الباحث القرآني
﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ ودَخَلَ كَلامُ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعَرابِ هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وغِفارٌ وأشْجَعُ والدِّيلُ وأسْلَمُ اسْتَنْفَرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (p-98)حِينَ أرادَ المَسِيرَ إلى مَكَّةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا لِيَخْرُجُوا مَعَهُ حَذِرًا مِن قُرَيْشٍ أنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أوْ يَصُدُّوهُ عَنِ البَيْتِ وأحْرَمَ هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وساقَ مَعَهُ الهَدْيَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُرِيدُ حَرْبًا ورَأى أُولَئِكَ الأعْرابُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَقْبِلُ عَدَدًا عَظِيمًا مِن قُرَيْشٍ وثَقِيفٍ وكِنانَةَ والقَبائِلِ المُجاوِرِينَ مَكَّةَ وهُمُ الأحابِيشُ ولَمْ يَكُنِ الإيمانُ تَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ فَقَعَدُوا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَخَلَّفُوا وقالُوا: نَذْهَبُ إلى قَوْمٍ قَدْ غَزَوْهُ في عُقْرِ دارِهِ بِالمَدِينَةِ وقَتَلُوا أصْحابَهُ فَنُقاتِلُهم وقالُوا: لَنْ يَرْجِعَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا أصْحابُهُ مِن هَذِهِ السَّفْرَةِ فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وأعْلَمَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ واعْتِذارِهِمْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ فَكانَ كَذَلِكَ ( والمُخَلَّفُونَ ) جَمْعُ مُخَلَّفٍ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: هو المَتْرُوكُ في المَكانِ خَلْفَ الخارِجِينَ مِنَ البَلَدِ مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلْفِ وضِدُّهُ المُقَدَّمُ، ( والأعْرابِ ) في المَشْهُورِ سُكّانُ البادِيَةِ مِنَ العَرَبِ لا واحِدَ لَهُ أيْ سَيَقُولُ لَكَ المَتْرُوكُونَ الغَيْرُ الخارِجِينَ مَعَكَ مُعْتَذِرِينَ إلَيْكَ ﴿شَغَلَتْنا﴾ عَنِ الذَّهابِ مَعَكَ ﴿أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ إذْ لَمْ يَكُنْ لَنا مَن يَقُومُ بِحِفْظِ ذَلِكَ ويَحْمِيهِ عَنِ الضَّياعِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الأهْلِ بَعْدَ الأمْوالِ مِن بابِ التَّرَقِّي لِأنَّ حِفْظَ الأهْلِ عِنْدَ ذَوِي الغَيْرَةِ أهَمُّ مِن حِفْظِ الأمْوالِ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ نُوحِ بْنِ بازانَ (شَغَّلَتْنا) بِتَشْدِيدِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ اللَّهَ تَعالى لِيَغْفِرَ لَنا تَخَلُّفَنا عَنْكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَكاسُلٍ في طاعَتِكَ بَلْ لِذَلِكَ الدّاعِي ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ أنَّ كَلامَهم مِن طَرَفِ اللِّسانِ غَيْرُ مُطابِقٍ لِما في الجِنانِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَذِبِهِمْ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَكْذِيبِهِمْ وكَوْنُها بَدَلًا مِن ( سَيَقُولُ ) غَيْرُ ظاهِرٍ، والكَذِبُ راجِعٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِنَ الخَبَرِ عَنْ تَخَلُّفِهِمْ بِأنَّهُ لِضَرُورَةٍ داعِيَةٍ لَهُ وهو القِيامُ بِمَصالِحِهِمُ الَّتِي لا بُدَّ مِنها وعَدَمُ مَن يَقُومُ بِها لَوْ ذَهَبُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا راجِعٌ لِما تَضَمَّنَهُ (اسْتَغْفِرْ) الإنْشاءَ مِنِ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهم مُذْنِبُونَ وأنَّ دُعاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم يُفِيدُهم فائِدَةً لازِمَةً لَهُمْ، أوْ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَذِبًا لَيْسَ لِعَدَمِ مُطابَقَةِ نِسْبَةِ الِاعْتِقادِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ النِّظامُ بَلْ لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ الواقِعَ بِحَسَبِ الِاعْتِقادِ وفُرِّقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عِنْدَ اعْتِذارِهِمْ بِتِلْكَ الأباطِيلِ، والمِلْكُ إمْساكٌ بِقُوَّةٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الضَّبْطِ وهو حِفْظٌ عَنْ حَزْمٍ، ومِنهُ لا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ ومَلَكْتُ العَجِينَ إذا شَدَدْتَ عَجْنَتَهُ، ومَلَكْتُ الشَّيْءَ إذا دَخَلَ تَحْتَ ضَبْطِكَ دُخُولًا تامًّا، وإذا قُلْتَ: لا أمْلِكُ كانَ نَفْيًا لِلِاسْتِطاعَةِ والطّاقَةِ إمْساكًا ومَنعًا، فَأصْلُ المَعْنى هُنا فَمَن يَسْتَطِيعُ لَكم إمْساكَ شَيْءٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ أرادَ بِكم إلَخْ، واللّامُ مِن ( لَكم ) إمّا لِلْبَيانِ أوْ مِن صِلَةِ الفِعْلِ لِأنَّ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ ولِأجْلِهِمْ، و( مِنَ اللَّهِ ) حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ أعْنِي شَيْئًا مُقَدَّمَةٌ، وتَفْسِيرُ المِلْكِ بِالمَنعِ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى لِأنَّهُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ الإمْساكَ والدَّفْعَ فَلا يُمْكِنُهُ المَنعُ ولَيْسَ ذَلِكَ لِجَعْلِهِ مَجازًا عَنْهُ أوْ مُضَمَّنًا إيّاهُ واللّامُ زائِدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ و( مِنَ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِيَمْلِكُ كَما قِيلَ، والمُرادُ بِالضُّرِّ والنَّفْعِ ما يَضُرُّ وما يَنْفَعُ فَهُما مَصْدَرانِ مُرادٌ بِهِما الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ أوْ مُؤَوَّلانِ بِالوَصْفِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ضُرًّا) بِضَمِّ الضّادِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ قُلْ لَهم إذْ لا أحَدٌ يَدْفَعُ ضُرَّهُ ولا نَفْعَهُ تَعالى فَلَيْسَ الشُّغْلُ بِالأهْلِ والمالِ عُذْرًا فَلا ذاكَ يَدْفَعُ الضُّرَّ إنْ أرادَهُ عَزَّ وجَلَّ ولا مُغافَصَةُ العَدُوِّ تَمْنَعُ (p-99)النَّفْعَ إنْ أرادَ بِكم نَفْعًا، وهَذا كَلامٌ جامِعٌ في الجَوابِ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِمْ مِنَ المُبْطِلِينَ وبِجَلالَةِ مَحَلِّ المُحِقِّينَ ثُمَّ تَرَقّى سُبْحانَهُ مِنهُ إلى ما يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِكُلِّ ما تَعْمَلُونَهُ ﴿خَبِيرًا﴾ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ تَخَلُّفَكم وقَصْدَكم فِيهِ ويُجازِيكم عَلى ذَلِكَ،
{"ayah":"سَیَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَاۤ أَمۡوَ ٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ یَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَیۡسَ فِی قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن یَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَیۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرَۢا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











