الباحث القرآني
﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ المُعْجِزاتِ أوِ الآياتِ الواضِحاتِ الشّامِلَةِ لِذَلِكَ ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ ذُكِرَ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ. الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ عَقائِدُهُمُ الزّائِغَةُ وشُبَهُهُمُ الدّاحِضَةُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ وغَيْرِهِما أوْ عَقائِدُهُمُ المُتَعَلِّقَةُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالعِلْمِ عَلى زَعْمِهِمْ لِلتَّهَكُّمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النَّمْلَ: 66] . والمَعْنى أنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ ويَسْتَحْقِرُونَ لَهُ عِلْمَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويَدْفَعُونَ بِهِ البَيِّناتِ. الثّانِي أنَّ المُرادَ بِهِ عِلْمُ الفَلاسِفَةِ والدَّهْرِيِّينَ مِن بَنِي يُونانَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ فَكانُوا إذا سَمِعُوا بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى دَفَعُوهُ وصَغَّرُوا عِلْمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى ما عِنْدَهم مِن ذَلِكَ. وعَنْ سُقْراطَ أنَّهُ سَمِعَ بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ لَهُ: لَوْ هاجَرْتُ إلَيْهِ فَقالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مُهَذَّبُونَ فَلا حاجَةَ لَنا إلى مَن يُهَذِّبُنا. والزَّمانُ مُتَشابِهٌ فَقَدْ رَأيْنا مَن تَرَكَ مُتابَعَةَ خاتَمِ المُرْسَلِينَ ﷺ واسْتَنْكَفَ عَنِ الِانْتِسابِ إلى شَرِيعَةِ أحَدٍ مِنهم فَرَحًا بِما لَحِسَ مِن فَضَلاتِ الفَلاسِفَةِ وقالَ: إنَّ العِلْمَ هو ذاكَ دُونَ ما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. الثّالِثُ أنَّ أصْلَ المَعْنى فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ لَمْ يَفْرَحُوا بِما جاءَهم مِنَ العِلْمِ فَوُضِعُوا مَوْضِعَهُ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ الجَهْلِ ثُمَّ سُمِّيَ ذَلِكَ الجَهْلُ عِلْمًا لِاغْتِباطِهِمْ بِهِ ووَضْعِهِمْ إيّاهُ مَكانَ ما يَنْبَغِي لَهم مِنَ الِاغْتِباطِ بِما جاءَهم مِنَ العِلْمِ، وفِيهِ التَّهَكُّمُ بِفَرْطِ جَهْلِهِمْ والمُبالَغَةُ في خُلُوِّهم مِنَ العِلْمِ، وضَمِيرُ ( فَرِحُوا وعِنْدَهم ) عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ لِلْكَفَرَةِ المُحَدَّثِ عَنْهم.
الرّابِعُ أنْ يُجْعَلَ ضَمِيرُ ( فَرِحُوا ) لِلْكَفَرَةِ وضَمِيرُ ( عِنْدَهم ) لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمُرادُ بِالعِلْمِ الحَقُّ الَّذِي جاءَ المُرْسَلُونَ بِهِ أيْ فَرِحُوا بِما عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ العِلْمِ فَرَحَ ضَحِكٍ مِنهُ واسْتِهْزاءٍ بِهِ، وخُلاصَتُهُ أنَّهُمُ اسْتَهْزَؤُوا (p-92)بِالبَيِّناتِ وبِما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ مِن عِلْمِ الوَحْيِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
الخامِسُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرانِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّ الرُّسُلَ لَمّا رَأوْا جَهْلَ الكَفَرَةِ المُتَمادِي واسْتِهْزاءَهم بِالحَقِّ وعَلِمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ وما يَلْحَقُهم مِنَ العُقُوبَةِ عَلى جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ وشَكَرُوا اللَّهَ تَعالى وحاقَ بِالكافِرِينَ جَزاءَ جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، وحُكِيَ هَذا عَنِ الجُبّائِيِّ.
السّادِسُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرانِ لِلْكُفّارِ، والمُرادُ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ عِلْمُهم بِأُمُورِ الدُّنْيا ومَعْرِفَتُهم بِتَدْبِيرِها كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الرُّومَ: 7] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ [النَّجْمَ: 30] فَلَمّا جاءَهُمُ الرُّسُلُ بِعِلْمِ الدِّياناتِ وهي أبْعَدُ شَيْءٍ مِن عِلْمِهِمْ لِبَعْثِها عَلى رَفْضِ الدُّنْيا والظِّلْفِ عَنِ المَلاذِّ والشَّهَواتِ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها وصَغَّرُوها واسْتَهْزَؤُوا بِها واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا عِلْمَ أنْفَعَ وأجْلَبَ لِلْفَوائِدِ مِن عِلْمِهِمْ فَفَرِحُوا بِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: والأرْجَحُ مِن بَيْنِ هَذِهِ الأوْجُهِ السِّتَّةِ الثّالِثُ فَفِيهِ التَّهَكُّمُ والمُبالَغَةُ في خُلُوِّهِمْ مِنَ العِلْمِ ومُشْتَمِلٌ عَلى ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ وزِيادَةً سالِمٌ عَنْ عَدَمِ الطِّباقِ لِلْواقِعِ كَما في الثّانِي وعَنْ قُصُورِ العِبارَةِ عَنِ الأداءِ كالرّابِعِ وعَنْ فَكِّ الضَّمائِرِ كَما في الخامِسِ، والسّادِسُ قَرِيبٌ لَكِنَّهُ قاصِرٌ عَنْ فَوائِدِ الثّالِثِ. انْتَهى. فَتَأمَّلْهُ جِدًّا. وأبُو حَيّانَ اسْتَحْسَنَ الوَجْهَ السّادِسَ وتَعَقَّبَ الوَجْهَ الثّالِثَ بِأنَّهُ لا يُعَبِّرُ بِالجُمْلَةِ الظّاهِرِ كَوْنُها مُثْبَتَةً عَنِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ إلّا في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ نَحْوَ شَرٌّ أهَرُّ ذا نابٍ عَلى خِلافٍ فِيهِ، ولَما آلَ أمْرُهُ إلى الإثْباتِ المَحْصُورِ جازَ، وأمّا الآيَةُ فَيَنْبَغِي أنْ لا تُحْمَلَ عَلى القَلِيلِ لِأنَّ في ذَلِكَ تَخْلِيطًا لِمَعانِي الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ فَلا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَبايُنَ مَعْنى بَيْنَ لَمْ يَفْرَحُوا بِما جاءَهم مِنَ العِلْمِ و﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ عَلى ما قُرِّرَ. نَعَمْ هَذا الوَجْهُ عِنْدِي مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنٍ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وكَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ
{"ayah":"فَلَمَّا جَاۤءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











