الباحث القرآني

﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قِيلَ كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ، وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وقِيلَ: كانَ غَرِيبًا لَيْسَ مِنَ الفِئَتَيْنِ، ووَصْفُهُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِكَوْنِهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِاعْتِبارِ دُخُولِهِ في زُمْرَتِهِمْ وإظْهارِ أنَّهُ عَلى دِينِهِمْ ومِلَّتِهِمْ تَقِيَّةً وخَوْفًا، ويُقالُ نَحْوُ هَذا في الإضافَةِ في مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ الواقِعِ في عِدَّةِ أخْبارٍ، وقِيلَ: ﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ أيْ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ دُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، ولا بَأْسَ عَلى هَذا في الوَقْتِ عَلى مُؤْمِنٍ. واعْتُرِضَ بِأنَّ كَتْمَ يَتَعَدّى بِنَفَسِهِ دُونَ مِن فَيُقالُ: كَتَمْتُ فُلانا كَذا دُونَ كَتَمْتُ مِن فُلانٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النِّساءَ: 42] وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرا وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا ؎أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووَرْدُ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا وأرادَ عَلى ما في البَحْرِ كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ، وفِيهِ أنَّهُ صَرَّحَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بِتَعَدِّيهِ بِمِن أيْضًا قالَ (p-64)فِي المِصْباحِ كَتَمَ مِن بابِ قَتَلَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ويَجُوزُ زِيادَةُ مِن في المَفْعُولِ الأوَّلِ فَيُقالُ: كَتَمْتُ مِن زَيْدٍ الحَدِيثَ كَما يُقالُ: بِعْتُهُ الدّارَ وبِعْتُها مِنهُ. نَعَمْ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ بَلِ الظّاهِرُ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً ثانِيَةً لِرَجُلٍ، والظّاهِرُ عَلى هَذا كَوْنُهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ حَقِيقَةً وفي كَلامِهِ المَحْكِيِّ عَنْهُ بَعْدَ ما هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ واسْمُهُ قِيلَ: شَمْعانُ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: خِرْبِيلُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وراءٍ مُهْمَلَةٍ ساكِنَةٍ، وقِيلَ: حِزْبِيلُ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وزايٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: حَبِيبٌ. وقَرَأ عِيسى وعَبْدُ الوارِثِ وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «رَجْلٌ» بِسُكُونِ الجِيمِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا﴾ أيْ أتَقْصُدُونَ قَتْلَهُ فَهو مَجازٌ ذُكِرَ فِيهِ المُسَبَّبُ وأُرِيدَ السَّبَبُ، وكَوْنُ الإنْكارِ لا يَقْتَضِي الوُقُوعَ لا يُصَحِّحُهُ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ أيْ لِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ الشّاهِدَةَ عَلى صِدْقِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، والِاسْتِدْلالاتِ الكَثِيرَةِ وجَمْعُ المُؤَنَّثِ السّالِمِ وإنْ شاعَ أنَّهُ لِلْقِلَّةِ لَكِنَّهُ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ يُفِيدُ الكَثْرَةَ بِمَعُونَةِ المَقامِ. والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، وهَذا إنْكارٌ مِن ذَلِكَ الرَّجُلِ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم شَدِيدٌ كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ مَعَ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ مِن عِنْدِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةُ وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ، وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ وفي ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ - إلى - ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ نُكْتَةٌ جَلِيلَةٌ وهي أنَّ مَن يَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ أوْ فُلانٌ لا يَقْتَضِي أنْ يُقابَلَ بِالقَتْلِ كَما لا تُقابَلُونَ بِالقَتْلِ إذا قُلْتُمْ: رَبُّنا فِرْعَوْنُ كَيْفَ وقَدْ جَعَلَ رَبَّهُ مَن هو رَبُّكم فَكانَ عَلَيْكم بِأنْ تُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ لا أنْ تَخْذُلُوهُ وتَقْتُلُوهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ( أنْ يَقُولَ ) عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ وقْتَ أنْ يَقُولَ فَحُذِفَ الظَّرْفُ فانْتَصَبَ المُضافُ إلَيْهِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِقِيامِهِ مَقامَهُ، والمَعْنى أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القائِمَ مَقامَ الظَّرْفِ لا يَكُونُ إلّا المَصْدَرَ الصَّرِيحَ كَجِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ أوْ ما كانَ بِما الدَّوامِيَّةِ دُونَ الغَيْرِ الصَّرِيحِ كِجِئْتُ أنْ صاحَ أوْ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، وفِيهِ إنَّ ابْنَ جِنِّيٍّ كالزَّمَخْشَرِيِّ صَرَّحَ بِالجَوازِ وكُلٌّ إمامٌ. ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ احْتاطَ لِنَفْسِهِ خَشْيَةَ أنْ يَعْرِفَ اللَّعِينُ حَقِيقَةَ أمْرِهِ فَيَبْطِشَ بِهِ فَتَلَطَّفَ في الِاحْتِجاجِ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ لا يَتَخَطّاهُ وبالُ كَذِبِهِ فَيَحْتاجُ في دَفْعِهِ إلى قَتْلِهِ ﴿وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم بِهِ أوْ يَعِدِكُمُوهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ فَإنَّهُ إذا حَذَّرَهم مِن إصابَةِ البَعْضِ أفادَ أنَّهُ مَهْلَكٌ مَخُوفٌ فَما بالُ الكُلِّ وإظْهارٌ لِلْإنْصافِ وعَدَمِ التَّعَصُّبِ ولِذا قَدَّمَ احْتِمالَ كَوْنِهِ كاذِبًا، وقِيلَ: المُرادُ يُصِبْكم ما يَعِدُكم مِن عَذابِ الدُّنْيا وهو بَعْضُ مَواعِيدِهِ كَأنَّهُ خَوَّفَهم بِما هو أظْهَرُ احْتِمالًا عِنْدَهم، وقِيلَ: بَعْضٌ بِمَعْنى كُلٍّ وأنْشَدُوا لِذَلِكَ قَوْلَ عَمْرٍو القَطامِيِّ: ؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ ( بَعْضُ ) فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ، والمُرادُ إلْزامُ الحُجَّةِ وإبانَةُ فَضْلِ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ فالبَيْتُ كالآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وأنْشَدُوا لِمَجِيءِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا (p-65)ولا يَتَعَيَّنُ فِيهِ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ فَسَّرَ البَعْضَ بِالكُلِّ أيْضًا وأنْشَدَ قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ أوْ يَرْتَبِطُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها حُمِلَ البَيْتُ عَلى مَعْنى لا أزالُ أنْتَقِلُ في البِلادِ إلى أنْ لا يَبْقى أحَدٌ أقْصِدُهُ مِنَ العِبادِ، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ البَعْضَ فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ بِهِ نَفْسُهُ، والمَعْنى لا أزالُ أتْرُكُ ما لَمْ أرْضَهُ مِنَ الأمْكِنَةِ إلّا أنْ أمُوتَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ فَقَدْ حَقَّ فِيهِ قَوْلُ المازِنِي في مَسْألَةِ العِلْقى كانَ أجْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الرَّدِّ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ. أحَدُهُما أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى البَيِّناتِ ولَما عَضَّدَهُ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ. وثانِيهِما إنْ كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَكَهُ فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ المَعْنى الأوَّلَ وأوْهَمَهم أنَّهُ أرادَ الثّانِيَ لِتَلِينَ شَكِيمَتُهم وعَرَّضَ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ مُسْرِفٌ أيْ في القَتْلِ والفَسادِ كَذّابٌ في ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ تَعالى سَبِيلَ الصَّوابِ ومِنهاجَ النَّجاةِ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ مَعْنى بِالشَّرْطِيَّةِ الأُولى أوْ بِالثّانِيَةِ أوْ بِهِما
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب