الباحث القرآني

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن حِكايَةِ شَناعَتِهِمُ السّابِقَةِ إلى حِكايَةِ ما هو أشْنَعُ مِنها وهو الكَذِبُ عَمْدًا عَلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الكَذِبَ خُصُوصًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مُتَّفَقٌ عَلى قُبْحِهِ حَتّى تَرى كُلَّ أحَدٍ يَشْمَئِزُّ مِن نِسْبَتِهِ إلَيْهِ بِخِلافِ السِّحْرِ فَإنَّهُ وإنْ قَبُحَ فَلَيْسَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ حَتّى تَكادَ تُعَدُّ مَعْرِفَتُهُ مِنَ الأُمُورِ المَرْغُوبَةِ، وما في (أمِ) المُنْقَطِعَةِ مِنَ الهَمْزَةِ مَعْنًى لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعَجُّبِ مِن نِسْبَتِهِ إلى الِافْتِراءِ مَعَ قَوْلِهِمْ: هو سِحْرٌ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ( افْتَراهُ ) كَما قالَ أبُو حَيّانَ ﴿لِلْحَقِّ﴾ الَّذِي هو الآياتُ المَتْلُوَّةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لِلْقُرْآنِ الدّالِّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ. ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ عَلى الفَرْضِ ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ عاجَلَنِي اللَّهُ تَعالى بِعُقُوبَةِ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَلا تَقْدِرُونَ عَلى كَفِّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن مُعالَجَتِي ولا تُطِيقُونَ دَفْعَ شَيْءٍ مِن عِقابِهِ سُبْحانَهُ عَنِّي فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ، فَجَوابُ ( إنْ ) في الحَقِيقَةِ مَحْذُوفٌ وهو عاجَلَنِي وما ذُكِرَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ أُقِيمَ مَقامَهُ أوْ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ بِالَّذِي تَأْخُذُونَ فِيهِ مِنَ القَدْحِ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى والطَّعْنِ في آياتِهِ وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا تارَةً وافْتِراءً أُخْرى، واسْتِعْمالُ الإفاضَةِ في الأخْذِ في الشَّيْءِ والشُّرُوعُ فِيهِ قَوْلًا كانَ أوْ فِعْلًا مُجازٌ مَشْهُورٌ، وأصْلُها إسالَةُ الماءِ يُقالُ: أفاضَ الماءَ إذا أسالَهُ، وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن كَوْنِ (ما) مَوْصُولَةً وضَمِيرُ (فِيهِ) عائِدٌ عَلَيْهِ هو الظّاهِرُ وجُوِّزَ كَوْنُ (ما) مَصْدَرِيَّةً وضَمِيرُ ( فِيهِ ) لِلْحَقِّ أوْ لِلْقُرْآنِ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ حَيْثُ يَشْهَدُ لِي سُبْحانَهُ بِالصِّدْقِ والبَلاغِ وعَلَيْكم بِالكَذِبِ والجُحُودِ، وهو وعِيدٌ بِجَزاءِ إفاضَتِهِمْ في الطَّعْنِ في الآياتِ، واسْتُؤْنِفَ لِأنَّهُ في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، و( بِهِ ) في مَوْضِعِ الفاعِلِ- بِكَفى- عَلى أصَحِّ الأقْوالِ، ( وشَهِيدًا ) حالٌ ( وبَيْنِي وبَيْنَكم ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِكَفى ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وعَدَ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لِمَن تابَ وآمَنَ وإشْعارٌ بِحِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ إذْ لَمْ يُعاجِلْهم سُبْحانَهُ بِالعُقُوبَةِ وأمْهَلَهم جَلَّ شَأْنُهُ لِيَتَدارَكُوا أُمُورَهُمْ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب