الباحث القرآني

﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ بِالتَّجاوُزِ عَمّا تابُوا عَنْهُ والقَبُولُ يُعَدّى بِعْنَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى اَلْإبانَةِ وبِمِن لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى اَلْأخْذِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ أيْ تُؤْخَذَ، وقِيلَ: اَلْقَبُولُ مُضَمَّنٌ هُنا مَعْنى اَلتَّجاوُزِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ مُتَجاوِزًا عَنْ ذُنُوبِ عِبادِهِ وهو تَكَلُّفٌ. والتَّوْبَةُ أنْ يَرْجِعَ عَنِ اَلْقَبِيحِ والإخْلالِ بِالواجِبِ في اَلْحالِ ويَنْدَمَ عَلى ما مَضى ويَعْزِمَ عَلى تَرْكِهِ في اَلْمُسْتَقْبَلِ (p-36)وزادُوا اَلتَّفَصِّي مِنهُ بِأيِّ وجْهٍ أمْكَنَ إنْ كانَ اَلذَّنْبُ لِعَبْدٍ فِيهِ حَقٌّ وذَلِكَ بِالرَّدِّ إلَيْهِ أوْ إلى وكِيلِهِ أوِ اَلِاسْتِحْلالِ مِنهُ إنْ كانَ حَيًّا وبِالرَّدِّ إلى ورَثَتِهِ إنْ كانَ مَيِّتًا ووَجَدُوا ثَمَّ اَلْقاضِي لَوْ كانَ أمِينًا وهو كالإكْسِيرِ ومَن رَأى اَلْإكْسِيرَ؟ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ يَتَصَدَّقُ عَنْهُ وإلّا يَدْعُ لَهُ ويَسْتَغْفِرُ. وفِي اَلْكَشْفِ اَلتَّفَصِّي داخِلٌ في اَلرُّجُوعِ إذْ لا يَصِحُّ اَلرُّجُوعُ عَنْهُ وهو مُلْتَبِسٌ بِهِ بَعْدُ، واخْتِيرَ أنَّ حَقِيقَتَها اَلرُّجُوعُ وإنَّما اَلنَّدَمُ والعَزْمُ لِيَكُونَ اَلرُّجُوعُ إقْلاعًا ويَتَحَقَّقَ أنَّهُ اَلتَّوْبَةُ اَلَّتِي نَدَبْنا إلَيْها وهو مُوافِقٌ لِما في اَلْإحْياءِ مِن أنَّها اِسْمٌ لِتِلْكَ اَلْحالَةِ بِالحَقِيقَةِ والباقِي شُرُوطُ اَلتَّحَقُّقِ ويُشْتَرَطُ أيْضًا أنْ يَكُونَ اَلْباعِثُ عَلى اَلرُّجُوعِ مَعَ اَلنَّدَمِ والعَزْمِ دِينِيًّا فَلَوْ رَجَعَ لِمانِعٍ آخَرَ مِن ضَعْفِ بَدَنٍ أوْ غُرْمٍ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ اَلتَّوْبَةِ في شَيْءٍ، وأشارَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ إلى ذَلِكَ بِكَوْنِ اَلرُّجُوعِ لِأنَّ اَلْمَرْجُوعَ عَنْهُ قَبِيحٌ وإخْلالٌ بِالواجِبِ وخَرَجَ عَنْهُ ما لَوْ رَجَعَ طَلَبًا لِلثَّناءِ أوْ رِياءً أوْ سُمْعَةً لَأنَّ قُبْحَ اَلْقَبِيحِ مَعْناهُ كَوْنُهُ مُقْتَضِيًا لِلْعِقابِ آجِلًا ولِلذَّمِّ عاجِلًا فَلَوْ رَجَعَ لِما سَبَقَ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا لِذَلِكَ. ورَوى جابِرٌ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: اَللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ وكَبَّرَ فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ وجْهَهُ: إنَّ سُرْعَةَ اَللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ اَلْكَذّابِينَ وتَوْبَتُكَ تَحْتاجُ إلى اَلتَّوْبَةِ فَقالَ يا أمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ: ما اَلتَّوْبَةُ؟ قالَ: اِسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ مَعانٍ عَلى اَلْماضِي مِنَ اَلذُّنُوبِ اَلنَّدامَةُ ولِتَضِيعَ اَلْفَرائِضُ اَلْإعادَةُ ورَدُّ اَلْمَظالِمِ وإذابَةُ اَلنَّفْسِ في اَلطّاعَةِ كَما رَبَّيْتَها في اَلْمَعْصِيَةِ وإذاقَةُ اَلنَّفْسِ مَرارَةَ اَلطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ والبُكاءُ بَدَلَ كُلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَهُ، وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اَلتَّوْبَةُ مَجْمُوعَ هَذِهِ اَلْأُمُورِ فالمُرادُ أكْمَلُ أفْرادِها، ويَحْتَمِلُ أنَّها اِسْمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها والأوَّلُ أظْهَرُ. واخْتُلِفَ في اَلتَّوْبَةِ عَنْ بَعْضِ اَلْمَعاصِي مَعَ اَلْإصْرارِ عَلى اَلْبَعْضِ هَلْ هي صَحِيحَةٌ أمْ لا واَلَّذِي عَلَيْهِ اَلْأصْحابُ أنَّها صَحِيحَةٌ لِظَواهِرِ اَلْآياتِ والأحادِيثِ وصِدْقِ اَلتَّعْرِيفِ عَلَيْها، وأكْثَرُ اَلْمُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّها غَيْرُ صَحِيحَةٍ قالَ أبُو هاشِمٍ مِنهُمْ: لَوْ تابَ عَنِ اَلْقَبِيحِ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا وجَبَ أنْ يَتُوبَ عَنْ كُلِّ اَلْقَبائِحِ وإنْ تابَ عَنْهُ لا لِمُجَرَّدِ قُبْحِهِ بَلْ لِغَرَضٍ آخَرَ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْباعِثُ شِدَّةَ اَلْقُبْحِ أوْ أمْرًا دِينِيًّا آخَرَ وأيْضًا يَجْرِي نَظِيرُ هَذا في فِعْلِ اَلْحَسَنِ بَلْ يُقالُ: لَوْ فَعَلَ اَلْحَسَنَ لِكَوْنِهِ حَسَنًا وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ حَسَنٍ وإنْ فَعَلَهُ لِغَرَضٍ آخَرَ لَمْ يُقْبَلْ وفِيهِ بَحْثٌ. واسْتَدَلَّ اَلْمُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعالى قَبُولُ اَلتَّوْبَةِ واسْتَدَلَّ أهْلُ اَلسُّنَّةِ بِها عَلى عَدَمِ اَلْوُجُوبِ لِمَكانِ اَلتَّمَدُّحِ ولا تَمَدُّحَ بِالواجِبِ، وفِيهِ أيْضًا بَحْثٌ والأنْفَعُ في هَذا اَلْمَقامِ أدِلَّةُ نَفْيِ اَلْوُجُوبِ مُطْلَقًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ صَغائِرِها وكَبائِرِها لِمَن يَشاءُ مِن غَيْرِ اِشْتِراطِ شَيْءٍ كالتَّوْبَةِ لِلْكَبائِرِ واجْتِنابِها لِلصَّغائِرِ. وقالَ اَلطَّيِّبِيُّ: اَلْمَعْنى مِن شَأْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ قَبُولُ اَلتَّوْبَةِ عَنْ عِبادِهِ إذا تابُوا والعَفْوُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ بِمَحْضِ رَحْمَتِهِ أوْ بِشَفاعَةِ شافِعٍ، وقالَ اَلْمُعْتَزِلَةُ: أيْ يَعْفُو عَنِ اَلْكَبائِرِ إذا تِيبَ عَنْها وعَنِ اَلصَّغائِرِ إذا اِجْتُنِبَتِ اَلْكَبائِرُ فالعَفْوُ عَنِ اَلسَّيِّئاتِ عَلَيْهِ أعَمُّ مِن قَبُولِ اَلتَّوْبَةِ لِشُمُولِهِ اَلصَّغائِرَ إذا اِجْتُنِبَتِ اَلْكَبائِرُ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، والظّاهِرُ مَعَ أهْلِ اَلسُّنَّةِ إذْ لا دَلالَةَ في اَلنَّظْمِ اَلْجَلِيلِ عَلى تَخْصِيصِ اَلسَّيِّئاتِ نَعَمِ اَلْمُرادُ بِها غَيْرُ اَلشِّرْكِ بِالإجْماعِ. ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ بِتاءِ اَلْخِطابِ عِنْدَ حَفْصٍ. والأخَوَيْنِ. وعَلْقَمَةَ. وعَبْدِ اَللَّهِ وبِياءِ اَلْغَيْبَةِ عِنْدَ اَلْجُمْهُورِ وعَلى اَلْأوَّلِ فَفِيهِ اِلْتِفاتٌ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يَعْلَمُ اَلَّذِي تَفْعَلُونَهُ كائِنًا ما كانَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازى بِالثَّوابِ والعِقابِ أوْ يُتَجاوَزُ سُبْحانَهُ بِالعَفْوِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ جَلَّ وعَلا اَلْمَبْنِيَّةُ عَلى اَلْحِكَمِ والمَصالِحِ. (p-37)وقِيلَ: يَعْلَمُ ذَلِكَ فَيُجازِي اَلتّائِبَ ويَتَجاوَزُ عَنْ غَيْرِهِ إذا شاءَ سُبْحانَهُ والأوَّلُ أظْهَرُ. وفي اَلْكَشّافِ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَيُثِيبُ عَلى اَلْحَسَناتِ ويُعاقِبُ عَلى اَلسَّيِّئاتِ. وفي اَلْكَشْفِ بَعْدَ نَقْلِهِ هو أيْ قَوْلُهُ تَعالى. ﴿ويَعْلَمُ﴾ إلَخْ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ اَلسّابِقِ يُؤَكِّدُ ما ذَكَرَهُ مِنَ اَلْقَبُولِ والعَفْوِ لِأنَّهُ تَعالى إذا عَلِمَ اَلْعَمَلَيْنِ والعامِلِينَ جازى كُلًّا بِما فَعَلَ فَأوْلى أنْ يُجازِيَ هَؤُلاءِ اَلْمُحْسِنِينَ بِأفْعالِهِمْ، ثُمَّ فِيهِ لُطْفٌ وحَثٌّ عَلى لُزُومِ اَلْحَذَرِ مِنهُ تَعالى والإخْلاصِ لَهُ سُبْحانَهُ في إمْحاضِ اَلتَّوْبَةِ، ونَحْنُ أيْضًا لا نُنْكِرُ أنَّهُ تَذْيِيلٌ فِيهِ تَأْكِيدٌ كَما لا يَخْفى
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب