الباحث القرآني

﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قِيلَ: بَيانٌ (لِلَّذِينَ أُوتُوا) المُتَناوَلِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، وقَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما ما وُسِّطَ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ مَحَلِّ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ، والمُسارَعَةِ إلى تَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنْهُمْ، والِاهْتِمامِ بِحَثِّهِمْ عَلى (p-46)الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى، والِاكْتِفاءِ بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفارِسِيَّ قَدْ مَنَعَ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ فَما ظَنُّكُ بِالثَّلاثِ؟! وأجابَ الحَلَبِيُّ بِأنَّ الخِلافَ إذا لَمْ يَكُنْ عَطْفٌ - والجُمَلُ هُنا مُتَعاطِفَةٌ - وبِهِ يَصِيرُ الشَّيْئانِ شَيْئًا واحِدًا، وقِيلَ: إنَّهُ بَيانٌ لِأعْدائِكُمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِطائِفَةٍ مِن أعْدائِهِمْ، لا سِيَّما في مَعْرِضِ الِاعْتِراضِ، وقِيلَ: إنَّهُ صِلَةٌ لِـ(نَصِيرٍ) أيْ: يَنْصُرُكم (مِنَ الَّذِينَ هادُوا)، وفِيهِ تَحْجِيرٌ لِواسِعِ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّهُ لا داعِيَ لِوَضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الأعْداءِ، وكَوْنُ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وصْفًا مُلائِمًا لِلنَّصْرِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ صِفَةٌ لَهُ، أيْ (مِنَ الَّذِينَ هادُوا) قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ويَتَعَيَّنُ هَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، و(مِنَ الَّذِينَ) وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ المُبْتَدَأ إذا وُصِفَ بِجُمْلَةٍ أوْ ظَرْفٍ وكانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن أوْ في مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ يَطَّرِدُ حَذْفُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ والفَرّاءُ يَجْعَلُ المُبْتَدَأ المَحْذُوفَ اسْمًا مَوْصُولًا و(يُحَرِّفُونَ) صِلَتُهُ، أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا مَن يُحَرِّفُونَ، والبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَقاءِ صِلَتِهِ، إلّا أنَّهُ يُؤَيِّدُهُ ما في مُصْحَفِ حَفْصَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها (مَن يُحَرِّفُونَ). واعْتُرِضَ هَذا أيْضًا بِأنَّهُ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ كَوْنَ الفَرِيقِ السّابِقِ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْرِيفِ الَّذِي هو المِصْداقُ لاشَتْرائِهِمْ في الحَقِيقَةِ و(الكَلِمُ) اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُهُ كَلِمَةٌ، كَلَبِنَةٍ ولَبِنٍ، ونَبِقَةٍ ونَبِقٍ، وقِيلَ: جَمْعٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ مِنَ المُخْتارِ. ولَعَلَّ مَن أطْلَقَهُ عَلَيْهِ أرادَ المَعْنى اللُّغَوِيَّ، أعْنِي ما يَدُلُّ عَلى ما فَوْقَ الِاثْنَيْنِ مُطْلَقًا، وتَذْكِيرُ ضَمِيرِهِ بِاعْتِبارِ أفْرادِهِ لَفْظًا، وجَمْعِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ مَعْنًى، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعَ (كِلْمَةٍ) تَخْفِيفَ (كَلِمَةٍ) بِنَقْلِ كَسْرَةِ اللّامِ إلى الكافِ، وقُرِئَ (يُحَرِّفُونَ) الكَلامَ، والمُرادُ بِهِ ها هُنا إمّا ما في التَّوْراةِ وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِمّا سَيُحْكى عَنْهم مِنَ الكَلِماتِ الواقِعَةِ مِنهم في أثْناءِ مُحاوَرَتِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ كابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وغَيْرِهِما، وتَحْرِيفُ ذَلِكَ إمّا إزالَتُهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ التَّوْراةِ كَتَحْرِيفِهِمْ (رَبْعَةً) في نَعْتِ النَّبِيِّﷺووَضْعِهِمْ مَكانَهُ (طِوالٌ) وكَتَحْرِيفِهِمُ الرَّجْمَ ووَضْعِ الحَدِّ مَوْضِعَهُ، وإمّا صَرَفُهُ عَنِ المَعْنى الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ إلى ما لا صِحَّةَ لَهُ بِالتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ والتَّمَحُّلاتِ الزّائِغَةِ، كَما تَفْعَلُهُ المُبْتَدَعَةُ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ المُخالِفَةِ لِمَذْهَبِهِمْ. ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رَواهُ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ وكِتابُكُمُ الَّذِي أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ أحْدَثُ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وقَدْ حَدَّثَكم أنَّ أهْلَ الكِتابِ بَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ تَعالى وغَيَّرُوهُ وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمُ الكِتابَ، وقالُوا: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَّنا قَلِيلًا» واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِكَ في الكِتابِ الَّذِي بَلَغَتْ آحادُ حُرُوفِهِ وكَلِماتِهِ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، وانْتَشَرَتْ نُسَخُهُ شَرْقًا وغَرْبًا؟! وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ اشْتِهارِ الكِتابِ في الآفاقِ وبُلُوغِهِ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، وفِيهِ بَعْدٌ، وإنْ أُيِّدَ بِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ في نُسَخِ التَّوْراةِ الَّتِي عِنْدَ طَوائِفِ اليَهُودِ، وقِيلَ: إنَّ اليَهُودَ فَعَلُوا ذَلِكَ في نُسَخٍ مِنَ التَّوْراةِ لِيُضِلُّوا بِها، ولَمّا لَمْ تَرُجْ عَدَلُوا إلى التَّأْوِيلِ، والمُرادُ مِن (مَواضِعِهِ) عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الأعَمِّ ما يَلِيقُ بِهِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِتَعْيِينِهِ تَعالى صَرِيحًا كَمَواضِعَ ما في التَّوْراةِ، أوْ بِتَعْيِينِ العَقْلِ والدِّينِ كَمَواضِعِ غَيْرِهِ. وأصْلُ التَّحْرِيفِ إمالَةُ الشَّيْءِ إلى حَرْفٍ أيْ طَرَفٍ، فَإذا كانَ (يُحَرِّفُونَ) بِمَعْنى يُزِيلُونَ كانَ كِنايَةً؛ لِأنَّهم إذا بَدَّلُوا الكَلِمَ ووَضَعُوا مَكانَهُ غَيْرَهُ لَزِمَ أنَّهم أمالُوهُ عَنْ مَواضِعِهِ وحَرَّفُوهُ، والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما يَأْتِي في سُورَةِ المائِدَةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أنَّ الثّانِيَ أدَلُّ عَلى ثُبُوتِ مَقارِّ الكَلِمِ واشْتِهارِها مِمّا هُنا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الظَّرْفَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَما ثَبُتَ المَوْضِعُ (p-47)وتَقَرَّرَ حَرَّفُوهُ عَنْهُ، واخْتارَ ذَلِكَ هُنالِكَ لَأنَّ فِيهِ ما يَقْتَضِي الإتْيانَ بِالأدَلِّ الأبْلَغِ. (ويَقُولُونَ) عَطْفٌ عَلى (يُحَرِّفُونَ) وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ القَوْلُ اللِّسانِيُّ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واخْتارَ البَعْضُ حَمْلَهُ عَلى ما يَعُمُّ ذَلِكَ وما يُتَرْجَمُ عَنْهُ عِنادُهم ومُكابَرَتُهم