الباحث القرآني
﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، بَعْدَ أنْ حَكى سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَعَلُّلَ اليَهُودِ بِالأباطِيلِ، واقْتِراحَهُمُ الباطِلَ تَعَنُّتًا، ورَدَّ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِمْ بِما رَدَّ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِما أكَّدَ، وفي تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِمْ وأمْرِهِمْ بِالإيمانِ مَشْفُوعًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ بَعْدَ تَنْبِيهٍ عَلى أنَّ المَحَجَّةَ قَدْ وضَحَتْ والحُجَّةَ قَدْ لَزِمَتْ فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ عُذْرٌ في القَبُولِ.
وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ؛ لِأنَّ الخِطابَ ( ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ ) أيْنَما وقَعَ لَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ التَّعْمِيمَ أوْلى، وما ذُكِرَ في حَيِّزِ الِاسْتِدْلالِ، وأنَّ ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أغْلَبِيٌّ، وقِيلَ: هو لِلْكُفّارِ مُطْلَقًا إبْقاءً لِلْأمْرِ عَلى ظاهِرِهِ، ولَمْ يُحْتَجْ إلى حَمْلِهِ عَلى ما يَعُمُّ الأحْداثَ والثَّباتَ.
﴿قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإيرادُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ طاعَتِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِهِ، وفُسِّرَ بِالقُرْآنِ، وبِدِينِ الإسْلامِ، وبِشَهادَةِ التَّوْحِيدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةً بِـ( جاءَ ) أيْ: جاءَكم بِسَبَبِ إقامَةِ الحَقِّ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالفِعْلِ أيْضًا، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الحَقِّ، أيْ: جاءَكم بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ كائِنًا مِنهُ سُبْحانَهُ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ لِتَرْبِيَتِهِمْ وتَبْلِيغِهِمْ إلى كَمالِهِمُ اللّائِقِ بِهِمْ؛ تَرْغِيبًا لَهم في الِامْتِثالِ لِما بَعْدُ مِنَ الأمْرِ، كَما أنَّ في ذِكْرِ الجُمْلَةِ تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُها مِن ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّها تَكْرِيرٌ لِلشَّهادَةِ، وتَقْرِيرٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ، وتَمْهِيدٌ لِما ذُكِرَ ﴿فَآمِنُوا﴾ أيْ: بِالرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى إيجابِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ ( وافْعَلُوا ) أوِ ( ائْتُوا ) خَيْرًا لَكُمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إيمانًا خَيْرًا لَكُمْ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الإيمانَ يَنْقَسِمُ إلى خَيْرٍ وغَيْرِهِ، ودُفِعَ بِأنَّهُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَهٌ، وأنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ قَدْ لا يُعْتَبَرُ، وعَلى القَوْلِ بِاعْتِبارِهِ قَدْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَهُ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ؛ فَإنَّ لَهم إيمانًا بِبَعْضِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ كاليَوْمِ الآخِرِ مَثَلًا إلّا أنَّهُ لَيْسَ خَيْرًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى الوَجْهِ المَرْضِيِّ.
وذَهَبَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ إلى أنَّهُ خَبَرُ ( كانَ ) مُضْمَرَةً، والتَّقْدِيرُ: يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا لَكُمْ، ورُدَّ بِأنَّ ( كانَ ) لا تُحْذَفُ مَعَ اسْمِها دُونَ خَبَرِها إلّا في مَواضِعَ اقْتَضَتْهُ، وأنَّ المُقَدَّرَ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، فَيَلْزَمُ حَذْفُ الشَّرْطِ وجَوابِهِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: إنْ تُؤْمِنُوا يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا، وأُجِيبَ بِأنَّ تَخْصِيصَ حَذْفِ كانَ واسْمِها في مَواضِعَ لا يُسَلِّمُهُ هَذا القائِلُ، وبِأنَّ لُزُومَ حَذْفِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجَزْمَ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وإنْ قُلْنا: بِأنَّهُ بِنَفْسِ الأمْرِ وأخَواتِهِ كَما هو مَذْهَبٌ لِبَعْضِ النُّحاةِ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ.
ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنْ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى (p-24)الحالِ، وهو بَعِيدٌ.
﴿وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَتْ داخِلَةً في حَقِيقَتِهِما، وبِذَلِكَ يُعْلَمُ حالُ أنْفُسِهِما عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، أوْ خارِجَةً عَنْهُما مُسْتَقِرَّةً فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ المُخاطِبُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أيْ: كُلُّ ذَلِكَ لَهُ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا، ولا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ وقَهْرِهِ ذَرَّةٌ فَما دُونَها، والجُمْلَةُ دَلِيلُ الجَوابِ، أُقِيمَ مَقامَهُ؛ لِأنَّ مَضْمُونَها مُقَرَّرٌ قَبْلَ كُفْرِهِمْ فَلا يَصْلُحُ لِلْجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ تَكْفُرُوا فَهو سُبْحانُهُ قادِرٌ عَلى تَعْذِيبِكم بِكُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ فَهو غَنِيٌّ عَنْكم لا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِكم كَما لا يَنْتَفِعُ بِإيمانِكُمْ، وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّقْدِيرُ: ( ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ ) فَقَدْ كابَرْتُمْ عُقُولَكم ( ﴿فَإنَّ لِلَّهِ﴾ ) سُبْحانَهُ ما لَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى ما يُنافِي حالَكم واعْتِقادَكم فَكَيْفَ يَتَأتّى الكُفْرُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ( ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ ) فَإنَّ عَبِيدًا غَيْرَكم لا يَكْفُرُونَ بَلْ يَعْبُدُونَهُ ويَنْقادُونَ لِأمْرِهِ، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بِأحْوالِ كُلٍّ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كُفْرُهم دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿حَكِيمًا﴾ في جَمِيعِ أقْوالِهِ وتَدْبِيراتِهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كَذَلِكَ تَعْذِيبُ مَن كَفَرَ.
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَاۤءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُوا۟ خَیۡرࣰا لَّكُمۡۚ وَإِن تَكۡفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِیمًا حَكِیمࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











