الباحث القرآني
﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إنْكارٌ بَعْدَ إنْكارٍ، وقَدْ بُولِغَ فِيهِ عَلى ما تَقَدَّمَ في ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾، وقِيلَ: تَعْجِيبٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أيْ إنَّ أخْذَكم لَهُ لَعَجِيبٌ ﴿وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ كِنايَةً عَنِ الجِماعِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ وإنْ لَمْ يُجامِعْ واخْتارَهُ الفَرّاءُ وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو أحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْإمامِيَّةِ، وفي «تَفْسِيرِ الكَلْبِيِّ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الإفْضاءُ الحُصُولُ مَعَها في لِحافٍ واحِدٍ جامَعَها أوْ لَمْ يُجامِعْها، ورُجِّحَ القَوْلُ الأوَّلُ بِأنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ بِلا شُبْهَةٍ، والعَرَبُ إنَّما تَسْتَعْمِلُها فِيما يُسْتَحى مِن ذِكْرِهِ كالجِماعِ، والخَلْوَةُ لا يُسْتَحى مِن ذِكْرِها فَلا تَحْتاجُ إلى الكِنايَةِ، وأيْضًا في تَعْدِيَةِ الإفْضاءِ بِإلى ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى الوُصُولِ والِاتِّصالِ، وذَلِكَ أنْسَبُ بِالجِماعِ، ومَن ذَهَبَ إلى الثّانِي قالَ: إنَّما سُمِّيَتِ الخُلْوَةَ إفْضاءًا لِوُصُولِ الرَّجُلِ بِها إلى مَكانِ الوَطْءِ ولا يَسْلَمُ أنَّ الخُلْوَةَ لا يُسْتَحى مِن ذِكْرِها، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿تَأْخُذُونَهُ﴾ مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ أيْ عَلى أيِّ حالٍ أوْ في أيِّ تَأْخُذُونَهُ، والحالُ أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنكم ما وقَعَ ( و) قَدْ ( أخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا ) أيْ عَهْدًا ﴿غَلِيظًا﴾ أيْ شَدِيدًا قالَ قَتادَةُ: هو ما أخَذَ اللَّهُ تَعالى لِلنِّساءِ عَلى الرِّجالِ ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ ثُمَّ قالَ: وقَدْ كانَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ عِنْدَ عَقْدِ النِّكاحِ فَيُقالُ: اللَّهُ عَلَيْكَ لَتُمْسِكَنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ لِتُسَرِّحَنَّ بِإحْسانٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ ويَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ وكَثِيرٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ المِيثاقُ الغَلِيظُ كَلِمَةُ النِّكاحِ الَّتِي اسْتَحَلَّ بِها فُرُوجَهُنَّ.
واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن مَنَعَ الخُلْعَ مُطْلَقًا وقالَ: إنَّها ناسِخَةٌ لِآيَةِ البَقَرَةِ، وقالَ آخَرُ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي زَيْدٍ وقالَ جَماعَةٌ: لا ناسِخَةٌ ولا مَنسُوخَةٌ، والحُكْمُ الَّذِي فِيها هو الأخْذُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، واسْتَدَلَّ بِها كَما قالَ ابْنُ الفَرَسِ قَوْمٌ عَلى جَوازِ المُغالاةِ في المُهُورِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَهى أنْ يُزادَ في الصَّداقِ عَلى أرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فاعْتَرَضَتْهُ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ فَقالَتْ: أما سَمِعْتَ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ ؟ فَقالَ: اللَّهُمَّ غَفْرًا كُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِن عُمَرَ ثُمَّ رَجَعَ فَرَكِبَ المِنبَرَ، فَقالَ: إنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكم أنْ تَزِيدُوا النِّساءَ في صَدُقاتِهِنَّ عَلى أرْبَعِمِائَةٍ دِرْهَمٍ فَمَن شاءَ أنْ يُعْطِيَ مِن مالِهِ ما أحَبَّ، وطَعَنَ الشِّيعَةُ بِهَذا الخَبَرِ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِجَهْلِهِ بِهَذِهِ المَسْألَةِ وإلْزامِ امْرَأةٍ لَهُ وقالُوا: إنَّ الجَهْلَ مُنافٍ لِلْإمامَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في جَوازِ إيتاءِ القِنْطارِ فَإنَّها عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: إنْ جاءَكَ زَيْدٌ وقَدْ قَتَلَ أخاكَ فاعْفُ عَنْهُ، وهو لا يَدُلُّ عَلى جَوازِ قَتْلِ الأخِ سَلَّمْنا أنَّها تَدُلُّ عَلى جَوازِ إيتائِهِ إلّا أنّا لا نُسَلِّمُ جَوازَ إيتائِهِ مَهْرًا بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ إعْطاءَ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ لا بِطْرِيقِ المَهْرِ (p-245)بَلْ بِطَرِيقِ الهِبَةِ، والزَّوْجُ لا يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْ هِبَتِهِ لِزَوْجَتِهِ خُصُوصًا إذا أوْحَشَها بِالفِراقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ أفْضى﴾ لا يُعَيَّنُ كَوْنُ المُؤْتى مَهْرًا سَلَّمْنا كَوْنَهُ مَهْرًا لَكِنْ لا نُسَلِّمُ كَوْنَ عَدَمِ المُغالاةِ أفْضَلَ مِنهُ.
