الباحث القرآني
﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ مِن مَهْرَبٍ ومُخَلِّصٍ مِنَ اَلْعَذابِ عَلى ذَلِكَ، وجَعَلُوا اَلْجَزاءَ بِمَنزِلَةِ اَلْإنْشاءِ كالِاسْتِفْهامِ فَكَأنَّهُ تَقَدَّمَ أحَدُ اَلْأُمُورِ اَلسِّتَّةِ ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ: فِيهِ نَظَرٌ لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في اَلْكِتابِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ اَلنَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيَكَ ضَعِيفٌ وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا تَجُوزُ ولا بِحَدِّ اَلْكَلامِ ولا وجْهِهِ إلّا أنَّهُ في اَلْجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ اَلْأوَّلِ فِعْلٌ فَلَمّا ضارَعَ اَلَّذِي لا يُوجِبُهُ كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ اَلْقِراءَةُ اَلْمُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ اَلْكَلامِ ولا وجْهِهِ ولَوْ كانَتْ مِن هَذا اَلْبابِ لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ اَلْآياتِ اَلْمُشْكِلَةِ اِنْتَهى، وخَرَّجَ هو اَلنَّصْبَ في (يَعْلَمَ) عَلى اَلْعَطْفِ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ قالَ: أيْ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ اَلَّذِينَ إلَخْ، وكَمْ مِن نَظِيرٍ لَهُ في اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ إلّا أنَّ ذَلِكَ مِن وُجُودِ حَرْفِ اَلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ .
وقالَ أبُو حَيّانَ: يَبْعُدُ هَذا اَلتَّقْدِيرُ أنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى اَلشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم.
وأُجِيبَ بِأنَّ اَلْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ فالمَقْصُودُ اَلْهَلاكُ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ لِيُظْهِرَ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ تَعالى ويَعْلَمَ اَلَّذِينَ يُجادِلُونَ فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ ويَحْسُنُ ذَلِكَ اَلتَّقْدِيرُ في تَوْجِيهِ اَلنَّصْبِ في (يَعْفُوَ) عَلى ما رُوِيَ عَنْ أهْلِ اَلْمَدِينَةِ إذا خُدِشَ اَلتَّوْجِيهُ اَلسّابِقُ بِما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ فَيُقالُ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مُقَدَّرٍ أيْ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْفُوَ عَنْ كَثِيرٍ، وقِراءَةُ اَلنَّصْبِ في (يَعْلَمَ) هي اَلَّتِي قَرَأ بِها أكْثَرُ اَلسَّبْعَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ. وابْنُ عامِرٍ. وأبُو جَعْفَرٍ. والأعْرَجُ. وشَيْبَةُ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالرَّفْعِ، وقَرَّرَ في اَلْكَشْفِ وجْهَهُ بِأنَّهُ عَلى عَطْفِ يَعْلَمُ عَلى مَجْمُوعِ اَلْجُمْلَةِ اَلشَّرْطِيَّةِ عَلى مَعْنى ومِن آياتِهِ اَلدّالَّةِ عَلى كَمالِ اَلْقُدْرَةِ اَلسُّفُنُ في اَلْبَحْرِ ثُمَّ ذَكَرَ وجْهَ اَلدَّلالَةِ وأنَّها مُسَخَّرَةٌ تَحْتَ أمْرِهِ سُبْحانَهُ تارَةً بِتَضَمُّنِ نَفْعِ مَن فِيها وتارَةً بِالعَكْسِ ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا ويَعْلَمُ اَلَّذِينَ يُعانِدُونَ ولا يَعْتَرِفُونَ بِآياتِ اَللَّهِ تَعالى اَلْباهِرَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ فِيها بِالضَّمِيرِ اَلرّاجِعِ إلى اَلْآيَةِ اَلْمَبْحُوثِ عَنْها شَهادَةً بِأنَّها مِن آياتِ اَللَّهِ تَعالى وزِيادَةً لِلتَّحْذِيرِ وذَمِّ اَلْجِدالِ فِيها ولِيَكُونَ عَلى أُسْلُوبِ اَلْكِنايَةِ عَلى نَحْوِ اَلْعَرَبُ لا تَخْفِرُ اَلذِّمَمَ فَكَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ اَلرِّيحَ وذَكَرَ سَبَبَ اَلدَّلالَةِ صارَ في مَعْنى يَعْلَمُها ويَعْتَرِفُ بِها اَلْمُتَدَبِّرُونَ في آياتِنا اَلْمُسْتَرْشِدُونَ ويَعْلَمُ اَلْمُجادِلُونَ فِيها اَلْمُنْكِرُونَ ما لَهم مِن مَحِيصٍ، وجازَ أنْ يُجْعَلَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ﴾ وتُجْعَلَ هَذِهِ وحْدَها آياتٍ لِتَضَمُّنِها وُجُوهًا مِنَ اَلدَّلالَةِ أُقِيمَتْ مَقامَ اَلْمُضْمَرِ، والمَعْنى ومِن آياتِهِ اَلْجِوارِ ويَعْلَمُ اَلْمُجادِلُونَ فِيها، واعْتُرِضَ بَيْنَ اَلْمَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِبَيانِ وجْهِ اَلدَّلالَةِ لِيَدُلَّ عَلى مُوجِبِ وعِيدِ اَلْمُجادِلِ وعَلى كَوْنِها آيَةً بَلْ آياتٍ، ونُقِلَ عَنْ أنَّ اَلْحاجِبَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلرَّفْعُ بِالعَطْفِ عَلى مَوْضِعٍ اَلْجَزاءِ اَلْمُتَقَدِّمِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ جُمْلَةً لا بِاعْتِبارِ عَطْفِ مُجَرَّدِ اَلْفِعْلِ لِيَجِبَ اَلْجَزْمُ فَتَكُونَ اَلْجُمْلَتانِ مُشْتَرِكَتَيْنِ في اَلْمُسَبَّبِيَّةِ، وفِيهِ بَحْثٌ يُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ (ويَعْلَمْ) بِالجَزْمِ.
وخُرِّجَ عَلى اَلْعَطْفِ عَلى (يَعْفُ) وتَسَبُّبُهُ عَنِ اَلشَّرْطِ بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِ اَلْأخْبارِ عَنْ عِلْمِ اَلْمُجادِلِينَ بِما يَحِلُّ بِهِمْ في (p-45)اَلْمُسْتَقْبَلِ اَلْوَعِيدُ والتَّحْذِيرُ كَما قِيلَ:
؎سَوْفَ تَرى إذا اِنْجَلى اَلْغُبارُ ∗∗∗ أفَرَسٌ تَحْتَكَ أمْ حِمارُ
ومَرْجِعُ اَلْمَعْنى عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ يَعْصِفِ اَلرِّيحَ فَيُغْرِقْ بَعْضًا ويُنْجِ آخَرِينَ عَفْوًا ويُحَذِّرْ جَماعَةً أُخْرى.
واعْتُرِضَ بِأنَّ اَلتَّخْصِيصَ بِالمُجادِلِينَ في هَذا اَلتَّحْذِيرِ غَيْرُ لائِحٍ، وأيْضًا عِلْمُهم بِأنْ لا مَحِيصَ مِن عَذابِ اَللَّهِ تَعالى عَلى تَقْدِيرِ عَصْفِ اَلرِّيحِ بِأهْلِ اَلسُّفُنِ عَلى سَبِيلِ اَلْعِبْرَةِ ولا اِخْتِصاصَ لَها بِهِمْ ولا بِهَذا اَلْمَقْدُورِ خاصَّةً.
وأُجِيبَ عَنِ اَلْأوَّلِ بِأنَّ اَلتَّخْصِيصَ بِالمُجادِلِينَ لِأنَّهم أوْلى بِالتَّحْذِيرِ، وعَنِ اَلْأخِيرِ بِأنَّهُ أُرِيدَ أنَّ اَلْبَرَّ والبَحْرَ لا يُنْجِيانِ مِن بَأْسِهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو تَعْمِيمٌ، واخْتارَ في اَلْكَشْفِ كَوْنَ اَلتَّخْرِيجِ عَلى أنَّ اَلْآيَةَ في اَلْكافِرِينَ بِمَعْنى إنْ يَشَأْ يَعْصِفِ اَلرِّيحَ فَيُغْرِقْ بَعْضَهم ويُنْجِ آخَرِينَ مِنهم عَفْوًا ويَعْلَمُوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ فَلا يَغْتَرُّوا بِالنَّجاةِ والعَفْوِ في هَذِهِ اَلْمَرَّةِ، فالمُجادِلُونَ هُمُ اَلْكَثِيرُ اَلنّاجُونَ أوْ بَعْضُهم وهو عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى﴾، ومِن مَجْمُوعِ ما سَمِعْتَ يَلُوحُ لَكَ ضَعْفُ هَذِهِ اَلْقِراءَةِ ولِهَذا لَمْ يُقْرَأْ بِها في اَلسَّبْعَةِ، والظّاهِرُ عَلى اَلْقِراءاتِ اَلثَّلاثِ أنَّ فاعِلَ (يَعْلَمَ اَلَّذِينَ) وجُمْلَةَ (ما لَهم مِن مَحِيصٍ) سادَةٌ مَسَدَّ اَلْمَفْعُولَيْنِ. وفي اَلدُّرِّ اَلْمَصُونِ أنَّ اَلْجُمْلَةَ في قِراءَةِ اَلرَّفْعِ تَحْتَمِلُ اَلْفِعْلِيَّةَ وتَحْتَمِلُ اَلِاسْمِيَّةَ أيْ وهو يَعْلَمُ اَلَّذِينَ، ولا يَخْفى أنَّ اَلظّاهِرَ عَلى اَلِاحْتِمالِ اَلثّانِي كَوْنُ (اَلَّذِينَ) مَفْعُولًا أوَّلًا والجُمْلَةِ مَفْعُولًا ثانِيًا والفاعِلِ ضَمِيرَهُ تَعالى اَلْمُسْتَتِرَ، وأوْجَبَ بَعْضُهم هَذا عَلى قِراءَةِ اَلْجَزْمِ وعَطْفِ (يَعْلَمَ) عَلى (يَعْفُ) لِئَلّا يَخْرُجَ اَلْكَلامُ عَنِ اَلِانْتِظامِ ويَظْهَرُ قَصْدُ اَلتَّحْذِيرِ لِشُيُوعِ أنَّ عِلْمَ اَللَّهِ تَعالى يَكُونُ كِنايَةً عَنِ اَلْمُجازاةِ وهو كَما تَرى
{"ayah":"وَیَعۡلَمَ ٱلَّذِینَ یُجَـٰدِلُونَ فِیۤ ءَایَـٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِیصࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











