الباحث القرآني
﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ دَلائِلِهِ سُبْحانَهُ الَّتِي نَصَبَها عَلى تَوْحِيدِهِ وكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ وما أظْهَرَ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ أيْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ في ذَلِكَ أتَتْهم مِن جِهَتِهِ تَعالى، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ - بِيُجادِلُونَ - وتَقْيِيدُ المُجادَلَةِ بِذَلِكَ مَعَ اسْتِحالَةِ إتْيانِ الحُجَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ في أمْرِ الدِّينِ لا بُدَّ مِنَ اسْتِنادِهِ إلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ وبُرْهانٍ مُبِينٍ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ مُجادِلٍ مُبْطِلٍ وإنْ نَزَلَ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ وهم عَلى الأصَحِّ مُشْرِكُو مَكَّةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ﴾ خَبَرٌ لِأنْ ( وإنَّ ) نافِيَةٌ، والمُرادُ بِالصُّدُورِ القُلُوبُ أُطْلِقَتْ عَلَيْها لِلْمُجاوَرَةِ والمُلابَسَةِ، والكِبْرُ التَّكَبُّرُ والتَّعاظُمُ أيْ ما في قُلُوبِهِمْ إلّا تَكَبُّرٌ عَنِ الحَقِّ وتَعاظُمٌ عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّعَلُّمِ أوْ هو مَجازٌ عَنْ إرادَةِ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمُ عَلى الإطْلاقِ أوْ إرادَةِ أنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ لَهم أيْ ما في قُلُوبِهِمْ إلّا إرادَةُ الرِّياسَةِ أوْ أنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ لَهم دُونَكَ حَسَدًا وبَغْيًا حَسْبَما قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفَ: 31] وقالُوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحْقافَ: 11] ولِذَلِكَ يُجادِلُونَ في آياتِهِ تَعالى لا أنَّ فِيها مَوْقِعَ جِدالٍ ما أوْ أنَّ لَهم شَيْئًا يُتَوَهَّمُ صَلاحِيَتُهُ لِأنْ يَكُونَ مَدارًا لِمُجادَلَتِهِمْ في الجُمْلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾ صِفَةٌ - لِكِبْرٍ - أيْ ما هم بِبالِغِي مُوجِبِ الكِبْرِ ومُقْتَضِيهِ وهو مُتَعَلِّقُ إرادَتِهِمْ مِن دَفْعِ الآياتِ أوْ مِنَ الرِّياسَةِ أوِ النُّبُوَّةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الكِبْرِ عَلَيْكَ وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبْرِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أذَلَّهم، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وضَمِيرُ ﴿بِبالِغِيهِ﴾ لِدَفْعِ الآياتِ المَفْهُومِ مِنَ المُجادَلَةِ، وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُجادِلُونَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ اليَهُودُ عَظَّمُوا أمْرَ الدَّجّالِ فَنَزَلَتْ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: إنَّ الدَّجّالَ يَكُونُ مِنّا في آخِرِ الزَّمانِ ويَكُونُ مِن أمْرِهِ ما يَكُونُ فَعَظَّمُوا أمْرَهُ وقالُوا: يَصْنَعُ كَذا وكَذا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾» .. إلَخْ، وهَذا كالنَّصِّ في أنَّ أمْرَ اليَهُودِ كانَ السَّبَبَ في نُزُولِها، وعَلَيْهِ تَكُونُ الآيَةُ مَدَنِيَّةً وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ. وفي رِوايَةٍ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: يَخْرُجُ صاحِبُنا المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يُرِيدُونَ الدَّجّالَ ويَبْلُغُ سُلْطانُهُ البَرَّ والبَحْرَ وتَسِيرُ مَعَهُ الأنْهارُ وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ فَيَرْجِعُ إلَيْنا المُلْكُ، حَكاها في الكَشّافِ ثُمَّ قالَ: فَسَمّى اللَّهُ تَعالى تَمَنِّيَهم ذَلِكَ كِبْرًا ونَفى سُبْحانَهُ أنْ يَبْلُغُوا مُتَمَنّاهم، ويَخْطُرُ لِي عَلى هَذا القَوْلِ إنَّ اليَهُودَ لَمْ يُرِيدُوا مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الدَّجّالِ سِوى نَفْيِ أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النَّبِيَّ المَبْعُوثَ في آخِرِ الزَّمانِ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ أنْبِياؤُهم وزَعَمَ أنَّ المُبَشَّرَ بِهِ هو ذَلِكَ اللَّعِينُ، فَفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتَ صاحِبَنا - يَعْنُونَ النَّبِيَّ المُبَشِّرَ بِهِ أنْبِياؤُهم، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ بَلْ هو المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يَبْلُغُ سُلْطانُهُ البَرَّ والبَحْرَ ويَسِيرُ مَعَهُ الأنْهارُ، وفي ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ دَفْعُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدّاعِي لَهم إلى ذَلِكَ الكِبْرُ والحَسَدُ وحُبُّ أنْ لا تُخْرِجَ النُّبُوَّةُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ نَحْوَ مَعْناها عَلى القَوْلِ بِكَوْنِ المُجادِلِينَ مُشْرِكِي مَكَّةَ. ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ (p-79)كَذَبُوا أوَّلًا بِقَوْلِهِمْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتَ صاحِبَنا، وثانِيًا بِقَوْلِهِمْ: بَلْ هو المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يَعْنُونَ الدَّجّالَ، أمّا الكَذِبُ الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجّالَ وأنْذَرَهم إيّاهُ كَما نَطَقَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ، وهم قالُوا: هو صاحِبُنا يَعْنُونَ المُبَشَّرَ بِبَعْثَتِهِ آخِرَ الزَّمانِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الجِدالِ في آياتِ اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيْ فالتَجِئْ إلَيْهِ تَعالى مِن كَيْدِ مَن يَحْسُدُكَ ويَبْغِي عَلَيْكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: هَذا أمْرٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتَعَوَّذَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيْ لِأقْوالِكم وأفْعالِكم، والجُمْلَةُ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ قَبْلَها.
{"ayah":"إِنَّ ٱلَّذِینَ یُجَـٰدِلُونَ فِیۤ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَیۡرِ سُلۡطَـٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِی صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرࣱ مَّا هُم بِبَـٰلِغِیهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











