الباحث القرآني

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ لِتَسْتَرِيحُوا فِيهِ بِأنْ أغابَ سُبْحانَهُ فِيهِ الشَّمْسَ فَجَعَلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بارِدًا مُظْلِمًا وجَعَلَ عَزَّ وجَلَّ بَرْدَهُ سَبَبًا لِضَعْفِ القُوى المُحَرِّكَةِ وظُلْمَتَهُ سَبَبًا لِهُدُوِّ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ إلى أشْياءَ أُخْرى جَعَلَها أسْبابًا لِلسُّكُونِ والرّاحَةِ ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ يُبْصِرُ فِيهِ أوْ بِهِ فالنَّهارُ إمّا ظَرْفُ زَمانٍ لِلْإبْصارِ أوْ سَبَبٌ لَهُ. وأيًّا ما كانَ فَإسْنادُ الإبْصارِ لَهُ بِجَعْلِهِ مُبْصِرًا إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ وأنَّهُ بَلَغَ الإبْصارُ إلى حَدٍّ سَرى في نَهارِ المُبْصِرِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ: لِتُبْصِرُوا فِيهِ عَلى طُرُزِ ما وقَعَ في قَرِينِهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ساكِنًا لِيَكُونَ فِيهِ المُبالَغَةُ المَذْكُورَةُ وتَخْرُجَ القَرِينَتانِ مَخْرَجًا واحِدًا في المُبالَغَةِ، قُلْتُ: أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ نِعْمَةَ النَّهارِ أتَمُّ وأعْظَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّيْلِ فَسَلَكَ مَسْلَكَ المُبالَغَةِ فِيها، وتُرِكَتِ الأُخْرى عَلى الظّاهِرِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ النِّعْمَتَيْنِ فَرَسا رِهانٍ فَدَلَّ عَلى فَضْلِ الأُولى بِالتَّقْدِيمِ وعَلى فَضْلِ الأُخْرى بِالمُبالَغَةِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ يُوصَفُ عَلى الحَقِيقَةِ بِالسُّكُونِ فَيُقالُ: لَيْلٌ ساكِنٌ أيْ لا رِيحَ فِيهِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السُّكُونُ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. فَلَوْ قِيلَ: ساكِنًا لَمْ يَتَمَيَّزِ المُرادُ نَظَرًا إلى الإطْلاقِ وإنْ تَمَيَّزَ نَظَرًا إلى قَرِينَةِ التَّقابُلِ. وكانَ رُجْحانُ هَذا الأُسْلُوبِ لِأنَّ الكَلامَ المُحْكَمَ الواضِحَ بِنَفْسِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ هو الأصْلُ لا سِيَّما في خِطابٍ ورَدَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ لِلْخاصَّةِ والعامَّةِ، وهم مُتَفاوِتُونَ في الفَهْمِ والدِّرايَةِ النّاقِصَةِ والتّامَّةِ، وفي الكَشْفِ لَمّا لَمْ يَكُنِ الإبْصارُ عِلَّةً غائِيَّةً في نَفْسِهِ بَلِ العِلَّةُ ابْتِغاءُ الفَضْلِ كَما ورَدَ مُصَرَّحًا بِهِ في سُورَةِ القَصَصِ بِخِلافِ السُّكُونِ والدَّعَةِ في اللَّيْلِ صَرَّحَ بِذَلِكَ في الأوَّلِ ورَمَزَ في الثّانِي مَعَ إفادَةِ نُكْتَةٍ سَرِيَّةٍ في الإسْنادِ المَجازِيِّ. وقالَ الجَلَبِيُّ: إذا حُمِلَتِ الآيَةُ عَلى الِاحْتِباكِ، وقِيلَ: المُرادُ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْتَشِرُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ بِقَرِينَةِ الثّانِيَةِ ومِنَ الثّانِي بِقَرِينَةِ الأوَّلِ لَمْ يَحْتَجَّ إلى ما ذُكِرَ في تَعْلِيلِ تَرْكِ المُبالَغَةِ في القَرِينَةِ الأُولى، وهَذا هو المَشْهُورُ في الآيَةِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ لا يُوازِيهِ فَضْلٌ ولِقَصْدِ الإشْعارِ بِهِ لَمْ يَقُلِ المُفَضَّلُ ﴿عَلى النّاسِ﴾ بَرُّهم وفاجِرُهم ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ لِجَهْلِهِمْ بِالمُنْعِمِ وإغْفالِهِمْ مَواقِعَ النِّعَمِ، وتَكْرِيرُ النّاسِ لِتَخْصِيصِ الكُفْرانِ (p-83)بِهِمْ، وذَلِكَ مِن إيقاعِهِ عَلى صَرِيحِ اسْمِهِمُ الظّاهِرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ مِن شَأْنِهِمْ وخاصَّتِهِمْ في الغالِبِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب