الباحث القرآني

﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ بَعْدَ دُخُولِهِمُ اَلْجَنَّةَ حَيْثُما أمَرُوا بِهِ ﴿بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ كَذَلِكَ، والصِّحافُ جَمْعُ صَحْفَةٍ قِيلَ هي كالقَصْعَةِ، وقِيلَ: أعْظَمُ أوانِي اَلْأكْلِ اَلْجَفْنَةُ ثُمَّ اَلْقَصْعَةُ ثُمَّ اَلصَّحْفَةُ ثُمَّ اَلْكَيْلَةُ. والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ وهو كُوزٌ لا عُرْوَةَ لَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ لا أُذُنَ لَهُ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ دُونَ اَلْإبْرِيقِ، وقالَ: بَلَغَنا أنَّهُ مُدَوَّرُ اَلرَّأْسِ ولَمّا كانَتْ أوانِي اَلْمَأْكُولِ أكْثَرَ بِالنِّسْبَةِ لِأوانِي اَلْمَشْرُوبِ عادَةً جَمْعَ اَلْأوَّلَ جَمْعَ كَثْرَةٍ والثّانِيَ جَمْعَ قِلَّةٍ، وقَدْ تَظافَرَتِ اَلْأخْبارُ بِكَثْرَةِ اَلصِّحافِ، أخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُبارَكِ. وابْنُ أبِي اَلدُّنْيا في صِفَةِ اَلْجَنَّةِ. والطَّبَرانِيُّ في اَلْأوْسَطِ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ أسْفَلَ أهْلِ اَلْجَنَّةِ أجْمَعِينَ دَرَجَةً لِمَن يَقُومُ عَلى رَأْسِهِ عَشَرَةُ آلافِ خادِمٍ بِيَدِ كُلِّ واحِدٍ صَحْفَتانِ واحِدَةٌ مِن ذَهَبٍ والأُخْرى مِن فِضَّةٍ في كُلِّ واحِدَةٍ لَوْنٌ لَيْسَ في اَلْأُخْرى مِثْلُهُ يَأْكُلُ مِن آخِرِها مِثْلَ ما يَأْكُلُ مِن أوَّلِها يَجِدُ لِآخِرِها مِنَ اَلطِّيبِ واللَّذَّةِ مِثْلَ اَلَّذِي يَجِدُ لِأوَّلِها ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ كَرَشْحِ اَلْمِسْكِ اَلْأذْفَرِ لا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ ولا يَمْتَخِطُونَ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ)» وفي حَدِيثٍ رَواهُ عِكْرِمَةُ «(إنَّ أدْنى أهْلِ اَلْجَنَّةِ مَنزِلَةً وأسْفَلَهم دَرَجَةً لَرَجُلٌ لا يَدْخُلُ بَعْدَهُ أحَدٌ يُفْسَحُ لَهُ في بَصَرِهِ مَسِيرَةُ عامٍ في قُصُورٍ مِن ذَهَبٍ وخِيامٍ مِن لُؤْلُؤٍ لَيْسَ فِيها مَوْضِعَ شِبْرٍ إلّا مَعْمُورٌ يُغْدى عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ ويُراحُ بِسَبْعِينَ ألِفَ صَحْفَةٍ في كُلِّ صَحْفَةٍ لَوْنٌ لَيْسَ في اَلْأُخْرى مِثْلُهُ شَهْوَتُهُ في آخِرِها كَشَهْوَتِهِ في أوَّلِها لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ جَمِيعُ أهْلِ اَلْأرْضِ لَوَسِعَ عَلَيْهِمْ مِمّا أُعْطِي لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِمّا أُوتِيَ شَيْئًا)» ورَوى اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ هَذا اَلْعَدَدَ عَنْ كَعْبٍ أيْضًا، وإذا كانَ ذَلِكَ لِلْأدْنى فَما ظَنُّكَ بِالأعْلى، رَزَقَنا اَللَّهُ تَعالى ما يَلِيقُ بِجُودِهِ وكَرَمِهِ. وأمالَ أبُو اَلْحَرْثِ عَنِ اَلْكِسائِيِّ كَما