فَقَدْ رَوى ابْنُ حِبّانَ في «صَحِيحِهِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”«إنَّ مِن خَيْرِ النِّساءِ أيْسَرَهُنَّ صَداقًا“» وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «يُمْنُ المَرْأةِ تَسْهِيلُ أمْرِها في صَداقِها» وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا ”«أعْظَمُ النِّساءِ بَرَكَةً أيْسَرُهُنَّ صَداقًا“»، فَنَهْيُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنِ التَّغالِي يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ لِلتَّيْسِيرِ ومَيْلًا لِما هو الأفْضَلُ ورَغْبَةً فِيما أشارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَوْلًا وفِعْلًا، وعُدُولُهُ عَنْ ذَلِكَ وعَدَمُ رَدِّهِ عَلى القُرَشِيَّةِ كانَ مِن بابِ التَّرْغِيبِ في تَتَبُّعِ مَعانِي القُرْآنِ واسْتِنْباطِ الدَّقائِقِ مِنهُ، وفي إظْهارِ الكَبِيرِ العالِمِ المَغْلُوبِيَّةَ لِلصَّغِيرِ الجاهِلِ تَنْشِيطٌ لِلصَّغِيرِ وإدْخالٌ لِلسُّرُورِ عَلَيْهِ وحَثٌّ لَهُ ولِأمْثالِهِ عَلى الِاشْتِغالِ بِالعِلْمِ وتَحْصِيلِ ما يَغْلِبُ بِهِ، فَقَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اللَّهُمَّ غَفْرًا كُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِن عُمَرَ كانَ مِن بابِ هَضْمِ النَّفْسِ والتَّواضُعِ وحُسْنِ الخُلُقِ، وقَدْ دَعاهُ إلَيْهِ ما دَعاهُ، ومَعَ هَذا لَمْ يَأْمُرْهم بِالمُغالاةِ بَلْ قُصارى أمْرِهِ أنَّهُ رَفَعَ النَّهْيَ عَنْهم وتَرَكَهم واخْتِيارَهم بَيْنَ فاضِلٍ ومَفْضُولٍ ولا إثْمَ عَلَيْهِمْ في ارْتِكابِ أيِّ الأمْرَيْنِ شاءُوا، سَلَّمْنا أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدْ غابَتْ عَنْ أُفُقِ ذِهْنِهِ الشَّرِيفِ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ يَضُرُّ بِمَنصِبِ الإمامَةِ فَقَدْ وقَعَ لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِثْلُ ذَلِكَ وهو إمامُ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَألَ رَجُلٌ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ مَسْألَةٍ فَقالَ فِيها، فَقالَ الرَّجُلُ: لَيْسَ هَكَذا ولَكِنْ كَذا وكَذا، فَقالَ الأمِيرُ: أصَبْتَ وأخْطَأْنا ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، وقَدْ وقَعَ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا في كِتابِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ إلى أنْ قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ فَحَيْثُ لَمْ يُنْقِصْ ذَلِكَ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ والخِلافَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ لا يَنْقُصُ مِن مَنصِبِ الإمامَةِ كَما لا يَخْفى، فَمَن أنْصَفَ جَعَلَ هَذِهِ الواقِعَةَ مِن فَضائِلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا مِن مَطاعِنِهِ، ولَكِنْ لا عِلاجَ لِداءِ البُغْضِ والعِنادِ، ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ.
{"ayah":"وَكَیۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضࣲ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّیثَـٰقًا غَلِیظࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











