الباحث القرآني
﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ وقُرِئَ (يَكادُ) بِالياءِ ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ يَتَشَقَّقُنَّ مِن عَظَمَةِ اَللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ: وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ اَلْحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: تَكادُ اَلسَّمَواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنَ اَلثِّقَلِ، وقِيلَ: مِن دُعاءِ اَلشَّرِيكِ والوَلَدِ لَهُ سُبْحانَهُ كَما في سُورَةِ مَرْيَمَ، وأُيِّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ فَإيرادُ اَلْغَفُورِ اَلرَّحِيمِ بَعْدَ لِأنَّهُمُ اِسْتَوْجَبُوا بِهَذِهِ اَلْمَقالَةِ (p-12)صَبَّ اَلْعَذابِ عَلَيْهِمْ لَكِنَّهُ صُرِفَ عَنْهم لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والآيَةُ عَلَيْهِ وارِدَةٌ لِلتَّنْزِيهِ بَعْدَ إثْباتِ اَلْمالِكِيَّةِ والعَظَمَةِ، والأوَّلُ أوْلى في هَذا اَلْمَقامِ لِأنَّ اَلْكَلامَ مَسُوقٌ لِبَيانِ عَظَمَتِهِ تَعالى وعُلُوِّهِ جَلَّ جَلالُهُ ويُؤَيِّدُهُ تَرْكُ اَلْعاطِفِ، ويَلِيهِ ما رُوِيَ عَنِ اَلْحَبْرِ فَإنَّ اَلْآيَةَ وإنْ تَضَمَّنَتْ عَلَيْهِ اَلْغَرَضَ اَلْمَسُوقَ لَهُ اَلْكَلامُ لَكِنَّ دَلالَتَها عَلَيْهِ بِناءً عَلى اَلْقَوْلِ اَلْأوَّلِ أظْهَرُ.
وقَرَأ اَلْبَصْرِيّانِ. وأبُو بَكْرٍ (يَنْفَطِرْنَ) بِالنُّونِ، والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّ اَلْمُطاوِعَ والمُطاوِعَ مِنَ اَلتَّفْعِيلِ والتَّفَعُّلِ اَلْمَوْضُوعِ لِلْمُبالَغَةِ بِخِلافِ اَلثّانِي فَإنَّهُ اِنْفِعالٌ مُطاوِعٌ لِلثُّلاثِيِّ، ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ ونُونٍ في آخِرِهِ عَلى ما في اَلْكَشّافِ، و(تَنْفَطِرْنَ) بِتاءٍ واحِدَةٍ ونُونٍ عَلى ما في اَلْبَحْرِ عَنِ اِبْنِ خالَوَيْهِ وهو عَلى اَلرِّوايَتَيْنِ شاذٌّ عَنِ اَلْقِياسِ والِاسْتِعْمالِ لِأنَّ اَلْعَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ اَلتَّأْنِيثِ فَلا تَقُولُ اَلنِّساءُ تُقِمْنَ ولا اَلْوالِداتُ تُرْضِعْنَ، والوَجْهُ فِيهِ تَأْكِيدُ اَلتَّأْنِيثِ كَتَأْكِيدِ اَلْخِطابِ في أرَأيْتَكَ ومَثَلِهِ ما رَواهُ أبُو عُمَرَ اَلزّاهِدُ في نَوادِرِ اِبْنِ اَلْأعْرابِيِّ اَلْإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ.
﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ يُبْتَدَأُ اَلتَّفَطُّرُ مِن جِهَتِهِنَّ اَلْفَوْقانِيَّةِ، وتَخْصِيصُها عَلى اَلْأوَّلِ في سَبَبِ اَلتَّفَطُّرِ لِما أنَّ أعْظَمَ اَلْآياتِ وأدُلَّها عَلى اَلْعَظَمَةِ والجَلالِ كالعَرْشِ والكُرْسِيِّ والمَلائِكَةِ مِن تِلْكَ اَلْجِهَةِ ولِذا كانَتْ قِبْلَةَ اَلدُّعاءِ، وعَلى اَلثّالِثِ لِلدَّلالَةِ عَلى اَلتَّفَطُّرِ مِن تَحْتِهِنَّ بِالطَّرِيقِ اَلْأُولى لِأنَّ تِلْكَ اَلْكَلِمَةَ اَلشَّنْعاءَ اَلْواقِعَةَ في اَلْأرْضِ حِينَ أثَّرَتْ مِن جِهَةِ اَلْفَوْقِ فَلِأنْ تُؤَثِّرَ مِن جِهَةِ اَلتَّحْتِ أوْلى، وكَذا عَلى اَلثّانِي لِأنَّ اَلْعادَةَ تَفَطُّرُ سَطْحِ اَلْبَيْتِ مَثَلًا مِن جِهَةِ اَلتَّحْتانِيَّةِ بِحُصُولِ ثِقَلٍ عَلَيْهِ، وقِيلَ: اَلضَّمِيرُ لِلْأرْضِ أيْ لِجِنْسِها فَيَشْمَلُ اَلسَّبْعَ ولِذا جَمَعَ اَلضَّمِيرَ وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ اَلْأخْفَشُ: اَلضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ والمُرادُ مِن فَوْقِ اَلْفِرَقِ والجَماعاتِ اَلْمُلْحِدَةِ، وبِهَذا اَلِاعْتِبارِ أنَّثَ اَلضَّمِيرَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ اَلتَّفَطُّرَ مِن أجْلِ أقْوالِ هاتِيكَ اَلْجَماعاتِ، وفِيهِ ما فِيهِ.
﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يُنَزِّهُونَهُ سُبْحانَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ جَلَّ جَلالُهُ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: يُصَلُّونَ والظّاهِرُ اَلْعُمُومُ في اَلْمَلائِكَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: اَلْمُرادُ بِهِمْ حَمَلَةُ اَلْعَرْشِ ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ بِالسَّعْيِ فِيما يَسْتَدْعِي مُغْفِرَتَهم مِنَ اَلشَّفاعَةِ والإلْهامِ وتَرْتِيبِ اَلْأُمُورِ اَلْمُقَرِّبَةِ إلى اَلطّاعَةِ كالمُعاوَنَةِ في بَعْضِ أُمُورِ اَلْمَعاشِ ودَفْعِ اَلْعَوائِقِ واسْتِدْعاءِ تَأْخِيرِ اَلْعُقُوبَةِ طَمَعًا في إيمانِ اَلْكافِرِ وتَوْبَةِ اَلْفاسِقِ وهَذا يَعُمُّ اَلْمُؤْمِنَ والكافِرَ بَلْ لَوْ فُسِّرَ اَلِاسْتِغْفارُ بِالسَّعْيِ فِيما يَدْفَعُ اَلْخَلَلَ اَلْمُتَوَقَّعَ عَمَّ اَلْحَيَوانَ بَلِ اَلْجَمادَ، وهو فِيما ذُكِرَ مَجازٌ مُرْسَلٌ واسْتِعارَةٌ.
وقالَ اَلسُّدِّيُّ وقَتادَةُ: اَلْمُرادُ بِمَن في اَلْأرْضِ اَلْمُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ والمُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ عَلَيْهِ حَقِيقَتَهُ، وقِيلَ: اَلشَّفاعَةُ.
﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إذْ ما مِن مَخْلُوقٍ إلّا ولَهُ حَظٌّ عَظِيمٌ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى وإنَّهُ سُبْحانَهُ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى قَبُولِ اِسْتِغْفارِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ وأنَّهُ سُبْحانَهُ يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ مِنَ اَلْمَغْفِرَةِ رَحْمَةً، والآيَةُ عَلى كَوْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ لِبَيانِ عَظَمَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ مُقَرِّرَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ومُؤَكَّدَةٌ لِأنَّ تَسْبِيحَ اَلْمَلائِكَةِ وتَنْزِيهَهم لَهُ تَعالى لِمَزِيدِ عَظَمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَظِيمِ جَلالِهِ جَلَّ وعَلا والِاسْتِغْفارُ لِغَيْرِهِمْ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ مِن سَطْوَةِ جَبَرُوتِهِ عَزَّ وجَلَّ والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ﴾ إلَخْ (p-13)عَلى هَذا ظاهِرٌ، وعَلى كَوْنِ تَفَطُّرِ اَلسَّمَواتِ لِنِسْبَةِ اَلْوَلَدِ والشَّرِيكِ بَيانٌ لِكَمالِ قُدْسِهِ تَعالى عَمّا نُسِبَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ تَسْبِيحُهم عَمّا يَقُولُهُ اَلْكَفَرَةُ واسْتِغْفارُهم لِلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ تَبَرَّأُوا عَمّا صَدَرَ مِن هَؤُلاءِ والتَّذْيِيلُ لِلْإشارَةِ إلى سَبَبِ تَرْكِ مُعاجَلَةِ اَلْعَذابِ مَعَ اِسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ وعَمَّمَ بَعْضَ اَلْمُسْتَغْفَرِ لَهم وأدْخَلَ اِسْتِغْفارَ اَلْمَلائِكَةِ في سَبَبِ تَرْكِ اَلْمُعاجَلَةِ
{"ayah":"تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ یَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ یُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَیَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِی ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَاۤ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











