَ، وإنْ تَعَدَّدَ حَلَفَ المُتَعَدِّدُ كَما بُيِّنَ في الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ إلَخْ مُبِينٌ لِما قَرَّرَهُ فِيهِ بَعْضُ خَفاءٍ إذْ لَيْسَ في الخَبَرِ أنَّ الوارِثَيْنِ حَلَفا عَلى عَدَمِ العِلْمِ وفي غَيْرِهِ ما هو نَصٌّ في الحَلِفِ عَلى الثَّباتِ فَقَدْ رُوِيَ في خَبَرٍ أطْوَلَ مِمّا تَقَدَّمَ «أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ والمُطَّلِبَ بْنَ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيَّيْنِ قاما فَحَلَفا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ العَصْرِ أنَّهُما أيْ تَمِيمًا وعَدِيًّا كَذَبا وخانا نَعَمْ،» قالَ التِّرْمِذِيُّ في الجامِعِ بَعْدَ رِوايَتِهِ لِذَلِكَ الخَبَرِ: إنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ولَيْسَ إسْنادُهُ بِصَحِيحٍ وأيْضًا في حَمْلِ الشَّهادَةِ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ خَفاءٌ وادَّعى هو نَفْسُهُ أنَّ حَمْلَ الشَّهادَةِ عَلى اليَمِينِ بَعِيدٌ لِأنَّها إذا أُطْلِقَتْ فَهي المُتَعارَفَةُ فَتَأمَّلْ فَقَدْ قالالزَّجّاجُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ وقالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أعْضَلُ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ وقالَ الإمامُ: اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ إعْرابًا ونَظْمًا وحُكْمًا، وقالَ المُحَقِّقُ التَّفْتازانِيُّ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْعَبُ ما في القُرْءانِ حُكْمًا وإعْرابًا ونَظْمًا
وقالَ الشِّهابُ: أعْلَمُ أنَّهم قالُوا: لَيْسَ في القُرْآنِ أعْظَمُ إشْكالًا وحُكْمًا وإعْرابًا وتَفْسِيرًا مِن هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها يَعْنِي (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ وقَوْلُهُ تَعالى: (فَإنْ عُثِرَ) إلَخْ حَتّى صَنَّفُوا فِيها تَصانِيفَ مُفْرَدَةً، قالُوا: ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ أحَدٌ مِن عُهْدَتِها، وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الآيَتَيْنِ مَن أعْوَصِ القُرْآنِ حُكْمًا ومَعْنًى وإعْرابًا، وافْتَخَرَ بِما أُتِيَ فِيهِما ولَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ، وسُبْحانَ الخَبِيرِ بِحَقائِقِ
{"ayah":"فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰۤ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّاۤ إِثۡمࣰا فَـَٔاخَرَانِ یَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِینَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَیۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَیَـٰنِ فَیُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَاۤ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَیۡنَاۤ إِنَّاۤ إِذࣰا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