لِيَنْدَرِجَ فِيهِ ما نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَةُ حالِهِمْ عِنْدَ تَحْرِيفِ التَّوْراةِ، ولا يُقَيَّدُ حِينَئِذٍ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ، ولا يُخَصَّصُ بِمادَّةٍ دُونَ مادَّةٍ، ويُحْتاجُ إلى ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ لِئَلّا يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، والمَعْنى عَلَيْهِ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ التَّحْرِيفِ يَقُولُونَ ويَفْهَمُونَ في كُلِّ أمْرٍ مُخالِفٍ لِأهْوائِهِمُ الفاسِدَةِ سَواءً كانَ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ؛ عِنادًا وتَحْقِيقًا لِلْمُخالَفَةِ. ﴿سَمِعْنا﴾ أيْ: فَهْمِنا ﴿وعَصَيْنا﴾ أيْ: لَمْ نَأْتَمِرْ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الرّاغِبُ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿سَمِعْنا﴾ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ القَوْلِ، لَكِنْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لِسانِيٌّ، وفي أثْناءِ مُخاطَبَتِهِﷺ وهو كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ، مُحْتَمِلٌ لِلشَّرِّ والخَيْرِ، ويُسَمّى في البَدِيعِ بِالتَّوْجِيهِ، كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ومَثَّلُوا لَهُ بِقَوْلِهِ: ؎خاطَ لِي عَمْرٌو قَباءْ ∗∗∗ لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَواءْ واحْتِمالُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى (اسْمَعْ) مَدْعُوًّا عَلَيْكَ بِلا سَمِعْتَ أوِ (اسْمَعْ غَيْرَ) مُجابٍ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ، أوِ (اسْمَعْ) نابِي السَّمْعِ عَمّا تَسْمَعُهُ لِكَراهِيَتِهِ عَلَيْكَ، أوِ (اسْمَعْ) كَلامًا (غَيْرَ مُسْمَعٍ) إيّاكَ؛ لِأنَّ أُذُنَيْكَ تَنْبُو عَنْهُ، فَـ(غَيْرَ) إمّا حالٌ لا غَيْرُ، وإمّا مَفْعُولٌ بِهِ، وصَحَّتِ الحالِيَّةُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ بِاعْتِبارِ أنَّ الدُّعاءَ هو المَقْصُودُ لَهُمْ، وأنَّهم لَمّا قَدَّرُوا - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - إجابَتَهُ صارَ كَأنَّهُ واقِعٌ مُقَرَّرٌ، واحْتِمالُهُ لِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى (اسْمَعْ) مِنّا (غَيْرَ مُسْمَعٍ) مَكْرُوهًا مِن قَوْلِهِمْ: أسْمَعَهُ فُلانٌ إذا سَبَّهُ، وكانَ أصْلُهُ: أُسْمِعُهُ ما يَكْرَهُ، فَحُذِفَ مَفْعُولُهُ نَسْيًا مَنسِيًّا، وتُعُورِفَ في ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - يُخاطِبُونَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِﷺ – اسْتِهْزاءً، مُظْهِرِينَ لَهُﷺالمَعْنى الأخِيرَ، وهم يُضْمِرُونَ سِواهُ. ﴿وراعِنا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: ويَقُولُونَ أيْضًا في أثْناءِ خِطابِهِمْ لَهُ ﷺ هَذا، وهو ذُو وجْهَيْنِ كَسابِقِهِ، فاحْتِمالُهُ لِلْخَيْرِ عَلى مَعْنى (أمْهِلْنا وانْظُرْ إلَيْنا) أوِ انْتَظِرْنا نُكَلِّمْكَ، واحْتِمالُهُ لِلشَّرِّ بِحَمْلِهِ عَلى السَّبِّ، فَفي التَّيْسِيرِ: إنَّ (راعَنا) بِعَيْنِهِ مِمّا يَتَسابُّونَ بِهِ، وهو لِلْوَصْفِ بِالرُّعُونَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يُشْبِهُ كَلِمَةَ سَبٍّ عِنْدِهِمْ عِبْرانِيَّةً أوْ سُرْيانِيَّةً، وهي (راعِينا) وقِيلَ: بَلْ كانُوا يُشْبِعُونَ كَسْرَ العَيْنِ، ويَعْنُونَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - أنَّهُ - وحاشاهُ ﷺ - بِمَنزِلَةِ خَدَمِهِمْ ورُعاةِ غَنَمِهِمْ، وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ مُظْهِرِينَ الِاحْتِرامَ والتَّوْقِيرَ، مُضْمِرِينَ ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ. وهَذا نَوْعٌ مِنَ النِّفاقِ ولا يُنافِيهِ تَصْرِيحُهم بِالعِصْيانِ لِما قِيلَ: إنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ يُخاطِبُونَ النَّبِيَّ ﷺ – بِالكُفْرِ، ولا يُخاطِبُونَهُ بِالسَّبِّ والذَّمِّ والدُّعاءِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - واعْتُرِضَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا وجْهَ لِإيرادِ السَّماعِ والعِصْيانِ مَعَ التَّحْرِيفِ وإلْقاءِ الكَلامِ المُحْتَمَلِ احْتِيالًا، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المَقْصُودُ عَلى هَذا عَدُّ صِفاتِهِمُ الذَّمِيمَةِ، لا مُجَرَّدُ التَّحْرِيفِ والِاحْتِيالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُحَرِّفُونَ كِتابَهم ويُجاهِرُونَ بِإنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: إنْ قَوْلَهم (سَمِعْنا وعَصَيْنا) لَمْ يَكُنْ بِمَحْضَرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلْ كانَ فِيما بَيْنَهُمْ، فَلا يُنافِي نِفاقَهم في الجُمْلَتَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقِيلَ: القَوْلُ نَظَرًا إلى الجُمْلَةِ الأُولى حالِيٌّ وإلى الجُمْلَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لِسانِيٌّ، وقِيلَ: إنَّ الأُولى أيْضًا ذاتُ وجْهَيْنِ كالأخِيرَتَيْنِ؛ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمْ: أطَعْنا أمْرَكَ وعَصَيْنا أمْرَ قَوْمِنا، (p-48)ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم ما تَقَدَّمَ. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يُرادَ بِتَحْرِيفِ الكَلِمِ إمالَتُها عَنْ مَواضِعِها، سَواءٌ كانَتْ مَواضِعَ وضَعَها اللَّهُ تَعالى فِيها أوْ جَعَلَها المَقامُ والعُرْفُ مَواضِعَ لِذَلِكَ، فَيَكُونُ المَعْنى: هم قَوْمٌ عادَتُهُمُ التَّحْرِيفُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ إلَخْ تَعْدادًا لِبَعْضِ تَحْرِيفاتِهِمْ، والمُرادُ: إنَّهم يَقُولُونَ لَكَ: (سَمِعْنا) وعِنْدَ قَوْمِهِمْ (عَصَيْنا) ويَقُولُونَ كَذا وكَذا، فَيُظْهِرُونَ لَكَ شَيْئًا ويُبْطِنُونَ خِلافَهُ. ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ اللَّيُّ يَكُونُ بِمَعْنى الِانْحِرافِ والِالتِفاتِ والِانْعِطافِ عَنْ جِهَةٍ إلى أُخْرى، ويَكُونُ بِمَعْنى ضَمِّ إحْدى =نَحْوَ= طاقاتِ الحَبْلِ عَلى الأُخْرى. والمُرادُ بِهِ هُنا إمّا صَرْفُ الكَلامِ مِن جانِبِ الخَيْرِ إلى جانِبِ الشَّرِّ، وإمّا ضَمُّ أحَدِ الأمْرَيْنِ إلى الآخَرِ، وأصْلُهُ: (لَوِيَ) فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِـ(يَقُولُونَ) بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالقَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ، وقِيلَ: بِالأقْوالِ جَمِيعِها، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ، أيْ: لاوِينَ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ أيْ قَدْحًا فِيهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكُلٌّ مِنَ الظَّرْفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ ﴿ولَوْ أنَّهُمْ﴾ عِنْدَما سَمِعُوا شَيْئًا مِن أوامِرَ اللَّهِ تَعالى ونَواهِيهِ ﴿قالُوا﴾ بِلِسانِ المَقالِ، كَما هو الظّاهِرُ، أوْ بِهِ وبِلِسانِ الحالِ كَما قِيلَ ﴿سَمِعْنا﴾ سَماعَ قَبُولٍ مَكانَ قَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا﴾ المُرادُ بِهِ سَماعُ الرَّدِّ ﴿وأطَعْنا﴾ مَكانَ قَوْلِهِمْ: عَصَيْنا واسْمَعْ بَدَلَ قَوْلِهِمُ: اسْمَعْ غَيْر مَسْمَع. ﴿وانْظُرْنا﴾ بَدَلَ قَوْلِهِمْ: ﴿راعِنا﴾، ﴿لَكانَ﴾ قَوْلُهم هَذا ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ وأنْفَعَ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿وأقْوَمَ﴾ أيْ: أعْدَلَ في نَفْسِهِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إمّا عَلى بابِها، واعْتِبارُ أصْلِ الفِعْلِ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أوْ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وإمّا بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ (مِن)، وفي تَقْدِيمِ حالِ القَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى حالِهِ في نَفْسِهِ إيماءٌ إلى أنَّ هِمَمَ اليَهُودِ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - طَمّاحَةٌ إلى ما يَنْفَعُهُمْ، والمُنْسَبِكُ مِن (أنْ) وما بَعْدَها فاعِلُ (ثَبَتَ) المُقَدِّرِ لِدَلالَةِ أنْ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْ ثَبَتَ قَوْلُهُمْ: (سَمْعُنا) إلَخْ، وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ لا خَبَرَ لَهُ، وقِيلَ: خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ. ﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ ولَكِنْ لَمْ يَقُولُوا الأنْفَعَ والأقْوَمَ، واسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ، فَخَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأبْعَدَهم عَنِ الهُدى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ﴾ بَعْدُ ﴿إلا قَلِيلا﴾ . اخْتارَ العَلّامَةُ الثّانِيَ كَوْنَهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في (لَعَنَهُمُ) أيْ: ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا فَرِيقًا قَلِيلًا مِنهم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَلْعَنْهُمْ، فَلِهَذا آمَنَ مَن آمَنَ مِنهُمْ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وقِيلَ: هو مُسْتَثْنًى مِن فاعِلِ (يُؤْمِنُونَ) ويَتَّجِهُ عَلَيْهِ أنَّ الوَجْهَ حِينَئِذٍ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامٍ غَيْرِ مُوجِبٍ، مَعَ أنَّ القُرّاءَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلى النَّصْبِ، ويَبْعُدُ مِنهُمُ الِاتِّفاقُ عَلى غَيْرِ المُخْتارِ، مَعَ أنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ إيمانِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى وخَذَلَهُ، إلّا أنْ يُحْمَلَ ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ عَلى لَعْنِ أكْثَرِهِمْ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم وحَّدُوا، وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – وشَرِيعَتِهِ، والإيمانُ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ لا الإيمانُ الشَّرْعِيُّ، وجُوِّزَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمَ كَما في قَوْلِهِ: ؎قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ ∗∗∗ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ والمُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا إيمانًا مَعْدُومًا، إمّا عَلى حَدِّ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ إنْ كانَ المَعْدُومُ إيمانًا فَهم يُحْدِثُونَ شَيْئًا مِنَ الإيمانِ فَهو مِنَ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، أوْ أنَّ ما أحْدَثُوهُ مِنهُ لَمّا لَمْ يَشْتَمِلْ (p-49)عَلى ما لا بُدَّ مِنهُ كانَ مَعْدُومًا انْعِدامَ الكُلِّ بِجُزْئِهِ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب