الباحث القرآني

﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ وهو ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ جَبَلٌ كانُوا في أصْلِهِ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَهُ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، وكانَ كَمُعَسْكَرِهِمْ قَدْرَ فَرْسَخٍ في فَرْسَخٍ، ولَيْسَ هو - عَلى ما في البَحْرِ - الجَبَلُ المَعْرُوفُ بِطُورِ سَيْناءَ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(رَفَعْنا) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الطُّورِ أيْ: رَفَعْنا الطُّورَ كائِنًا فَوْقَهم ﴿بِمِيثاقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ؛ لِيُعْطُوهُ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُمُ امْتَنَعُوا عَنْ قَبُولِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَرُفِعَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوها، أوْ لِيَخافُوا فَلا يَنْقَضُّوا المِيثاقَ عَلى ما رُوِيَ أنَّهم هَمُّوا بِنَقْضِهِ فَرُفِعَ عَلَيْهِمُ الجَبَلُ فَخافُوا وأقْلَعُوا عَنِ النَّقْضِ، قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ . وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ المُرادَ بِنَقْضِ مِيثاقِهِمُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَعْلَمُوا بِما في التَّوْراةِ فَنَقَضُوهُ بِعِبادَةِ العِجْلِ، وفِيهِ: إنَّ التَّوْراةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ كَما مَرَّ آنِفًا، فَلا يَتَأتّى هَذا، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّما رَفَعَ اللَّهِ تَعالى الجَبَلَ فَوْقَهم إظْلالًا لَهم مِنَ الشَّمْسِ جَزاءً لِعَهْدِهِمْ، وكَرامَةً لَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خَرْقٌ لِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، ولَيْسَ لَهُ مُسْتَنِدٌ أصْلًا. ﴿وقُلْنا لَهُمُ﴾ عَلى لِسانِ يُوشَعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ مُضِيِّ زَمانِ التِّيهِ ﴿ادْخُلُوا البابَ﴾ قالَ قَتادَةُ - فِيما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْهُ -: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: هو إيلِياءُ، وقِيلَ: أرِيحاءُ، وقِيلَ: هو اسْمُ قَرْيَةٍ، أوْ (قُلْنا لَهُمْ) عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والطُّورُ مُظِلٌّ عَلَيْهِمُ (ادْخُلُوا البابَ) المَذْكُورَ إذا خَرَجْتُمْ مِنَ التِّيهِ، أوْ بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها؛ لِأنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا مِنَ التِّيهِ في حَياتِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. والظّاهِرُ عَدَمُ القَيْدِ ﴿سُجَّدًا﴾ مُتَطامِنِينَ خاضِعِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – رُكَّعًا، وقِيلَ: ساجِدِينَ عَلى جِباهِكم شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى ﴿وقُلْنا لَهُمُ﴾ عَلى لِسانِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – ﴿لا تَعْدُوا﴾ أيْ: لا تَتَجاوَزُوا ما أُبِيحَ لَكُمْ، أوْ لا تَظْلِمُوا بِاصْطِيادِ الحِيتانِ ﴿فِي السَّبْتِ﴾ . ويُحْتَمَلُ - كَما قالَ القاضِي بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ - أنْ يُرادَ عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ ظَلَّلَ الجَبَلُ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ شُرِعَ السَّبْتُ، لَكِنْ كانَ الِاعْتِداءُ فِيهِ والمَسْخُ في زَمَنِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَرَأ ورْشٌ، عَنْ نافِعٍ (لا تَعَدُّوا) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ، ورُوِيَ عَنْ قالُونَ تارَةً سُكُونُ العَيْنِ سُكُونًا مَحْضًا، وتارَةً إخْفاءُ فَتْحَةِ العَيْنِ، فَأمّا الأوَّلُ فَأصْلُها (تَعْتَدُوا) لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ الِاعْتِداءِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ العُدْوانِ، فَأُرِيدَ إدْغامُ تائِهِ في الدّالِّ، فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ، وقُلِبَتْ دالًّا، وأُدْغِمَتْ، وأمّا السُّكُونُ المَحْضُ فَشَيْءٌ يَراهُ النَّحْوِيُّونَ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنِينَ عَلى غَيْرِ حَدِّهِما، وأمّا الإخْفاءُ والِاخْتِلاسُ فَهو أخَفُّ مِن ذَلِكَ لِما أنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الإتْيانِ بِحَرَكَةٍ ما، وقَرَأ الأعْمَشُ (تَعْتَدُوا) (p-8)عَلى الأصْلِ، وأصْلُ (تَعَدَّوْا) في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ تَعَدُّوُوا بِواوَيْنِ، الأُولى واوُ الكَلِمَةِ، والثّانِيَةُ ضَمِيرُ الفاعِلِ، فاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى لامِ الكَلِمَةِ فَحُذِفَتْ، فالتَقى ساكِنانِ، فَحُذِفَ الأوَّلُ وهو الواوُ الأُولى، وبَقِيَ ضَمِيرُ الفاعِلِ. ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا وثِيقًا مُؤَكَّدًا، بِأنْ يَأْتَمِرُوا بِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْتَهُوا عَنْ مَناهِيهِ، قِيلَ: هو قَوْلُهُمْ: ( سَمِعْنا وأطَعْنا ) وكَوْنُهُ (مِيثاقًا) ظاهِرٌ، وكَوْنُهُ (غَلِيظًا) يُؤْخَذُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالماضِي، أوْ مِن عَطْفِ الإطاعَةِ عَلى السَّمْعِ، بِناءً عَلى تَفْسِيرِهِ بِها، وفي أخْذِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ خَفاءٌ لا يَخْفى، وحُكِيَ أنَّهم بَعْدَ أنْ قَبِلُوا ما كُلِّفُوا بِهِ مِنَ الدِّينِ أُعْطُوا المِيثاقَ عَلى أنَّهم إنْ هَمُّوا بِالرُّجُوعِ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم بِأيِّ أنْواعِ العَذابِ أرادَ، فَإنْ صَحَّ هَذا كانَتْ وكادَةُ المِيثاقِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا المِيثاقَ هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ﴾ الآيَةَ، وكَوْنُهُ (غَلِيظًا) بِاعْتِبارِ أخْذِهِ مِن كُلِّ نَبِيٍّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأخْذِ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ لَهُ مِن أُمَّتِهِ، فَهو مِيثاقٌ مُؤَكَّدٌ مُتَكَرِّرٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب