الباحث القرآني
﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾ عَنِ اَلشُّكْرِ ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ تَكَبَّرَ واخْتالَ عَلى أنَّ اَلْجانِبَ بِمَعْنى اَلنّاحِيَةِ والمَكانِ ثُمَّ نَزَلَ مَكانَ اَلشَّيْءِ وجِهَتَهُ كِنايَةُ مَنزِلَةِ اَلشَّيْءِ نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ وقَوْلُ اَلشّاعِرِ:
؎ذَعَرْتُ بِهِ اَلْقَطا ونُفِيتُ عَنْهُ مَقامَ اَلذِّئْبِ كالرَّجُلِ اَللَّعِينِ
وقَوْلُ اَلْكُتّابِ حَضْرَةُ فُلانٍ ومَجْلِسُهُ اَلْعالِي وكَتَبْتُ إلى جِهَتِهِ وإلى جانِبِهِ اَلْعَزِيزِ يُرِيدُونَ نَفْسَهُ وذاتَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَأى بِنَفْسِهِ ثُمَّ كَنّى بِنَفْسِهِ عَنِ اَلتَّكَبُّرِ والخُيَلاءِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ﴿بِجانِبِهِ﴾ عَطْفُهُ ويَكُونَ عِبارَةً عَنِ اَلِانْحِرافِ والِازْوِرارِ كَما قالُوا: ثَنى عِطْفَهُ وتَوَلّى بِرُكْنِهِ والأوَّلُ مُشْتَمِلٌ عَلى كِنايَتَيْنِ، وضْعِ اَلْجانِبِ مَوْضِعَ اَلنَّفْسِ والتَّعْبِيرِ عَنِ اَلتَّكَبُّرِ اَلْبالِغِ بِنَحْوِ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وهَذا عَلى واحِدَةٍ عَلى ما في اَلْكَشْفِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ اَلْجانِبَ والجَنْبَ حَقِيقَةً كالعِطْفِ في اَلْجارِحَةِ وأحَدَ شِقَّيِ اَلْبَدَنِ مَجازًا في اَلْجِهَةِ فَلا تَغْفُلْ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ نَأى بِجانِبِهِ إنْ نَهَضَ بِهِ وهو عِبارَةٌ عَنِ اَلتَّكَبُّرِ كَشَمَخَ بِأنْفِهِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ ثُمَّ إنَّ اَلتَّعْبِيرَ عَنْ ذاتِ اَلشَّخْصِ بِنَحْوِ اَلْمَقامِ والمَجْلِسِ كَثِيرًا ما يَكُونُ لِقَصْدِ اَلتَّعْظِيمِ والِاحْتِشامِ عَنِ اَلصَّرِيحِ بِالِاسْمِ وهو يَتْرُكُونَ اَلتَّصْرِيحَ بِهِ عِنْدَ (p-5)إرادَةِ تَعْظِيمِهِ قالَ زُهَيْرٌ:
؎فَعَرِّضْ إذا ما جِئْتَ بِالبانِ والحِمى ∗∗∗ وإيّاكَ أنْ تَنْسى فَتَذْكُرَ زَيْنَبا
؎سَيَكْفِيكَ مِن ذاكَ اَلْمُسَمّى إشارَةً ∗∗∗ فَدَعْهُ مَصُونًا بِالجَلالِ مُحَجَّبا
ومِن هُنا قالَ اَلطَّيِّبِيُّ: إنَّ ما هُنا وارِدٌ عَلى اَلتَّهَكُّمِ. وقُرِئَ (ونَآ) بِإمالَةِ اَلْألِفِ وكَسْرِ اَلنُّونِ لِلْإتْباعِ (وناءَ) عَلى اَلْقَلْبِ كَما قالُوا راءَ في رَأى ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ أيْ كَثِيرٍ مُسْتَمِرٍّ مُسْتَعارٍ مِمّا لَهُ عَرْضٌ مُتَّسِعٌ وأصْلُهُ مِمّا يُوصَفُ بِهِ اَلْأجْسامُ وهو أقْصَرُ اَلِامْتِدادَيْنِ وأطْوَلُهُما هو اَلطُّولُ، ويُفْهَمُ في اَلْعُرْفِ مِنَ اَلْعَرِيضِ اَلِاتِّساعُ وصِيغَةُ اَلْمُبالَغَةِ وتَنْوِينُ اَلتَّكْثِيرِ يُقَوِّيانِ ذَلِكَ، ووَصْفُ اَلدُّعاءِ بِما ذُكِرَ يَسْتَلْزِمُ عِظَمَ اَلطُّولِ أيْضًا لِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أزْيَدَ مِنَ اَلْعَرْضِ وإلّا لَمْ يَكُنْ طُولًا، والِاسْتِعارَةُ في كُلٍّ مِنَ اَلدُّعاءِ والعَرِيضِ جائِزَةٌ ولا يَخْفى كَيْفِيَّةُ إجْرائِها.
وذَكَرَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ أنَّ اَلْآياتِ قَدْ تَضَمَّنَتْ ضَرْبَيْنِ مِن طُغْيانِ جِنْسِ اَلْإنْسانِ فالأوَّلَ في بَيانِ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى اَلْجَمْعِ وشِدَّةِ جَزَعِهِ عَلى اَلْفَقْدِ والتَّعْرِيضِ بِتَظْلِيمِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ ﴿هَذا لِي﴾ مُدْمِجًا فِيهِ سُوءَ اِعْتِقادِهِ في اَلْمَعادِ اَلْمُسْتَجْلِبِ لِتِلْكَ اَلْمَساوِئِ كُلِّها، والثّانِيَ في بَيانِ طَيْشِهِ اَلْمُتَوَلِّدِ عَنْهُ إعْجابُهُ واسْتِكْبارُهُ عِنْدَ وُجُودِ اَلنِّعْمَةِ واسْتِكانَتُهُ عِنْدَ فَقْدِها وقَدْ ضُمِّنَ في ذَلِكَ ذَمُّهُ بِشَغْلِهِ عَنِ اَلْمُنْعِمِ في اَلْحالَتَيْنِ، أمّا في اَلْأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا في اَلثّانِي فَلِأنَّ اَلتَّضَرُّعَ جَزَعًا عَلى اَلْفَقْدِ لَيْسَ رُجُوعًا إلى اَلْمُنْعِمِ بَلْ تَأسُّفٌ عَلى اَلْفَقْدِ اَلْمُشْغِلِ عَنِ اَلْمُنْعِمِ كُلَّ اَلْإشْغالِ، وذُكِرَ أنَّ في ذِكْرِ اَلْوَصْفَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَدِيمُ اَلنُّهْيَةِ أيِ اَلْعَقْلِ ضَعِيفُ اَلْمِنَّةِ أيِ اَلْقُوَّةِ فَإنَّ اَلْيَأْسَ والقُنُوطَ يُنافِيانِ اَلدُّعاءَ اَلْعَرِيضَ وأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كالغَرِيقِ اَلْمُتَمَسِّكِ بِكُلِّ شَيْءٍ اِنْتَهى، ومِنهُ يُعْلَمُ جَوابُ ما قِيلَ: كَوْنُهُ يَدْعُو دُعاءً عَرِيضًا مُتَكَرِّرًا يُنافِي وصْفَهُ بِأنَّهُ يَئُوسٌ قُنُوطٌ لِأنَّ اَلدُّعاءَ فَرْعُ اَلطَّمَعِ والرَّجاءِ وقَدِ اعْتُبِرَ في اَلْقُنُوطِ ظُهُورُ أثَرِ اَلْيَأْسِ فَظُهُورُ ما يَدُلُّ عَلى اَلرَّجاءِ يَأْباهُ، وأجابَ آخَرُونَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: اَلْحالُ اَلثّانِي شَأْنُ بَعْضٍ غَيْرِ اَلْبَعْضِ اَلَّذِي حَكى عَنْهُ اَلْيَأْسَ والقُنُوطَ أوْ شَأْنُ اَلْكُلِّ في بَعْضِ اَلْأوْقاتِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ عَلى أنَّ اَلْإيجازَ غَيْرُ اَلِاخْتِصارِ وفَسَّرَهُ لِهَذِهِ اَلْآيَةِ بِحَذْفِ تَكْرِيرِ اَلْكَلامِ مَعَ اِتِّحادِ اَلْمَعْنى والإيجازُ بِحَذْفِ طُولِهِ وهو اَلْإطْنابُ وهو اِسْتِدْلالٌ بِما لا يَدُلُّ إذْ لَيْسَ فِيها حَذْفُ ذَلِكَ اَلْعَرْضِ فَضْلًا عَنْ تَسْمِيَتِهِ
{"ayah":"وَإِذَاۤ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَـٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَاۤءٍ عَرِیضࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











