الباحث القرآني

﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ الجَلالَةِ. وقَرَأ السُّلَيْمِيُّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ الجَلالَةِ، وهو اسْتِدْراكٌ عَنْ مَفْهُومِ ما قَبْلَهُ، كَأنَّهم لَمّا سَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنْزالَ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ، وتَعَنَّتُوا، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ إلَخْ، قِيلَ: إنَّهم لا يَشْهَدُونَ، (لَكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ). وحاصِلُ ذَلِكَ إنْ لَمْ تَلْزَمْهُمُ الحُجَّةُ ويَشْهَدُوا لَكَ فاللَّهُ تَعالى يَشْهَدُ، وقِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَبَّهَ الإيحاءَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإيحاءِ إلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْهَمَ ذَلِكَ التَّشْبِيهُ مَزِيَّةَ الإيحاءِ إلَيْهِمْ، فاسْتُدْرِكَ عَنْهُ بِأنَّ لِلْإيحاءِ إلَيْكَ مَزِيَّةَ شَهادَةِ اللَّهِ تَعالى. ﴿بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ أيْ: بِحَقِّيَّةِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْكَ وهو القُرْآنُ، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَشْهَدُ) والباءُ صِلَةٌ، والمَشْهُودُ بِهِ هو الحَقِّيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِهِ هو النُّبُوَّةَ، وتَعَلَّقَ (بِما أنْزَلَ) تَعَلُّقَ الآلِيَّةِ، أيْ: يَشْهَدُ بِنُبُوَّتِكَ بِسَبَبِ ما أنْزَلَ إلَيْكَ لِدَلالَتِهِ بِإعْجازِهِ عَلى صِدْقِكَ ونُبُوَّتِكَ، ولَعَلَّ مَآلَ المَعْنى ومُؤَدّاهُ واحِدٌ، فَإنَّ شَهادَتَهُ سُبْحانَهُ بِحَقِّيَّةِ ما أنْزَلَهُ مِنَ القُرْآنِ بِإظْهارِ المُعْجِزِ المَقْصُودِ مِنهُ إثْباتُ نُبُوَّتِهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «دَخَلَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ: «إنِّي واللَّهِ أعْلَمُ أنَّكم تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقالُوا: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ)». وفِي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ (إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ) قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ، فَنَزَلَ (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ). وقُرِئَ (أُنْزِلَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ذُكِرَ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) بِعِلْمِهِ الخاصِّ بِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَظْمٍ وأُسْلُوبٍ يَعْجَزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وصاحِبِ بَيانٍ، واخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) وهو عالِمٌ بِأنَّكَ أهْلٌ لِإنْزالِهِ إلَيْكَ؛ لِقِيامِكَ فِيهِ بِالحَقِّ، ودُعائِكَ النّاسَ إلَيْهِ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) بِما عَلِمَ مِن مَصالِحِ العِبادِ، مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) وهو عالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ، حافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ بِرَصْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ. والعِلْمُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ قِيلَ بِمَعْنى المَعْلُومِ، والمُرادُ بِهِ التَّأْلِيفُ والنَّظْمُ المَخْصُوصُ، ولَيْسَ مِن جَعْلِ العِلْمِ (p-20)مَجازًا عَنْ ذَلِكَ، ولَوْ جُعِلَ عَلَيْهِ العِلْمُ بِمَعْناهُ المَصْدَرِيِّ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، ويَكُونُ تَأْلِيفُهُ بَيانًا لِتَلَبُّسِهِ لا لِلْعِلْمِ نَفْسِهِ صَحَّ، لَكِنْ فِيهِ تَجَوُّزٌ مِن جِهَةِ أنَّ التَّأْلِيفَ لَيْسَ نَفْسَ التَّلَبُّسِ بَلْ أثَرَهُ، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْآلِيَّةِ كَما يُقالُ: فَعَلَهُ بِعِلْمِهِ إذا كانَ مُتْقِنًا وعَلى ما يَنْبَغِي، فَيَكُونُ وصْفًا لِلْقُرْآنِ بِكَمال الحُسْنِ والبَلاغَةِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي والثّالِثِ فالعِلْمُ بِمَعْناهُ، أوْ في الثّالِثِ بِمَعْنى المَعْلُومِ، والظَّرْفُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ومُتَعَلِّقُ العِلْمِ مُخْتَلِفٌ، وهو أنَّكَ أهْلٌ لِإنْزالِهِ أوْ مَصالِحِ العِبادِ. وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ عَلى الثّانِي حالٌ مِنَ الفاعِلِ، وعَلى الثّالِثِ مِنَ المَفْعُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا مُطْلَقًا أيْ: إنْزالًا مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ، ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ عَلى الأوَّلِ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَلى الوَجْهَيْنِ مَوْقِعُ التَّقْرِيرِ والبَيانِ لِلصِّلَةِ، وقِيلَ: إنَّها في الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ كالتَّفْسِيرِ لِـ(أنْزَلَ إلَيْكَ) لِأنَّها بَيانٌ لِإنْزالِهِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الرّابِعِ فَقَدْ ضُمِّنَ العِلْمُ بِمَعْنى الرَّقِيبِ والحافِظِ، والظَّرْفُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، ويَكُونُ (أنْزَلَهُ) تَكْرِيرًا لِيَعْلَقَ بِهِ ما عَلَقَ، أوْ كَما قِيلَ، ولَمْ يَعْتَبِرْ بَعْضُهم هَذا الوَجْهَ؛ لِأنَّهُ لا مَساسَ لَهُ بِهَذا المَقامِ، وقِيلَ: إنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ القُرْآنِ بِحِفْظِهِ مِن شَياطِينِ الجِنِّ المُشْعِرِ بِحِفْظِهِ أيْضًا مِن شَياطِينِ الإنْسِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ كالتَّفْسِيرِ لِلشَّهادَةِ أيْضًا، وقُرِئَ (نَزَّلَهُ) . ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيْضًا بِما شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم تَبَعٌ لَهُ سُبْحانَهُ في الشَّهادَةِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ (أنْزَلَهُ) أيْ: أنْزَلَهُ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِهِ وحَقِّيَّتِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهم شَهادَةَ المَلائِكَةِ عَلى صِدْقِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في دَعْواهُ بِإتْيانِهِمْ لِإعانَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في القِتالِ ظاهِرِينَ، كَما كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وأيّا ما كانَ (فَيَشْهَدُونَ) مِنَ الشَّهادَةِ، وذُكِرَ أنَّهُ عَلى الوَجْهِ الرّابِعِ مِنَ الشُّهُودِ لِلْحِفْظِ. ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ عَلى ما شَهِدَ بِهِ لَكَ، حَيْثُ نَصَبَ الدَّلِيلَ، وأوْضَحَ السَّبِيلَ، وأزالَ الشُّبَهَ، وبالَغَ في ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى شَهادَةِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ. * * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ( ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ ) أيْ: لا يُحِبُّ أنْ يَهْتِكَ العَبْدُ سِتْرَهُ إذا صَدَرَتْ مِنهُ هَفْوَةٌ، أوِ اتَّفَقَتْ مِنهُ كَبْوَةٌ ( ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ ) أيْ: إلّا جَهْرُ مَن ظَلَمَتْهُ نَفْسُهُ بِرُسُوخِ المَلِكاتِ الخَبِيثَةِ فِيهِ؛ فَإنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ بِإظْهارِ ما فِيهِ مِن تِلْكَ المَلِكاتِ، وعَرْضِها عَلى أطِبّاءِ القُلُوبِ، لِيَصِفُوا لَهُ دَواءَها. وقِيلَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى إفْشاءَ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وإظْهارَ مَواهِبِ الأُلُوهِيَّةِ، أوْ كَشْفَ القِناعِ مِن مَكْنُوناتِ الغَيْبِ ومَصُوناتِ غَيْبِ الغَيْبِ ( ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ ) بِغَلَباتِ الأحْوالِ، وتَعاقُبِ كُؤُوسِ الجَلالِ والجَمالِ، فاضْطُرَّ إلى المَقالِ، فَقالَ بِاللِّسانِ الباقِي لا بِاللِّسانِ الفانِي: أنا الحَقُّ وسُبْحانِي ما أعْظَمَ شَأْنِي، وفي تَسْمِيَةِ تِلْكَ الغَلَبَةِ ظُلْمًا خَفاءٌ لا يَخْفى. وفِي ظاهِرِ الآيَةِ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُذْنِبِينَ، حَيْثُ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَرْضى بِهَتْكِ السِّتْرِ إلّا مِنَ المَظْلُومِ، فَكَيْفَ يَرْضى سُبْحانَهُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَهْتِكَ سِتْرَ العاصِينَ ولَيْسُوا بِظالِمِيهِ جَلَّ جَلالُهُ؟! وإنَّما ظَلَمُوا أنْفُسَهم كَما نَطَقَ بِذَلِكَ الكِتابُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضِ﴾ ) هَؤُلاءِ قَوْمٌ احْتَجَبُوا بِالجَمْعِ عَنِ التَّفْصِيلِ، فَأنْكَرُوا الرُّسُلَ لِتَوَهُّمِهِمْ وحْدَةً مُنافِيَةً لِلْكَثْرَةِ، وجَمْعًا مُبايِنًا لِلتَّفْصِيلِ، ومِن هُنا عَطَّلُوا الشَّرائِعَ وأباحُوا المُحَرَّماتِ، وتَرَكُوا الصَّلَواتِ، ( ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ) الإيمانِ بِالكُلِّ جَمْعًا وتَفْصِيلًا والكُفْرِ بِالكُلِّ ( ﴿سَبِيلا﴾ ) أيْ: طَرِيقًا ( ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ ) المَحْجُوبُونَ ( ﴿حَقًّا﴾ ) بِذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ؛ لِأنَّ مَعْرِفَتَهم وهْمٌ وغَلَطٌ، وتَوْحِيدَهم زَنْدَقَةٌ وضَلالٌ، ولَقَتْلُ واحِدٍ مِنهم أنْفَعُ مِن قَتْلِ (p-21)ألْفِ حَرْبِيٍّ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ، قُدِّسَ سِرُّهُ. ( ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ ) وهُمُ المُؤْمِنُونَ جَمْعًا وتَفْصِيلًا، لا يَحْجُبُهم جَمْعٌ عَنْ تَفْصِيلٍ، ولا تَفْصِيلٌ عَنْ جَمْعٍ، كالسّادَةِ الصّادِقِينَ مِن أهْلِ الوَحْدَةِ ( ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ) مِنَ الجَنّاتِ الثَّلاثِ ( ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ) يَسْتُرُ ذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ ( ﴿رَحِيمًا﴾ ) يَرْحَمُهم بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ الحَقّانِيِّ، والبَقاءِ السَّرْمَدِيِّ. ( ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ ) أيْ: عِلْمًا يَقِينًا بِالمُكاشَفَةِ مِن سَماءِ الرُّوحِ ( ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ) أيْ: طَلَبُوا المُشاهَدَةَ، ولا شَكَّ أنَّها أكْبَرُ وأعْلى مِنَ المُكاشَفَةِ ( ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ ) أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ نارُ الأنانِيَّةِ وأهْلَكَتِ اسْتِعْدادَهم بِظُلْمِهِمْ، وهو طَلَبُهُمُ المُشاهَدَةَ مَعَ بَقاءِ ذَواتِهِمْ ( ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ ) أيْ: عِجْلَ الشَّهَواتِ، الَّذِي صاغَهُ سامِرِيُّ النَّفْسِ الأمّارَةِ ( ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ) الرّادِعَةُ لَهم عَنْ ذَلِكَ ( ﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ) وهو سُطُوعُ نُورِ التَّجَلِّي مِن وجْهِهِ حَتّى احْتاجَ إلى أنْ يَسْتُرَ وجْهَهُ بِالبُرْقُعِ رَحْمَةً بِخَفافِيشِ أُمَّتِهِ ( ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ ) أيْ: جَعَلْناهُ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ ( ﴿بِمِيثاقِهِمْ﴾ ) أيْ: بِسَبَبِ أنْ يُعْطُوا المِيثاقَ، وأُشِيرَ بِالطُّورِ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – أوْ إلى العَقْلِ، ورَفْعُهُ فَوْقَهم تَأْيِيدُهُ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ ( ﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ﴾ ) أيْ: بابَ السَّيْرِ والسُّلُوكِ المُوصِلِ إلى حَضِيرَةِ القُدْسِ، ومُلْكِ المُلُوكِ ( ﴿سُجَّدًا﴾ ) خُضَّعًا مُتَذَلِّلِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ ) أُشِيرَ بِهِ - عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ القَوْمِ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ - إلى اتِّصالِ رُوحِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالعالَمِ العُلْوِيِّ عِنْدَ مُفارَقَتِهِ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ، وذَلِكَ الرَّفْعُ عِنْدَهم إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ؛ لِأنَّ مَصْدَرَ فَيَضانِ رُوحِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَوْحانِيَّةُ فَلَكِ الشَّمْسِ الَّذِي هو بِمَثابَةِ قَلْبِ العالَمِ، ولَمّا لَمْ يَصِلْ إلى الكَمالِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو دَرَجَةُ المَحَبَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ النُّزُولِ مَرَّةً أُخْرى في صُورَةٍ جَسَدانِيَّةٍ، يَتَّبِعُ المِلَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ لِنَيْلِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ العَلِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ فَيُؤْمِنُ بِهِ أهْلُ الكِتابِ، أيْ: أهْلُ العِلْمِ العارِفِينَ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، كُلُّهم عَنْ آخِرِهِمْ ( ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ) عَلَيْهِ السَّلامُ بِالفَناءِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَإذا آمَنُوا بِهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَوْمُ بُرُوزِهِمْ عَنِ الحُجُبِ الجُسْمانِيَّةِ، وانْتِباهِمْ عَنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ ( ﴿شَهِيدًا﴾ ) وذَلِكَ بِأنْ يَتَجَلّى الحَقُّ عَلَيْهِمْ في صُورَتِهِ. ( ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ ) وهو عِبادَتُهم عِجْلَ الشَّهَواتِ، واتِّخاذُهُ إلَهًا، وامْتِناعُهم عَنْ دُخُولِ بابِ حَضِيرَةِ القُدْسِ، واعْتِدائُهم في السَّبْتِ بِمُخالَفَةِ الشَّرْعِ الَّذِي هو المَظْهَرُ الأعْظَمُ، والِاحْتِجابُ عَنْ كَشْفِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ، ونَقْضُهم مِيثاقَ اللَّهِ تَعالى، واحْتِجابُهم عَنْ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، الَّذِي هو كُفْرٌ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُساوِي: ؎مُساوٍ لَوْ قُسِمْنَ عَلى الغَوانِي لَما أُمْهِرْنَ إلّا بِالطَّلاقِ ( ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ ) عَظِيمَةٍ جَلِيلَةٍ، وهي ما في الجَنّاتِ الثَّلاثِ ( ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ) بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِمْ لَوْلا هَذِهِ المَوانِعُ ( ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) أيِ الطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ( ﴿كَثِيرًا﴾ ) أيْ: خَلْقًا كَثِيرًا، وهي القُوى الرُّوحانِيَّةُ، ( ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا﴾ ) وهو فُضُولُ العِلْمِ الرَّسْمِيِّ الجَدَلِيِّ، الَّذِي هو كَشَجَرَةِ الخِلافِ لا ثَمَرَةَ لَهُ، كاللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ والحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ ( ﴿وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ ) لِما أنَّهُ الحِجابُ العَظِيمُ ( ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ ) أيِ اسْتِعْمالِ عُلُومِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ في تَحْصِيلِ الخَسائِسِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أوْ أخْذِ ما في أيْدِي العِبادِ بِرَذِيلَةِ الحِرْصِ والطَّمَعِ. ( ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ ) المُسْتَقِيمُونَ في السَّماعِ الخاصِّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ مُعارِضَةِ النُّفُوسِ، واضْطِرابِ الأسْرارِ، ( ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ ) بِالإيمانِ العِيانِيِّ حالَ كَوْنِهِمْ ( ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ) مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والأسْرارِ الإلَهِيَّةِ. (p-22)( ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ ) عَلى أكْمَلِ وجْهٍ ( ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ ) بِبَذْلِ قَوامِهِمْ في أصْنافِ الطّاعَةِ ( ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ) أيْ: بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، والمُرادُ مِنَ المُتَعاطِفاتِ طائِفَةٌ واحِدَةٌ كَما قَدَّمْنا ( ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ) لا يُقادَرُ قَدْرُهُ فِيما أُعِدَّ لَهم مِنَ الجَنّاتِ. ( ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ ) الآيَةَ، التَّشْبِيهُ عَلى حَدِّ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ) عَلى قَوْلِ: ( ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ﴾ ) بِتَجَلِّياتِ اللُّطْفِ ( ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ ) بِتَجَلِّياتِ القَهْرِ ( ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ) أيْ: لِئَلّا يَكُونَ لَهم ظُهُورٌ وسَلْطَنَةٌ بَعْدَما مُحِيَ ذَلِكَ بِإمْدادِ الرُّسُلِ ( ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ ) فَيَمْحُو صِفاتِهِمْ، ويُفْنِي ذَواتِهِمْ ( ﴿حَكِيمًا﴾ ) فَيُفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن صِفاتِهِ، ويُبْقِيهِمْ في ذاتِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ( ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ ) لِتَجَلِّيهِ فِيهِ سُبْحانَهُ ( ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ) أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ المُحِيطِ الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، ومِن هَنا عَلِمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما كانَ وما هو كائِنٌ ( ﴿والمَلائِكَةُ﴾ ) هم أصْحابُ النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ ( ﴿يَشْهَدُونَ﴾ ) أيْضًا لِعَدَمِ احْتِجابِهِمْ ( ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ) لِأنَّهُ الجامِعُ ولا مَوْجُودَ غَيْرُهُ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب