الباحث القرآني

﴿تُدَمِّرُ﴾ أيْ تُهْلِكُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِن نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ أوْ مِمّا أُمِرَتْ بِتَدْمِيرِهِ ﴿بِأمْرِ رَبِّها﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (تَدْمُرُ) بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ، وقُرِئَ كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّهُ بِالياءِ ورُفِعَ ( كُلٌّ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ ( يُدَمِّرُ ) وهو مِن دَمَّرَ دَمارًا أيْ هَلَكَ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أيْضًا والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ بِها أوِ الضَّمِيرُ مِن ( رَبِّها ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وأرادَ البَيانَ أنَّ لِكُلِّ مُمْكِنٍ وقْتًا مُقَيَّضًا مَنُوطًا بِأمْرِ بارِئِهِ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ ويَكُونُ الضَّمِيرُ مِن ( رَبِّها ) لِكُلِّ شَيْءٍ فَإنَّهُ بِمَعْنى الأشْياءِ وفي ذِكْرِ الأمْرِ والرَّبِّ والإضافَةِ إلى الرِّيحِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ شَأْنِهِ ( عَزَّ وجَلَّ ) ما لا يَخْفى والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ فَجَأتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهم فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم وجَعَلَها بَعْضُهم فاءَ التَّعْقِيبِ عَلى القَوْلِ بِإضْمارِ القَوْلِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى وادَّعى أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ حَقِيقَةً بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ سُرْعَةِ اسْتِئْصالِهِمْ وحُصُولِ دَمارِهِمْ مِن غَيْرِ رَيْثٍ وهو كَما تَرى، وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَرى) بِتاءِ الخِطابِ ( إلّا مَساكِنَهُمْ) بِالنَّصْبِ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَهم بِحَيْثُ لَوْ حَضَرَ كُلُّ أحَدٍ بِلادَهم لا يَرى إلّا مَساكِنَهم أوْ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ بِخِلافٍ عَنْهُما والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والسُّلَمِيُّ (لا تُرى) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مَضْمُومَةً ( إلّا مَساكِنُهم ) بِالرَّفْعِ وجُمْهُورُ النُّحاةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّأْنِيثُ مَعَ الفَصْلِ بِإلّا إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:(p-27) ؎كَأنَّهُ جَمَلٌ هَمَّ وما بَقِيَتْ إلّا النَّحِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ وقَوْلِ الآخَرِ وعَزاهُ ابْنُ جِنِّيٍّ لِذِي الرُّمَّةِ أيْضًا: ؎بَرى النَّحْزَ والأجْرالَ ما في غُرُوضِها ∗∗∗ وما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ وبَعْضُهم يُجِيزُهُ مُطْلَقًا وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ في مَحَلِّهِ، وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ (لا يُرى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ ( إلّا مَسْكَنُهُمْ) بِالتَّوْحِيدِ والرَّفْعِ ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْمَشِ ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وقُرِئَ (لا تَرى) بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ ( إلّا مَسْكَنَهُمْ) مُفْرَدًا مَنصُوبًا وهو الواحِدُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ أوْ مَصْدَرٌ حُذِفَ مُضافُهُ أيْ آثارَ سُكُونِهِمْ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ السَّحابِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾ الآيَةَ أوَّلُ ما عَرَفُوا أنَّهُ عَذابٌ ما رَأوْا ما كانَ خَراجًا مِن رِحالِهِمْ ومَواشِيهِمْ يَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ فَدَخَلُوا بُيُوتَهم وأغْلَقُوا أبْوابَهم فَجاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أبْوابَهم ومالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ فَكانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا لَهم أنِينٌ فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرَّمْلَ وطَرَحَتْهم في البَحْرِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ﴾ . ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ مَن أبْصَرَ العَذابَ امْرَأةٌ مِنهم رَأتْ رِيحًا فِيها كَشُهُبِ النّارِ، ورُوِيَ أنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أحَسَّ بِالرِّيحِ خَطَّ عَلى نَفْسِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ خَطًّا إلى جَنْبِ عَيْنٍ تَنْبُعُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَزَلَ ومَن مَعَهُ في حَظِيرَةٍ ما يُصِيبُهم مِنَ الرِّيحِ إلّا ما يَلِينُ بِهِ الجُلُودُ وتَلَذُّهُ الأنْفُسُ، وأنَّها لَتَمُرُّ مِن عادٍ بِالظَّعْنِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وتَدْمَغُهم بِالحِجارَةِ، وكانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ تَجِيءُ بِالرَّجُلِ الغائِبِ، ومَرَّ في سُورَةِ الأعْرافِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ ما مَرَّ فارْجِعْ إلَيْهِمْ إنْ أرَدْتَهُ، ولِما أصابَهم مِنَ الرِّيحِ ما أصابَهم كانَ ﷺ يَدْعُو إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ. أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «(كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ وأعُوذُ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ فَإذا أخْيَلَتِ السَّماءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخَرَجَ ودَخَلَ وأقْبَلَ وأدْبَرَ فَإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ فَسَألَتْهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا أدْرِي لَعَلَّهُ كَما قالَ قَوْمُ عادٍ هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا)».
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب