الباحث القرآني
﴿وما لَكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمَأْمُورَيْنِ بِالقِتالِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مُبالَغَةً في الحَثِّ والتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، وهو المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ و(ما) مُبْتَدَأٌ و(لَكُمْ) خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها الِاسْتِقْرارُ أوِ الظَّرْفُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الفِعْلِ، أيْ: أىُّ شَيْءٍ لَكم غَيْرَ مُقاتِلِينَ، والمُرادُ: لا عُذْرَ لَكم في تَرْكِ المُقاتِلَةِ ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ: في سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وهو تَخْلِيصُهم عَنِ الأسْرِ، وصَوْنُهم عَنِ العَدُوِّ،ِ وهو المُرْوِيُّ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّ تَخْلِيصَهم سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى لا سَبِيلُهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ وإنْ كانَ سَبِيلُ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ لَهُ نَوْعُ اخْتِصاصٍ بِهِمْ فَلا مانِعَ مِن إضافَتِهِ إلْيَهِمْ.
واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِالمُقاتَلَةِ في سَبِيلِهِمُ المُقاتِلَةُ في فَتْحِ طَرِيقِ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، ودَفْعِ سَدِّ المُشْرِكِينَ إيّاهُ لِيَتَهَيَّأ خُرُوجُ المُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَضْعَفٌ جِدًّا، وإمّا عَطْفٌ عَلى (سَبِيلِ) بِحَذْفِ مُضافٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، أيْ: وفي خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ أعَنِي أوْ أخُصُّ، فَإنَّ سَبِيلَ اللَّهِ تَعالى يَعُمُّ أبْوابَ الخَيْرِ، وتَخْلِيصُ المُسْتَضْعَفِينَ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ مِن أعَظَمِها وأخَصِّها، ومَعْنى المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ طَلَبَ المُشْرِكُونَ ضَعْفَهم وذُلَّهُمْ، أوِ الضُّعَفاءُ مِنهُمْ، والسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، وهُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ (p-82)بَقُوا بِمَكَّةَ لِمَنعِ المُشْرِكِينَ لَهم مِنَ الخُرُوجِ، أوْ ضَعْفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» وقَدْ ذُكِرَ مِنهم سَلَمَةُ بْنُ هِشامٍ، والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وأبا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلٍ، وإنَّما ذُكِرَ الوِلْدانُ تَكْمِيلًا لِلِاسْتِعْطافِ، والتَّنْبِيهِ عَلى تَناهِي ظُلْمِ المُشْرِكِينَ، والإيذانِ بِإجابَةِ الدُّعاءِ الآتِي، واقْتِرابِ زَمانِ الخَلاصِ، وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في الحَثِّ عَلى القِتالِ.
ومِن ها يُعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ إسْلامِ الصَّبِيٍّ بِناءً عَلى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَما وجَبَ تَخْلِيصُهُمْ، عَلى أنَّ في انْحِصارِ وُجُوبِ التَّخْلِيصِ في المُسْلِمِ نَظَرًا؛ لَأنَّ صَبِيَّ المُسْلِمِ يُتَوَقَّعُ إسْلامُهُ، فَلا يَبْعُدُ وُجُوبُ تَخْلِيصِهِ لِيَنالَ مَرْتَبَةَ السُّعَداءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ، وهو عَلى الأوَّلِ جَمْعُ ولِيدٍ ووَلِيدَةٍ، بِمَعْنى صَبِيٍّ وصِبْيَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ ولَدٍ كَوَرَلٍ ووِرْلالٍ، وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّ الوَلِيدَ والوَلِيدَةَ بِمَعْنى العَبْدِ والجارِيَةِ.
وفِي الصِّحاحِ: الوَلِيدُ الصَّبِيُّ والعَبْدُ، والجَمْعُ وِلْدانٌ، والوَلِيدَةُ الصَّبِيَّةُ والأمَةُ، والجَمْعُ ولائِدُ، فالتَّعْبِيرُ بِالوِلْدانِ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِيَشْمَلَ الذُّكُورَ والإناثَ ﴿الَّذِينَ﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوْ لِما في حَيِّزِ البَيانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أعْنِي أوْ أخَصُّ الَّذِينَ.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ بِالشِّرْكِ الَّذِي هو ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وبِأذِيَّةِ المُؤْمِنِينَ، ومَنعِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، والوَصْفُ صِفَةُ قَرْيَةٍ، وتَذْكِيرُهُ لِتَذْكِيرِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ إذا أُجْرِيَ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ فَتَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ عَلى حَسَبِ الِاسْمِ الظّاهِرِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ، ولَمْ يُنْسَبِ الظُّلْمُ إلَيْها مَجازًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ”وكَأيْنٍ مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها“ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِها مَكَّةُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ، فَوُقِّرَتْ عَنْ نِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها؛ تَشْرِيفًا لَها، شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى.
﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ يَلِي أمْرَنا حَتّى يُخَلِّصَنا مِن أيْدِي الظَّلَمَةِ، وكِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(اجْعَلْ) لِاخْتِلافِ مَعْنَيْهِما، وتَقْدِيمُهُما عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِهِما، وإبْرازِ الرَّغْبَةِ في المُؤَخَّرِ بِتَقْدِيمِ أحْوالِهِ، وتَقْدِيمُ اللّامِ عَلى (مِن) لِلْمُسارَعَةِ إلى إبْرازِ كَوْنِ المَسْؤُولِ نافِعًا لَهم مَرْغُوبًا فِيهِ لَدَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مِن لَدُنْكَ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (ولِيًّا) وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أيْ حُجَّةً ثابِتَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: المُرادُ ولِّ عَلَيْنا والِيًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُوالِينا، ويَقُومُ بِمَصالِحِنا، ويَحْفَظُ عَلَيْنا دِينَنا وشَرْعَنا، ويَنْصُرُنا عَلى أعْدائِنا، ولَقَدِ اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ دُعاءَهُمْ، حَيْثُ يَسَّرَّ لِبَعْضِهِمُ الخُرُوجَ إلى المَدِينَةِ، وجَعَلَ لِمَن بَقِيَ مِنهم خَيْرَ ولِيٍّ وأعَزَّ ناصِرٍ، فَفَتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَتَوَلّاهم أيَّ تَوَلٍّ، ونَصَرَهم أيَّ نُصْرَةٍ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وكانَ ابْنَ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، فَحَماهم ونَصَرَهم حَتّى صارُوا أعَزَّ أهْلِها، وقِيلَ: المُرادُ: اجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ وِلايَةً ونُصْرَةً، أيْ كُنْ أنْتَ ولِيُّنا وناصِرُنا، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ.
* * *
هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ أمْرٌ لِلْعارِفِينَ أنْ يُظْهِرُوا ما كُوشِفُوا بِهِ مِنَ الأسْرارِ الآلِهِيَّةِ لِأمْثالِهِمْ، ويَكْتُمُوا ذَلِكَ عَنِ الجاهِلِينَ، أوْ أنْ يُؤَدُّوا حَقَّ كُلِّ ذِي حَقٍّ إلَيْهِ، فَيُعْطُوا الِاسْتِعْدادَ حَقَّهُ، و(ألْقَوْا) حَقَّها، وآخِرُ الأماناتِ أداءً أمانَةُ الوُجُودِ، فَلْيُؤَدِّهِ العَبْدُ إلى سَيِّدِهِ سُبْحانَهُ، ولْيَفْنَ فِيهِ عِزَّ وجَلَّ.
﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ﴾ بِالإرْشادِ، ولا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الفَناءِ والرُّجُوعِ إلى البَقاءِ ”فاحْكُمُوا بِالعَدْلِ“ وهو الإفاضَةُ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ﴾ بِتَطْهِيرِ كَعْبَةِ تَجَلِّيهِ، وهو القَلْبُ (p-83)عَنْ أصْنامِ السِّوى ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ بِالمُجاهَدَةِ، وإتْعابِ البَدَنِ بِأداءِ رُسُومِ العِبادَةِ الَّتِي شَرَعَها لَكم ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ وهُمُ المَشايِخُ المُرْشِدُونَ، بِامْتِثالِ أمْرِهِمْ فِيما يَرَوْنَهُ صَلاحًا لَكم وتَهْذِيبًا لِأخْلاقِكم.
ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الطّاعَةَ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ، وهي في الأصْلِ تَرْجِعُ إلى واحِدَةٍ: فَمَن كانَ أهْلًا لِبِساطِ القُرْبَةِ وفَهَمَ خِطابَ الحَقِّ بِلا واسِطَةٍ، كالقائِلِ: أخَذْتُمْ عِلْمَكم مَيِّتًا عَنْ مَيِّتٍ، ونَحْنُ أخَذْناهُ مِنَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، فَلْيُطْلِعِ اللَّهَ تَعالى بِمُرادِهِ، ولْيَتَمَثَّلْ ما فَهَمَهُ مِنهُ، ومَن لَمْ يَبْلُغْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَلْيَرْجِعْ إلى بَيانِ الواسِطَةِ العُظْمى، وهو الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنْ فَهَمَ بَيانَهُ أوِ اسْتَطاعَ الأخْذَ مِنهُ، كَبَعْضِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى تَعالى، ولْيُطِعْهُ فِيما أمَرَ ونَهى، ومَن لَمْ يُبْلُغْ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ فَلْيَرْجِعْ إلى أكابِرِ عُلَماءِ الأُمَّةِ، ولْيَتَقَيَّدْ بِمَذْهَبٍ مِنَ المَذاهِبِ، ولْيَقِفْ عِنْدَهُ في الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ أنْتُمْ والمَشايِخُ، وذَلِكَ في مُبادِئِ السُّلُوكِ حَيْثُ النَّفْسُ قَوِيَّةٌ ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ تَعالى ﴿والرَّسُولِ﴾ فارْجِعُوا إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَإنَّ فِيهِما ما يُزِيلُ النِّزاعَ عِبارَةً أوْ إشارَةً، أوْ إذا وقَعَ عَلَيْكم حُكْمٌ مِن أحْكامِ الغَيْبِ المُتَشابِهَةِ، وظَهَرَ في أسْرارِكم مُعارَضاتُ الِامْتِحانِ فارْجِعُوا إلى خِطابِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ فِيهِ بِحارَ عُلُومِ الحَقائِقِ، فَكُلُّ خاطِرٍ لا يُوافِقُ خِطابَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ فَهو مَرْدُودٌ.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ مِن عِلْمِ التَّوْحِيدِ ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ مَن عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ وهو النَّفْسُ الأمّارَةُ الحاكِمَةُ بِما تُؤَدِّي إلَيْهِ أفْكارُها، الغَيْرُ المُسْتَنِدَةُ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ ﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ويُخالِفُوهُ ﴿إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ .
﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾ وهو الطّاغُوتُ ﴿أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ وهو الِانْحِرافُ عَنِ الحَقِّ ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ وهي مُصِيبَةُ التَّحَيُّرِ وفَقْدِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِن تَقْدِيمِ أفْكارِهِمُ الفاسِدَةِ، وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلَيْكَ ﴿ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا﴾ بِأنْفُسِنا لِتُمَرِّنَها عَلى التَّفَكُّرِ حَتّى يَكُونَ لَها مَلَكَةُ اسْتِنْباطِ الأسْرارِ والدَّقائِقِ مِن عِباراتِكَ وإشاراتِكَ ﴿وتَوْفِيقًا﴾ أيْ جَمْعًا بَيْنَ العَقْلِ والنَّقْلِ، أوْ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ بِما يَقْرُبُ مِن عُقُولِهِمْ، ولَمْ نُرِدْ مُخالَفَتَكَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِن رَيْنِ الشُّكُوكِ، فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تَقْبَلْ عُذْرَهم ﴿وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ مُؤَثِّرًا؛ لِيَرْتَدِعُوا، أوْ كَلِّمْهم عَلى مَقادِيرِ عُقُولِهِمْ ومُتَحَمَّلِ طاقَتِهِمْ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِاشْتِغالِهِمْ بِحُظُوظِها ﴿جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ سَتْرَ صِفاتِ نُفُوسِهِمُ الَّتِي هي مَصادِرُ تِلْكَ الأفْعالِ ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ بِإمْدادِهِ إيّاهم بِأنْوارِ صِفاتِهِ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ مُطَهِّرًا لِنُفُوسِهِمْ، مُفِيضًا عَلَيْها الكَمالَ اللّائِقَ بِها.
وقالَ ابْنُ عَطاءٍ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: لَوْ جَعَلُوكَ الوَسِيلَةَ لَدَيَّ لَوَصَلُوا إلَيَّ.
﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى حَبِيبِهِ خُلْعَةً مِن خُلَعِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَجَعَلَ الرِّضا بِحُكْمِهِ ساءَ أمْ سَتَرَ سَبَبًا لِإيمانِ المُؤْمِنِينَ، كَما جَعَلَ الرِّضا بِقَضائِهِ سَبَبًا لِإيقانِ المُوقِنِينَ، فَأسْقَطَ عَنْهُمُ اسْمَ الواسِطَةِ؛ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُتَّصِفٌ بِأوْصافِ الحَقِّ، مُتَخَلِّقٌ بِأخْلاقِهِ، ألا تَرى كَيْفَ قالَ حَسّانُ:
؎وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ
وقالَ آخَرُونَ: سَدَّ سُبْحانَهُ الطَّرِيقَ إلى نَفْسِهِ عَلى الكافَّةِ إلّا بَعْدَ الإيمانِ بِحَبِيبِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمَن لَمْ يَمْشِ تَحْتَ قِبابِهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، ثُمَّ جَعَلَ جَلَّ شَأْنُهُ مِن شَرْطِ الإيمانِ زَوالُ المُعارَضَةِ (p-84)بِالكُلِّيَّةِ، فَلا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِن تَلَقِّي المَهالِكِ بِقَلْبٍ راضٍ ووَجْهٍ ضاحِكٍ.
﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِسَيْفِ المُجاهَدَةِ لِتَحْيا حَياةً طَيِّبَةً ﴿أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ وهي المَلاذُّ الَّتِي رَكَنْتُمُ إلَيْها، وخَيَّمْتُمْ فِيها، وعَكَفْتُمْ عَلَيْها، أوْ لَوْ فَرَضْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْمَعُوا الهَوى، أوِ اخْرُجُوا مِن مَقاماتِكُمُ الَّتِي حُجِبْتُمْ بِها عَنِ التَّوْحِيدِ الصِّرْفِ كالصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ مَثَلًا ﴿ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ وهم أهْلُ التَّوْفِيقِ والهِمَمِ العالِيَةِ.
وأُيِّدَ الِاحْتِمالُ الثّانِي بِما حُكِيَ عَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّهُ سَألَ إبْراهِيمَ بْنَ أدْهَمَ عَنْ حالِهِ فَقالَ إبْراهِيمُ: أدُورُ في الصَّحارى، وأطُوفُ في البَرارِي، حَيْثُ لا ماءٌ، ولا شَجَرٌ، ولا رَوْضٌ، ولا مَطَرٌ، فَهَلْ يَصِحُّ حالِي في التَّوَكُّلِ؟ فَقالَ لَهُ: إذا أفْنَيْتَ عُمُرَكَ في عُمْرانِ بَطْنِكَ فَأيْنَ الفَناءُ في التَّوْحِيدِ؟!
﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ بِالِاسْتِقامَةِ بِالدِّينِ ﴿وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو كَشْفُ الجَمالِ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ﴾ بِما لا يَدْخُلُ في حَيْطَةِ الفِكْرِ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ أرْبابِ التَّشْرِيعِ، الَّذِينَ ارْتَفَعُوا قَدْرًا، فَلا يُدْرَكُ شَأْوُهُمْ، ﴿والصِّدِّيقِينَ﴾ الَّذِينَ قادَهم نُورُهُمُ إلى الِانْخِلاعِ عَنْ أنْواعِ الرَّبُوبِ والشُّكُوكِ، فَصَدَّقُوا بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَيْرِ دَلِيلٍ ولا تَوَقُّفٍ ﴿والشُّهَداءِ﴾ أهْلِ الحُضُورِ ﴿والصّالِحِينَ﴾ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ مِن أنْفُسِكُمْ؛ فَإنَّها أعْدى أعْدائِكم ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ اسْلُكُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَماعاتٍ، كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى طَرِيقَةٍ شَيْخٍ كامِلٍ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ في طَرِيقِ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، واتَّبِعُوا أفْعالَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أيْ: لَيُثَبِّطَنَّ المُجاهِدِينَ المُرْتاضِينَ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ شِدَّةٌ في السَّيْرِ ﴿قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ حَيْثُ لَمْ أفْعَلْ كَما فَعَلُوا ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ مَواهِبُ غَيْبِيَّةٌ، وعُلُومٌ لَدُنِّيَّةٌ، ومَراتِبُ سُنِّيَّةٌ، وقَبُولٌ عِنْدَ الخَواصِّ والعَوّامِ ﴿لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أيْ حَسَدًا لَكم ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ﴾ دُونَهم ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وأنالَ ذَلِكَ وحْدِي ﴿ومَن يُقاتِلْ﴾ نَفْسَهُ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ بِسَيْفِ الصِّدْقِ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾ عَلَيْها بِالظَّفَرِ لِتُسْلِمَ عَلى يَدِهِ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الوُصُولُ إلَيْنا ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وخَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾ العُقُولِ ﴿والنِّساءِ﴾ الأرْواحِ ﴿والوِلْدانِ﴾ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ وهي قَرْيَةُ البَدَنِ ﴿الظّالِمِ أهْلُها﴾ وهي النَّفْسُ الأمّارَةُ ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ يَلِي أُمُورَنا ويُرْشِدُنا ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُنا عَلى مَن ظَلَمَنا، وهو الفَيْضُ الأقْدَسُ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.
{"ayah":"وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِینَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡوِلۡدَ ٰنِ ٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَاۤ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَـٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِیࣰّا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِیرًا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