ذَكَرَ اِبْنُ خالَوَيْهِ بِصِحافٍ ﴿وفِيها﴾ أيْ في اَلْجَنَّةِ ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ مِن فُنُونِ اَلْمَلاذِّ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ أيْ تَسْتَلِذُّ وتَقَرُّ بِمُشاهَدَتِهِ، وذِكْرُ ذَلِكَ اَلشّامِلِ لِكُلِّ لَذَّةٍ ونَعِيمٍ بَعْدَ ذِكْرِ اَلطَّوافِ عَلَيْهِمْ بِأوانِي اَلذَّهَبِ اَلَّذِي هو بَعْضٌ مِنَ اَلتَّنَعُّمِ والتَّرَفُّهِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ كَما أنَّ ذِكْرَ لَذَّةِ اَلْعَيْنِ اَلَّتِي هي جاسُوسُ اَلنَّفْسِ بَعْدَ اِشْتِهاءِ اَلنَّفْسِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وقالَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ بِصِحافٍ دَلَّ عَلى اَلْأطْعِمَةِ ﴿وأكْوابٍ﴾ عَلى اَلْأشْرِبَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ عَلى اَلْمَنكَحِ والمَلْبَسِ وما يَتَّصِلُ بِهِما لِيَتَكامَلَ جَمِيعُ اَلْمُشْتَهَياتِ اَلنَّفْسانِيَّةِ فَبَقِيَتِ اَللَّذَّةُ اَلْكُبْرى وهي اَلنَّظَرُ إلى وجْهِ اَللَّهِ تَعالى اَلْكَرِيمِ (p-99)فَكُنِّيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ ولِهَذا قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ اَلنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ: «(حُبِّبَ إلَيَّ اَلطِّيبُ والنِّساءُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في اَلصَّلاةِ)» وقالَ قَيْسُ بْنُ مُلَوَّحٍ: ؎ولَقَدْ هَمَمْتُ بِقَتْلِها مِن حُبِّها كَيْما تَكُونَ خَصِيمَتِي في اَلْمَحْشَرِ ؎حَتّى يَطُولَ عَلى اَلصِّراطِ وُقُوفُنا ∗∗∗ وتَلَذُّ عَيْنِي مِن لَذِيذِ اَلْمَنظَرِ ويُوافِقُ هَذا قَوْلُ اَلْإمامِ جَعْفَرٍ اَلصّادِقِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ: شَتّانَ بَيْنَ ما تَشْتَهِي اَلْأنْفُسُ وبَيْنَ ما تَلَذُّ اَلْأعْيُنُ لِأنَّ جَمِيعَ ما في اَلْجَنَّةِ مِنَ اَلنَّعِيمِ والشَّهَواتِ في جَنْبِ ما تَلَذُّ اَلْأعْيُنُ كَأُصْبُعٍ تُغْمَسُ في اَلْبَحْرِ لِأنَّ شَهَواتِ اَلْجَنَّةِ لَها حَدٌّ ونِهايَةٌ لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ ولا تَلَذُّ عَيْنٌ في اَلدّارِ اَلْباقِيَةِ إلّا بِالنَّظَرِ إلى اَلْباقِي جَلَّ وعَزَّ ولا حَدَّ لِذَلِكَ ولا صِفَةَ ولا نِهايَةَ اِنْتَهى، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ اَلْمَعْنى عَلى اِعْتِبارِ وفِيها ما تَلَذُّ اَلْأعْيُنُ وعَلى ذَلِكَ بَنى اَلزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: هَذا حَصْرٌ لِأنْواعِ اَلنِّعَمِ لِأنَّها إمّا مُشْتَهاةٌ في اَلْقُلُوبِ أوْ مُسْتَلَذَّةٌ في اَلْأعْيُنِ، وتَعَقَّبَهُ في اَلْكَشْفِ فَقالَ: فِيهِ نَظَرٌ لِانْتِقاضِهِ بِمُسْتَلَذّاتِ سائِرِ اَلْمَشاعِرِ اَلْخَمْسِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّها مِنَ اَلْقِسْمِ اَلْأوَّلِ قُلْنا: مُسْتَلَذُّ اَلْعَيْنِ كَذَلِكَ فالوَجْهُ أنَّهُ ذُكِرَ تَعْظِيمًا لِنَعِيمِها بِأنَّهُ مِمّا يَتَوافَقُ فِيهِ اَلْقَلْبُ والعَيْنُ وهو اَلْغايَةُ عِنْدَهم في اَلْمَحْبُوبِ لِأنَّ اَلْعَيْنَ مُقَدِّمَةُ اَلْقَلْبِ وهَذا قَوْلٌ بِأنَّهُ لَيْسَ في اَلْجُمْلَةِ اَلثّانِيَةِ اِعْتِبارُ مَوْصُولٍ آخَرَ بَلْ هي والجُمْلَةُ قَبْلَها صِلَتانِ لِمَوْصُولٍ واحِدٍ وهو اَلْمَذْكُورُ، وما تَقَدَّمَ هو اَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ اَلْأكْثَرِينَ، وحَذْفُ اَلْمَوْصُولِ في مِثْلِ ذَلِكَ شائِعٌ، ولا مانِعَ مِن إدْخالِ اَلنَّظَرِ إلى وجْهِهِ تَعالى اَلْكَرِيمِ فِيما تَلَذُّ اَلْأعْيُنُ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، و(ألْ) في اَلْأنْفُسِ والأعْيُنِ لِلِاسْتِغْراقِ عَلى ما قِيلَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ جَمْعِ اَلْقِلَّةِ والكَثْرَةِ. ولَعَلَّ مَن يَقُولُ: بِأنَّ اِسْتِغْراقَ اَلْمُفْرَدِ أشْمَلُ مِنَ اِسْتِغْراقِ اَلْجَمْعِ ويَفْرِقُ بَيْنَ اَلْجَمْعَيْنِ في اَلْمَبْدَأِ والمُنْتَهى يَقُولُ: بِأنَّ اِسْتِغْراقَ جَمْعِ اَلْقِلَّةِ أشْمَلُ مِنَ اِسْتِغْراقِ جَمْعِ اَلْكَثْرَةِ، وقِيلَ: هي لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: عِوَضٌ عَنِ اَلْمُضافِ إلَيْهِ أيْ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهُمْ، وجَمْعُ اَلنَّفْسِ والعَيْنِ اَلْباصِرَةِ عَلى أفْعُلٍ في كَلامِهِمْ أكْثَرُ مِن جَمْعِهِما عَلى غَيْرِهِ بَلْ لَيْسَ في اَلْقُرْآنِ اَلْكَرِيمِ جَمْعُ اَلْباصِرَةِ إلّا عَلى ذَلِكَ، وما أنْسَبَ هَذا اَلْجَمْعَ هُنا لِمَكانِ ﴿الأخِلاءُ﴾ وحَمْلُ ما تَشْتَهِيهِ اَلنَّفْسُ عَلى اَلْمَنكَحِ والمَلْبَسِ وما يَتَّصِلُ بِهِما خِلافُ اَلظّاهِرِ. وفِي اَلْأخْبارِ أيْضًا ما هو ظاهِرٌ في اَلْعُمُومِ، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ. واَلتِّرْمِذِيُّ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «(جاءَ رَجُلٌ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: هَلْ في اَلْجَنَّةِ خَيْلٌ فَإنَّها تُعْجِبُنِي؟ قالَ: إنْ أحْبَبْتَ ذَلِكَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ فَتَطِيرَ بِكَ في اَلْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّ اَلْإبِلَ تُعْجِبُنِي فَهَلْ في اَلْجَنَّةِ مِن إبِلٍ؟ فَقالَ: يا عَبْدَ اَللَّهِ إنْ أُدْخِلْتَ اَلْجَنَّةَ فَلَكَ فِيها ما تَشْتَهِي نَفْسُكَ ولَذَّتْ عَيْنُكَ)» . وأُخْرِجَ أيْضًا نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ وقالَ: هو أصَحُّ مِنَ اَلْأوَّلِ، وجاءَ نَحْوُهُ أيْضًا في رِواياتٍ أُخَرَ فَلا يَضُرُّهُ ما قِيلَ مِن ضَعْفِ إسْنادِهِ، ولا يُشْكِلُ عَلى اَلْعُمُومِ أنَّ اَللُّواطَةَ مَثَلًا لا تَكُونُ في اَلْجَنَّةِ لِأنَّ ما لا يَلِيقُ أنْ يَكُونَ فِيها لا يُشْتَهى بَلْ قِيلَ في خُصُوصِ اَللُّواطَةِ أنَّهُ لا يَشْتَهِيها في اَلدُّنْيا اَلْأنْفُسُ اَلسَّلِيمَةُ. واخْتَلَفَ اَلنّاسُ هَلْ يَكُونُ في اَلْجَنَّةِ حَمْلٌ أمْ لا فَذَهَبَ بَعْضٌ إلى اَلْأوَّلِ، فَقَدْ أخْرَجَ اَلْإمامُ أحْمَدُ. وهَنّادٌ. والدّارِمِيُّ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ ماجَهْ. وابْنُ حِبّانَ. واَلتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ. والبَيْهَقِيُّ في اَلْبَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ قالَ: «(قُلْنا يا رَسُولَ اَللَّهِ إنَّ اَلْوَلَدَ مِن قُرَّةِ اَلْعَيْنِ وتَمامِ اَلسُّرُورِ فَهَلْ يُولَدُ لِأهْلِ اَلْجَنَّةِ؟ فَقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ اَلْمُؤْمِنَ إذا اِشْتَهى اَلْوَلَدُ في اَلْجَنَّةِ كانَ حَمْلُهُ ووَضْعُهُ وسِنُّهُ في ساعَةٍ كَما يَشْتَهِي)». (p-100)وذَهَبِ طاوُسٌ. وإبْراهِيمُ اَلنَّخْعِيُّ. ومُجاهِدٌ. وعَطاءٌ. وإسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ إلى اَلثّانِي. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي رَزِينٍ اَلْعَقِيلِيِّ عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(إنَّ أهْلَ اَلْجَنَّةِ لا يَكُونُ لَهم ولَدٌ)» وفي حَدِيثِ لَقِيطٍ اَلطَّوِيلِ اَلَّذِي رَواهُ عَبْدُ اَللَّهِ اِبْنُ اَلْإمامِ أحْمَدَ. وأبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرٍو. وأبُو أحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ إبْراهِيمَ. والطَّبَرانِيُّ. وابْنُ حِبّانَ. ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ اِبْنِ مَندَهْ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ. وأبُو نُعَيْمٍ. وجَماعَةٌ مِنَ اَلْحُفّاظِ وتَلَقّاهُ اَلْأئِمَّةُ بِالقَبُولِ وقالَ فِيهِ اِبْنُ مَندَهْ: لا يُنْكِرُ هَذا اَلْحَدِيثَ إلّا جاحِدٌ أوْ جاهِلٌ أوْ مُخالِفٌ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ قُلْتُ: «(يا رَسُولَ اَللَّهِ أوَلَنا فِيها- يَعْنِي اَلْجَنَّةَ- أزْواجٌ أوَمِنهُنَّ مُصْلِحاتٌ؟ قالَ: اَلْمُصْلِحاتُ لِلْمُصْلِحِينَ تَلْذَذُونَهُنَّ ويَلْذُذْنَكم مِثْلَ لَذّاتِكم في اَلدُّنْيا غَيْرَ أنْ لا تَوالُدَ)» . وقالَ مُجاهِدٌ. وعَطاءٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ مُطَهَّرَةٌ مِنَ اَلْوَلَدِ والحَيْضِ والغائِطِ والبَوْلِ ونَحْوِها، وقالَ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ اَلسّابِقِ: إنَّهُ عَلى مَعْنى إذا اِشْتَهى اَلْمُؤْمِنُ اَلْوَلَدَ في اَلْجَنَّةِ كانَ حَمْلُهُ ووَضْعُهُ وسِنُّهُ في ساعَةٍ كَما يَشْتَهِي ولَكِنْ لا يَشْتَهِي، وتُعُقِّبَ بِأنَّ (إذا) لِمُتَحَقِّقِ اَلْوُقُوعِ ولَوْ أُرِيدَ ما ذُكِرَ لَقِيلَ: لَوِ اِشْتَهى، وفي حادِي اَلْأرْواحِ إسْنادُ حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ عَلى شَرْطِ اَلصَّحِيحِ فَرِجالُهُ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِيهِ ولَكِنَّهُ غَرِيبٌ جِدًّا. وقالَ اَلسَّفارِينِيُّ في اَلْبُحُورِ اَلزّاخِرَةِ: حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ أجْوَدُ أسانِيدِهِ إسْنادُ اَلتِّرْمِذِيِّ وقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالغَرابَةِ وأنَّهُ لا يُعْرَفُ إلّا مِن حَدِيثِ أبِي اَلصَّدِيقِ اَلتّاجِيِّ وقَدِ اِضْطَرَبَ لَفْظُهُ فَتارَةً يُرْوى عَنْهُ إذا اِشْتَهى اَلْوَلَدَ وتارَةً أنَّهُ يَشْتَهِي اَلْوَلَدَ وتارَةً أنَّ اَلرَّجُلَ لَيُولَدُ لَهُ، وإذا قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ اَلتَّعْلِيقِ اَلْأعَمِّ مِنَ اَلْمُحَقَّقِ وغَيْرِهِ، ورُجِّحَ اَلْقَوْلُ بِعَدَمِ اَلْوِلادَةِ بِعَشَرَةِ وُجُوهٍ مَذْكُورَةٍ فِيها، وأنا أخْتارُ اَلْقَوْلَ بِالوِلادَةِ كَما نَطَقَ بِها حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ وقَدْ قالَ فِيهِ اَلْأُسْتاذُ أبُو سَهْلٍ فِيما نَقَلَهُ اَلْحاكِمُ: إنَّهُ لا يُنْكِرُهُ إلّا أهْلُ اَلزَّيْغِ، وفِيهِ غَيْرُ إسْنادٍ، ولَيْسَ تَكَوُّنُ اَلْوَلَدِ عَلى اَلْوَجْهِ اَلْمَعْهُودِ في اَلدُّنْيا بَلْ يُكَوَّنُ كَما نَطَقَ بِهِ اَلْحَدِيثُ ومَتى كانَ كَذَلِكَ فَلا يُسْتَبْعَدُ تَكَوُّنُهُ مِن نَسِيمٍ يَخْرُجُ وقْتَ اَلْجِماعِ، وزُعِمَ أنَّ اَلْوَلَدَ إنَّما يُخْلَقُ مِنَ اَلْمَنِيِّ فَحَيْثُ لا مَنِيَّ في اَلْجَنَّةِ كَما جاءَ في اَلْأخْبارِ لا خَلْقَ فِيهِ تَعْجِيزٌ لِلْقُدْرَةِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ ما في حَدِيثِ لَقِيطٍ لِأنَّ اَلْمُرادَ هُناكَ نَفْيُ اَلتَّوالُدِ اَلْمَعْهُودِ في اَلدُّنْيا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ وُقُوعُ غَيْرَ أنْ لا تَوالُدَ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: مِثْلَ لَذّاتِكم في اَلدُّنْيا، ويُقالُ نَحْوُ ذَلِكَ في حَدِيثِ أبِي رَزِينٍ جَمْعًا بَيْنَ اَلْأخْبارِ، ثُمَّ إنَّ اَلتَّوالُدَ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ اَلِاسْتِمْرارِ بَلْ هو تابِعٌ لِلِاشْتِهاءِ ولا يَلْزَمُ اِسْتِمْرارُهُ فالقَوْلُ بِأنَّهُ إنِ اِسْتَمَرَّ لَزِمَ وُجُودُ أشْخاصٍ لا نِهايَةَ لَها وإنِ اِنْقَطَعَ لَزِمَ اِنْقِطاعُ نَوْعٍ مِن لَذَّةِ أهْلِ اَلْجَنَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وما قِيلَ: إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في اَلصَّحِيحِ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(يَبْقى في اَلْجَنَّةِ فَضْلٌ فَيُنْشِئُ اَللَّهُ تَعالى لَها خَلْقًا يُسْكِنُهم إيّاها)» ولَوْ كانَ في اَلْجَنَّةِ إيلادٌ لَكانَ اَلْفَضْلُ لِأوْلادِهِمُ اَلْمُلازِمَةِ فِيهِ مَمْنُوعَةً لِجَوازِ أنْ يُقالَ مَن يَشْتَهِي اَلْوَلَدَ يَشْتَهِي أنْ يَكُونَ مَعَهُ في مَنزِلِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ اَلتَّوالُدَ في اَلدُّنْيا لِحِكْمَةِ بَقاءِ اَلنَّوْعِ وهو باقٍ في اَلْجَنَّةِ بِدُونِ تَوالُدٍ فَيَكُونُ عَبَثًا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ ما اَلْمانِعُ مِن أنْ يَكُونَ هُناكَ لِلَّذَّةِ ونَحْوِها كالأكْلِ والشُّرْبِ فَإنَّهُما في اَلدُّنْيا لِشَيْءٍ وفي اَلْجَنَّةِ لِشَيْءٍ آخَرَ، وبِالجُمْلَةِ ما ذُكِرَ لِتَرْجِيحِ عَدَمِ اَلْوِلادَةِ مِنَ اَلْوُجُوهِ مِمّا لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن لَهُ ذِهْنٌ وجِيهٌ. وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ (ما تَشْتَهِي اَلْأنْفُسُ وتَلَذُّ اَلْأعْيُنُ) بِحَذْفِ اَلضَّمِيرِ اَلْعائِدِ عَلى ما مِنَ اَلْجُمْلَتَيْنِ اَلْمُتَعاطِفَتَيْنِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اَللَّهِ (ما تَشْتَهِيهِ اَلْأنْفُسُ وتَلَذُّهُ اَلْأعْيُنُ) بِالضَّمِيرِ فِيهِما، والقِراءَةُ بِهِ في اَلْأوَّلِ دُونَ اَلثّانِيَةِ لِأبِي جَعْفَرٍ. وشَيْبَةَ. ونافِعٍ. وابْنِ عامِرٍ. وحَفْصٍ ﴿وأنْتُمْ فِيها﴾ أيْ في اَلْجَنَّةِ، وقِيلَ: في اَلْمَلاذِّ (p-101)اَلْمَفْهُومَةِ مِمّا تَقَدَّمَ وهو كَما تَرى ﴿خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ أبَدَ اَلْآبِدِينَ، والجُمْلَةُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ اَلنِّداءِ وهي كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ ونُودُوا بِذَلِكَ إتْمامًا لِلنِّعْمَةِ وإكْمالًا لِلسُّرُورِ فَإنَّ كُلَّ نَعِيمٍ زائِلٍ مُوجِبٌ لِكُلْفَةِ اَلْحِفْظِ وخَوْفِ اَلزَّوالِ ومُسْتَعْقِبٌ لِلتَّحَسُّرِ في ثانِي اَلْأحْوالِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ اَلْقائِلِ: ؎وإذا نَظَرْتَ فَإنَّ بُؤْسًا زائِلًا ∗∗∗ لِلْمَرْءِ خَيْرٌ مِن نَعِيمٍ زائِلِ وعَنِ اَلنَّصْرِآباذِيِّ أنَّهُ إنْ كانَ خُلُودُهم لِشَهْوَةِ اَلْأنْفُسِ ولَذَّةِ اَلْأعْيُنِ فالفَناءُ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ وإنْ كانَ لِفَناءِ اَلْأوْصافِ والِاتِّصافِ بِصِفاتِ اَلْحَقِّ والمَقامِ فِيها عَلى سُرُرِ اَلرِّضا والمُشاهَدَةِ فَأنْتُمْ إذًا أنْتُمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ يَدْخُلُ في عُمُومِ ما تَقَدَّمَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وذَكَرَ بَعْضُهم هُنا أنَّ اَلْخِطابَ هُنا مِن بابِ اَلِالتِفاتِ وأنَّهُ لِلتَّشْرِيفِ. وقالَ اَلطَّيِّبِيُّ: ذُقْ مَعَ طَبْعِكَ اَلْمُسْتَقِيمِ مَعْنى اَلْخِطابِ والِالتِفاتِ وتَقْدِيمِ اَلظَّرْفِ في ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لِتَقِفَ عَلى ما لا يَكْتَنِهُهُ اَلْوَصْفُ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب